هل رمضان موسم مناسب للاستثمار؟ قراءة في سلوك الأسواق الخليجية
يعيد رمضان ترتيب الإنفاق في الخليج، مع ذروة ليلية بعد الإفطار وقفزة للملابس والهدايا قبل العيد، ما يخلق فرص استثمارية حسب التوقيت والقطاع
يتكرّر السّؤال كلّ عامٍ: هل يعدّ الاستثمار في رمضان فرصةً حقيقيّةً أم مجرّد انطباعٍ موسميٍّ؟ في الواقع، لا يغيّر رمضان «ماذا يشتري النّاس» فقط، بل يغيّر «متى يشترون» وكيف تتوزّع السّيولة بين القطاعات داخل الأسواق الخليجيّة. ومع انتقال جزءٍ كبيرٍ من النّشاط إلى ساعات اللّيل، واقتراب ذروة الشّراء قبل عيد الفطر، يصبح توقيت القرار الاستثماريّ مهمّاً بقدر اختيار الأداة نفسها.
كيف يغير رمضان توقيت الإنفاق داخل الأسواق الخليجية؟
أبرز ما يميّز رمضان في الأسواق الخليجيّة هو إعادة ترتيب اليوم الاقتصاديّ. وفق تحليل Visa لبيانات معاملات VisaNet، يتحوّل الإنفاق إلى ساعاتٍ متأخّرةٍ من اللّيل، وتزداد حصّة المعاملات بين 10 مساءً و4 فجراً بشكلٍ واضحٍ في دولٍ خليجيّةٍ مثل السّعوديّة والكويت، مع ارتفاعٍ ملحوظٍ أيضاً في الإمارات. هذا التّحوّل لا ينعكس على التّجزئة فقط، بل ينعكس على خدمات التّوصيل، والمطاعم، والمقاهي، والسّوبرماركت، وحتّى على نماذج الحملات التّسويقيّة وتوقيت الخصومات.
الأهمّ للمستثمر أنّ الإنفاق الرّمضانيّ «غير ثابتٍ» خلال الشّهر:
- قبل بداية رمضان وأوّل أسبوعين: تميل الأسر إلى شراء الأساسيّات والتّخزين الغذائيّ.
- آخر 10 أيّامٍ: ينتقل ثقل الإنفاق إلى الملابس والهدايا والمتاجر الكبرى والسّلع ذات الطّابع الاحتفاليّ، استعداداً للعيد، وقد ترتفع معاملات فئاتٍ محدّدةٍ إلى مضاعفاتٍ مقارنةً بفترةٍ عاديّةٍ (مثل ارتفاع معاملات السّلع الفاخرة والملابس في السّعوديّة بحسب Visa).
هذا يعني أنّ الاستثمار في رمضان يمكن أن يستفيد من موجتين: موجة «الاحتياجات» وموجة «الاحتفال».
الاستثمار في رمضان في أسواق الأسهم الخليجية: ماذا تقول الدراسات؟
على مستوى أسواق المال، توجد أدبيّاتٌ بحثيّةٌ تتناول «أثر رمضان» على العوائد والتّقلّبات. في دراسةٍ منشورةٍ في Research in International Business and Finance عن السّوق السّعوديّ توثّق نمطاً بانخفاض التّقلّبات خلال رمضان، وترجّح ارتباط ذلك بتراجع نشاط التّداول.
ومن زاويةٍ أوسع، بحثٌ منشورٌ في Journal of Banking & Finance حلّل 14 دولةً ذات أغلبيّةٍ مسلمةٍ عبر فترةٍ طويلةٍ، وخلص إلى أنّ عوائد الأسهم خلال رمضان كانت أعلى وأقلّ تقلّباً من بقيّة العام، دون رصد تراجعٍ واضحٍ في السّيولة على مستوى العيّنة. ولكن عمليّاً داخل الأسواق الخليجيّة، يجب أن تقرأ هذه النّتائج كإشاراتٍ احتماليّةٍ لا كقاعدةٍ مضمونةٍ، لأنّ سلوك المستثمرين يتغيّر حسب:
- نتائج الشّركات والقطاعات في ذلك العام
- سياسات الفائدة والسّيولة
- الأخبار الجيوسياسيّة
- ساعات العمل والتّداول (والّتي قد تتغيّر بين سوقٍ وآخر)
مثالٌ سريعٌ: تعرض بورصة الكويت ساعات تداولٍ خاصّةً برمضان (جلساتٍ أقصر مقارنةً بالأوقات الاعتياديّة)، بينما يذكر إعلان «تداول السّعوديّة» لعام 2023 أنّ ساعات التّداول خلال رمضان بقيت دون تغييرٍ في ذلك العام.
