المستثمرون يستعدون لتباطؤ إنفاق عمالقة التقنية على بنية الذكاء الاصطناعي
يستعد المستثمرون لتباطؤ نمو إنفاق عمالقة التقنية على بنية الذكاء الاصطناعي، مع تحول الاهتمام من الرقائق إلى الشركات القادرة على تحقيق عوائد مستدامة.
يبدأ المستثمرون الاستعداد لمرحلة جديدة في سوق الذكاء الاصطناعي، بعد سنوات من الإنفاق المتسارع على مراكز البيانات والرقائق المتقدمة وشبكات الحوسبة. ولا تعني هذه المرحلة أن شركات التقنية ستخفض استثماراتها قريباً، بل إن السرعة القياسية التي تنمو بها تلك الاستثمارات قد تصبح أصعب في الاستمرار.
تتوقع UBS ارتفاع النفقات الرأسمالية لشركات الحوسبة السحابية العملاقة بنسبة 76% خلال 2026 إلى نحو 673 مليار دولار، قبل أن يتباطأ معدل النمو إلى 25% في 2027 و6% فقط في 2028، وفقاً لتقرير نشرته وكالة رويترز.
هذا الفارق مهم؛ فالإنفاق قد يواصل الارتفاع من حيث القيمة، لكنه لن ينمو بالوتيرة الاستثنائية نفسها. وبالنسبة إلى شركات الرقائق التي استفادت أسهمها من تسارع الطلب، يمكن أن يكون تباطؤ النمو كافياً لتغيير توقعات الأرباح والتقييمات السوقية.
سباق إنفاق يصعب الحفاظ على سرعته
ضخت Microsoft وAmazon وAlphabet وMeta مئات مليارات الدولارات في بناء مراكز البيانات وشراء معالجات الرسوميات وتوسيع شبكات الكهرباء والتبريد والاتصالات اللازمة لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتستخدم هذه الشركات البنية الجديدة لتوسيع خدمات مثل Azure وAmazon Web Services وGoogle Cloud، إلى جانب تشغيل النماذج وتطوير المساعدات الرقمية وتحسين الإعلانات وأنظمة التوصية.
بحسب UBS، سيصل إنفاق شركات الحوسبة العملاقة إلى 673 مليار دولار في 2026، بعد قفزة سنوية تبلغ 76%. لكن استمرار نمو بهذا الحجم يصبح أكثر صعوبة كلما ارتفعت قاعدة المقارنة. ولهذا يتوقع البنك تباطؤ الزيادة إلى 25% في العام التالي، ثم إلى 6% بحلول 2028.
ولا يشير هذا السيناريو إلى انهيار الاستثمار في البنية التحتية. فإذا ارتفع إنفاق قدره 673 مليار دولار بنسبة 25%، فسيصل إلى أكثر من 840 مليار دولار. وإذا نما بعد ذلك بنسبة 6%، فسيتجاوز 890 مليار دولار. أي إن السوق ستبقى ضخمة، لكن مرحلة المضاعفة السريعة قد تقترب من نهايتها.
لماذا يقلق تباطؤ النمو شركات الرقائق؟
تعتمد شركات أشباه الموصلات على استمرار الطلب القوي من عمالقة التقنية. فكل مركز بيانات جديد يحتاج إلى معالجات متقدمة وذاكرة عالية النطاق ومكونات للشبكات والتخزين وإدارة الطاقة.
وقد استفادت Nvidia وBroadcom وMicron وTSMC وASML وغيرها من هذه الدورة الاستثمارية، سواء عبر بيع الرقائق أو تصنيعها أو توفير المعدات اللازمة لإنتاجها.
ارتفع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، الذي يضم عدداً من أكبر شركات القطاع، إلى أكثر من ضعف مستواه خلال عام واحد، رغم تراجعه بنحو 18% عن ذروته المسجلة في يونيو. وفي المقابل، ارتفع مؤشر S&P 500 متساوي الأوزان بنحو 11%، بينما صعد مؤشر STOXX 600 الأوروبي، الأقل اعتماداً على شركات الذكاء الاصطناعي، بنحو 8%.
