أكبر اكتتاب آسيوي في 2026 يختبر شهية المستثمرين تجاه الرقائق الصينية
أكبر اكتتاب آسيوي في 2026 يجمع 8.6 مليار دولار لصالح CXMT، وسط إقبال قوي وحذر متزايد تجاه تقييمات الرقائق الصينية واستدامة نموها.
تستعد شركة ChangXin Memory Technologies، المعروفة باسم CXMT، لدخول بورصة شنغهاي عبر اكتتاب عام أولي بقيمة 57.9 مليار يوان، أي نحو 8.6 مليار دولار، ليصبح أكبر اكتتاب في آسيا منذ بداية 2026 وأكبر طرح لشركة أشباه موصلات في سوق الأسهم الصينية المحلية.
ويمثل الاكتتاب اختباراً مهماً لثقة المستثمرين في صناعة الرقائق الصينية، إذ يأتي في لحظة تجمع بين عاملين متناقضين. فمن جهة، يرفع الذكاء الاصطناعي الطلب على رقائق الذاكرة ويدعم أرباح الشركات المنتجة لها. ومن جهة أخرى، تتعرض أسهم التكنولوجيا والرقائق لموجة بيع واسعة بسبب المخاوف من ارتفاع التقييمات وتراجع السيولة واحتمال عدم استمرار دورة الأرباح الحالية.
جذب الطرح طلبات كبيرة من المستثمرين الأفراد والمؤسسات، لكن حجم الإقبال كان أقل حدة من الاكتتابات التقنية الصينية الأخيرة. ولا يعني ذلك ضعف الطلب، بل يعكس تحولاً في سلوك السوق من الرهان المفتوح على شركات الذكاء الاصطناعي إلى تقييم أكثر حذراً لقدرتها على الحفاظ على النمو.
CXMT تجمع 8.6 مليار دولار
حددت CXMT سعر السهم في الاكتتاب عند 8.66 يوان، وتتوقع جمع 57.9 مليار يوان قبل استخدام خيار التخصيص الإضافي. وإذا استُخدم هذا الخيار بالكامل، فقد ترتفع حصيلة الطرح إلى نحو 66.6 مليار يوان، ما يعادل قرابة 9.8 مليار دولار.
وضاعفت الشركة بذلك هدفها الأصلي لجمع التمويل، الذي كان يبلغ 29.5 مليار يوان. ومن المقرر بدء تداول أسهمها في سوق STAR Market التابعة لبورصة شنغهاي في 27 يوليو 2026.
وتخصص سوق STAR Market للشركات العاملة في التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، وتعد أقرب منصة صينية إلى نموذج بورصة ناسداك الأميركية. ومن شأن انضمام CXMT إليها أن يمنح السوق واحدة من أكبر شركات الرقائق المحلية، لكنه يضع ضغوطاً في الوقت نفسه على السيولة المتاحة لأسهم الشركات التقنية الأخرى.
وقدمت المؤسسات طلبات للحصول على نحو 1.24 تريليون سهم، مقابل 2.17 مليار سهم كانت متاحة لها، ما جعل الشريحة المؤسسية مغطاة بنحو 570 مرة. ورغم ضخامة الرقم، فإنه بقي أقل كثيراً من بعض الاكتتابات الصينية الحديثة التي تجاوزت فيها طلبات المؤسسات الأسهم المعروضة بأكثر من 5,000 مرة.
الأفراد يقبلون بقوة ولكن دون اندفاع كامل
تجاوزت طلبات المستثمرين الأفراد الأسهم المتاحة عبر الشريحة الإلكترونية بنحو 244 مرة. وبعد إعادة توزيع جزء من الأسهم من المؤسسات إلى الأفراد، استقر معدل التغطية الفعلي عند نحو 212 مرة.
وبلغت فرصة الفوز بالتخصيص قرابة 0.47%، وهي أعلى نسبة مسجلة في سوق STAR Market، ما يعني أن فرصة الحصول على الأسهم كانت أكبر مقارنة بعدد من الاكتتابات التقنية السابقة. ويشير ذلك إلى أن حجم الطلب، رغم قوته، لم يصل إلى حالة الاندفاع التي صاحبت طروحات أصغر حجماً.
وتكمن المفارقة في أن CXMT تدخل السوق خلال فترة تحقق فيها أرباحاً قوية، لكنها تواجه في الوقت نفسه ظروفاً غير مواتية لأسهم الرقائق. فقد تراجع مؤشر STAR50 بنحو 25% منذ بداية يوليو، وفقدت الشركات المدرجة عليه أكثر من 590 مليار دولار من قيمتها السوقية.
ويخشى المستثمرون من أن يؤدي طرح بهذا الحجم إلى سحب الأموال من الأسهم القائمة، خصوصاً أن المستثمرين يحتاجون إلى الاحتفاظ بسيولة كبيرة للمشاركة في الاكتتاب. كما تتزامن الصفقة مع موجة بيع عالمية طالت شركات أشباه الموصلات في الولايات المتحدة وآسيا.
الذكاء الاصطناعي يدفع نمو CXMT
تأسست CXMT في 2016 وتتخصص في تصميم وإنتاج رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية DRAM. وتستخدم هذه الرقائق لتخزين البيانات بصورة مؤقتة وسريعة داخل الهواتف والحواسيب والخوادم ومراكز البيانات.