يكشف هذا التباين حجم التوقعات التي دخلت بالفعل في أسعار أسهم الرقائق. وعندما تبني السوق تقييماتها على استمرار النمو الاستثنائي، قد يصبح مجرد العودة إلى معدل طبيعي سبباً لإعادة تسعير الشركات، حتى لو بقيت أعمالها مربحة وإيراداتها مرتفعة.
المستثمرون يعيدون توزيع محافظهم
بدأ بعض مديري الأصول خفض انكشافهم على أسهم أشباه الموصلات والتوجه نحو شركات الحوسبة السحابية نفسها، التي لم تواكب بالكامل الصعود الكبير الذي سجلته شركات الرقائق.
وقال أليكسيس بوسار، مدير محفظة الأسهم العالمية لدى Edmond de Rothschild Asset Management، إنه قلص استثماراته في شركات أشباه الموصلات بعدما أصبحت أسعارها مرتفعة مقارنة بالتوقعات.
وأوضح أن توقف شركات التقنية عن زيادة نفقاتها الرأسمالية سيكون مريحاً لها، لأنه يخفف الضغط على التدفقات النقدية، لكنه سيمثل إشارة سلبية إلى قطاع الرقائق الذي يعتمد على استمرار موجة الطلب.
ويتجه مستثمرون أيضاً إلى شركات البرمجيات والأمن السيبراني والخدمات المالية والرعاية الصحية، باعتبارها قطاعات قادرة على الاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي من دون تحمل التكلفة المباشرة لبناء مراكز البيانات.
يعكس هذا التوجه انتقال الاهتمام من الشركات التي تبني البنية التحتية إلى المؤسسات التي ستستخدمها لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات وخفض النفقات. فالمرحلة الأولى من الدورة ركزت على شراء القدرة الحاسوبية، بينما قد تركز المرحلة التالية على استخراج العائد التجاري منها.
عمالقة التقنية قد يستفيدون من التباطؤ
لا يمثل تباطؤ الإنفاق خبراً سلبياً بالضرورة لشركات مثل Microsoft وAmazon وAlphabet وMeta. فقد يساعدها على تحسين التدفقات النقدية وتقليل الحاجة إلى الاقتراض وتوجيه المزيد من الأموال نحو إعادة شراء الأسهم أو توزيعات الأرباح أو الاستحواذات.
ويواجه المستثمرون حالياً صعوبة في تقييم العائد الحقيقي من الإنفاق الضخم. فبناء مركز بيانات يظهر مباشرة ضمن النفقات الرأسمالية، لكن الإيرادات التي يحققها قد تحتاج إلى سنوات كي تصبح واضحة، فيما تُحتسب تكلفة الأصول تدريجياً من خلال الاستهلاك.
كما تختلف قدرة الشركات على تحويل البنية التحتية إلى إيرادات. تستطيع Amazon وMicrosoft وAlphabet بيع القدرة الحاسوبية مباشرة عبر منصاتها السحابية، بينما تعتمد Meta بصورة أكبر على استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين الإعلانات والتفاعل داخل تطبيقاتها.
لذلك، قد ينظر السوق بإيجابية إلى تباطؤ الإنفاق إذا تزامن مع نمو الإيرادات وتحسن هوامش الربح. أما إذا تباطأ لأن الطلب أصبح أضعف من المتوقع، فقد تكون الإشارة أكثر سلبية للقطاع بأكمله.
التمويل يضيف ضغطاً جديداً
تمتلك شركات التقنية الكبرى تدفقات نقدية ضخمة، لكنها بدأت تعتمد بدرجة أكبر على أسواق الدين وهياكل التمويل الخارجي لتنفيذ مشروعات مراكز البيانات.
ويزيد هذا التحول أهمية أسعار الفائدة وتكاليف البناء والطاقة. فكلما ارتفعت تكلفة التمويل، أصبح على الشركات تحقيق عائد أكبر من مشروعاتها لتبرير الإنفاق.
كما تواجه مراكز البيانات معارضة متزايدة في بعض المناطق بسبب استهلاك الكهرباء والمياه وتأثيرها في الشبكات المحلية. ويمكن أن تؤدي القيود التنظيمية وتأخر تصاريح البناء وصعوبة الحصول على الطاقة إلى إبطاء المشروعات حتى عندما يبقى الطلب مرتفعاً.
ولا ترتبط القدرة على مواصلة الإنفاق بتوافر الأموال فقط، بل أيضاً بتوافر الرقائق والأراضي والكهرباء والمهندسين وشبكات النقل والتبريد. ومع اقتراب بعض الأسواق من حدود قدرتها الاستيعابية، ترتفع التكلفة ويصبح النمو أبطأ.
الطلب الاستثماري على الرقائق لا يزال قوياً
رغم المخاوف، لا تزال الأموال تتدفق إلى قطاع أشباه الموصلات. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز دخول نحو 10 مليارات دولار إلى الصناديق المتخصصة في أسهم الرقائق حتى نهاية مايو 2026.
ويعكس ذلك استمرار ثقة شريحة واسعة من المستثمرين في أن بناء البنية التحتية لم يصل إلى نهايته، وأن الطلب على القدرة الحاسوبية سيبقى مرتفعاً مع انتشار التطبيقات في الشركات والحكومات.
ويرى بعض مديري الصناديق أن التراجع الأخير في أسهم الرقائق يمثل تصحيحاً طبيعياً بعد صعود سريع، وليس بداية انهيار طويل. فالشركات ما زالت تعلن طلباً قوياً، وتستمر مراكز البيانات في مواجهة نقص في القدرة المتاحة.
لكن استمرار القصة الاستثمارية لا يعني أن جميع الشركات ستستفيد بالتساوي. فقد تتجه السوق إلى التمييز بصورة أكبر بين الشركات التي تملك تقنيات يصعب استبدالها، وتلك التي اعتمد صعودها بصورة أساسية على اتساع الإنفاق العام.
العائد على الاستثمار يصبح السؤال الأهم
ركز المستثمرون خلال المرحلة السابقة على حجم ما تنفقه شركات التقنية. أما الآن، فيتحول الاهتمام إلى ما تحققه مقابل كل دولار تستثمره.
وسيبحث السوق عن نمو إيرادات الخدمات السحابية، وعدد العملاء الذين يدفعون مقابل الأدوات الجديدة، وتأثير الذكاء الاصطناعي في الإنتاجية وهوامش الربح. كما سيراقب المدة التي تحتاج إليها مراكز البيانات للوصول إلى التشغيل الكامل.
إذا أثبتت الشركات قدرتها على تحويل الإنفاق إلى أرباح مستدامة، فقد يستمر الاستثمار عند مستويات مرتفعة لسنوات. أما إذا بقيت الإيرادات أقل من التوقعات، فقد تضطر إلى تأجيل المشروعات أو إعادة ترتيب أولوياتها.
انتقال من بناء البنية إلى استثمارها
لا يستعد المستثمرون لنهاية طفرة الذكاء الاصطناعي بقدر ما يستعدون لتغير طبيعتها. فبعد موجة ركزت على الرقائق والخوادم ومراكز البيانات، قد تنتقل القيمة تدريجياً إلى البرمجيات والخدمات والقطاعات التي تستخدم هذه البنية لحل مشكلات حقيقية.
وسيظل إنفاق عمالقة التقنية ضخماً وفق التوقعات، لكن انخفاض معدل نموه من 76% في 2026 إلى 6% في 2028 قد يعيد توزيع الرابحين داخل السوق.
قد تحصل شركات التقنية الكبرى على فرصة لتحسين تدفقاتها النقدية، بينما تواجه شركات الرقائق اختباراً لقدرتها على الحفاظ على النمو بعد تراجع سرعة الطلب. وفي المقابل، قد تبدأ قطاعات تقليدية في جذب اهتمام أكبر عندما تظهر فوائد استخدام التكنولوجيا في أعمالها.
وهكذا يدخل سوق الذكاء الاصطناعي مرحلة أكثر صعوبة ونضجاً؛ مرحلة لا يكفي فيها الإعلان عن مليارات جديدة، بل يصبح السؤال الأساسي: من يستطيع تحويل هذه الاستثمارات إلى عائد اقتصادي مستدام؟