وتزداد أهمية الذاكرة مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، لأن تدريب النماذج وتشغيلها يحتاجان إلى نقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة بين وحدات المعالجة والتخزين. وأدى ارتفاع الطلب إلى زيادة أسعار رقائق الذاكرة وتحسين هوامش أرباح الشركات المنتجة لها.
سجلت إيرادات CXMT قفزة بلغت 719% خلال الربع الأول من 2026، لتصل إلى 50.8 مليار يوان. وتتوقع الشركة أن تتراوح إيرادات النصف الأول بين 110 و120 مليار يوان، أي ما يقارب ضعف إيرادات عام 2025 بأكمله، التي بلغت 61.8 مليار يوان.
وساعد هذا الأداء الشركة على رفع حجم الاكتتاب وزيادة تقييمها إلى نحو 579 مليار يوان، أي قرابة 85 مليار دولار، قبل بدء التداول. وتراهن الشركة على استخدام التمويل الجديد لتحديث تقنيات الإنتاج وتوسيع الطاقة التصنيعية وتعزيز البحث والتطوير.
الصين تبني منافساً لعمالقة الذاكرة
تحتل CXMT المرتبة الرابعة عالمياً في سوق رقائق DRAM، بحصة بلغت نحو 7.7% خلال 2025. ولا تزال السوق خاضعة لهيمنة 3 شركات هي Samsung Electronics وSK Hynix وMicron Technology.
ويمنح دخول CXMT بهذا الحجم السوق العالمية لاعباً رابعاً قادراً على زيادة الإنتاج وخفض اعتماد الصين على الموردين الأجانب. كما يجعل الشركة جزءاً مهماً من استراتيجية بكين لتحقيق الاكتفاء التقني في أشباه الموصلات.
لكن CXMT لا تزال متأخرة عن المنافسين في بعض تقنيات الذاكرة المتقدمة، خصوصاً الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. ولذلك سيعتمد نجاحها على قدرتها على تحويل الأموال التي تجمعها إلى تقدم تقني، وليس إلى زيادة الإنتاج التقليدي فقط.
كما تواجه الشركة قيوداً أميركية قد تحد من حصولها على معدات صناعة الرقائق المتقدمة. وتدفع هذه القيود CXMT إلى الاعتماد بدرجة أكبر على الموردين الصينيين وتطوير بدائل محلية للأدوات والتقنيات الأجنبية.
التوسع قد يضغط على أسعار الرقائق
تحمل زيادة إنتاج CXMT فرصة ومخاطرة في الوقت نفسه. فمن جهة، تستطيع الشركة الاستفادة من الطلب المرتفع على الذاكرة وتحسين موقعها أمام Samsung وSK Hynix وMicron. ومن جهة أخرى، قد يؤدي دخول كميات إضافية إلى السوق إلى زيادة المعروض وانخفاض الأسعار.
وتشتهر صناعة رقائق الذاكرة بدوراتها الحادة. فعندما يرتفع الطلب، تتوسع الشركات في بناء المصانع وزيادة الإنتاج، لكن دخول الطاقات الجديدة إلى السوق قد يحدث بعد تراجع الطلب، ما يؤدي إلى فائض في المعروض وهبوط الأسعار والأرباح.
ويزداد هذا الخطر إذا أثبتت نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر كفاءة قدرتها على العمل باستخدام بنية حوسبة أقل تكلفة. ففي هذه الحالة، قد لا ينمو الطلب بالسرعة التي تبني عليها الشركات خططها الاستثمارية الحالية.
ولهذا لا يختبر اكتتاب CXMT ثقة المستثمرين في شركة واحدة فقط، بل يقيس ثقتهم في استمرار دورة الصعود الحالية لصناعة الذاكرة، وفي قدرة الصين على بناء شركات رقائق تنافس عالمياً من دون الاعتماد الكامل على التقنيات الغربية.
اختبار للسوق الصينية بأكملها
تحاول وسائل الإعلام المالية الرسمية في الصين تهدئة المخاوف من أثر الاكتتاب على السيولة، مؤكدة أن السوق تمتلك أموالاً كافية لاستيعاب الصفقة، وأن إدراج CXMT قد يمنح STAR Market شركة كبيرة قادرة على دعمها على المدى الطويل.
لكن الاستقبال الحذر يكشف أن المستثمرين أصبحوا أكثر انتقائية. فالنمو القوي والإقبال المرتبط بالذكاء الاصطناعي لم يعودا كافيين وحدهما لتبرير أي تقييم، خصوصاً بعد التراجع الحاد في أسهم الرقائق.
سيكون أداء CXMT بعد بدء التداول في 27 يوليو مؤشراً إلى اتجاه السوق. فإذا حقق السهم مكاسب قوية، فقد يشجع شركات رقائق صينية أخرى على تسريع خطط الإدراج. أما إذا جاء الأداء ضعيفاً، فقد يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الطروحات التقنية الضخمة.
يأتي اكتتاب CXMT في قلب معادلة صعبة: الصين تحتاج إلى تمويل شركاتها لبناء صناعة رقائق مستقلة، بينما يريد المستثمرون ضمان ألا تتحول التوسعات الضخمة إلى فائض إنتاج وتقييمات غير قابلة للاستمرار. وبين الطموح الصناعي وحذر السوق، سيحدد هذا الطرح مقدار الثقة التي لا تزال تحتفظ بها الرقائق الصينية.