أين تتركز فرص الاستثمار في رمضان داخل الأسواق الخليجية؟
عند الحديث عن الاستثمار في رمضان، المنطق الأكثر واقعيّةً هو ربط الفرصة بالمستفيد المباشر من تحوّل الإنفاق، لا بمجرّد وجود «موسمٍ».
الأغذية والسوبرماركت وتطبيقات التوصيل
تشير Visa إلى تغيّرٍ واضحٍ في توقيت المعاملات لفئاتٍ مثل البقّالات والسّوبرماركت وتطبيقات توصيل الطّعام، مع نشاطٍ يمتدّ بعد الإفطار وحتّى ساعاتٍ متأخّرةٍ. هذا يدعم الشّركات الّتي لديها:
- سلاسل توريدٍ مرنةٌ
- انتشارٌ رقميٌّ قويٌّ
- قدرةٌ على استيعاب ذروة الطّلب اللّيليّ
الملابس والمتاجر الكبرى والرفاهية قبل العيد
في آخر 10 أيّامٍ، تقفز معاملات فئاتٍ مثل الملابس والرّفاهيّة والمتاجر الكبرى مقارنةً بفترةٍ عاديّةٍ (بمضاعفاتٍ متفاوتةٍ حسب الدّولة والفئة). هنا تظهر فرصٌ موسميّةٌ للشّركات المرتبطة بالموضة، والهدايا، والعطور، والإكسسوارات، خصوصاً مع حملات «رمضان والـ Eid».
المدفوعات الرقمية والتجارة الإلكترونية
السّلوك اللّيليّ وارتفاع الاعتماد على التّطبيقات يرفع أهمّيّة شركات المدفوعات والخدمات الماليّة الرّقميّة وحلول الـ POS، ويزيد حساسيّة السّوق لجودة التّجربة الرّقميّة (تطبيقٌ، توصيلٌ، استردادٌ، خدمة عملاءٍ). كما يعزّز تنافسيّة الشّركات القادرة على تقديم عمليّات دفعٍ سريعةٍ وآمنةٍ وتجربة استخدامٍ سلسةٍ تحافظ على ولاء العملاء خلال فترات الذّروة.
الضيافة والمطاعم والمقاهي
«اقتصاد اللّيل» في رمضان يعني أنّ المطاعم والمقاهي ليست مجرّد رفاهيّةٍ، بل جزءٌ من الرّوتين الرّمضانيّ، وخصوصاً في السّحور وما بعد التّراويح. Visa تربط ذلك بزيادة نشاط هذه الفئات في ساعاتٍ متأخّرةٍ مقارنةً بالأشهر العاديّة. ويشير ذلك إلى تحوّلٍ هيكليٍّ في توزيع الإنفاق اليوميّ، حيث تنتقل الذروة الاستهلاكيّة من النهار إلى الليل، ما يخلق فرصاً استثماريّةً إضافيّةً للشركات القادرة على إدارة الطّلب المتأخّر بكفاءةٍ عاليةٍ.
عامل الوقت والعمل: لماذا يهم المستثمر؟
تغيّر ساعات العمل في رمضان يؤثّر على الإنتاجيّة اليوميّة، وأوقات التّسوّق، وأحياناً قرارات المستهلك. في الإمارات مثلاً، أعلنت وزارة الموارد البشريّة والتّوطين خفض ساعات العمل للقطاع الخاصّ ساعتين يوميّاً خلال رمضان مع إمكانيّة تطبيق ترتيباتٍ مرنةٍ أو عملٍ عن بعدٍ. هذا النّوع من القرارات يعيد توزيع الحركة الاقتصاديّة باتّجاه المساء ويؤثّر على أنماط زيارة المتاجر والخدمات.
كما أنّ بعض البورصات تعلن ساعات عمل خاصّةً برمضان (مثل إعلان بورصة الكويت عن جدول رمضان، وإعلان بورصة قطر عن ساعات الدّوام وفترة التّداول).
إطار عملي لاتخاذ قرار الاستثمار في رمضان في الأسواق الخليجية
إذا أردت تحويل الفكرة إلى قرارٍ قابلٍ للتّنفيذ، استخدم هذا الإطار البسيط:
- حدّد هدفك الزّمنيّ: هل تبحث عن حركةٍ قصيرةٍ قبل العيد؟ أم بناء مركزٍ استثماريٍّ أطول على شركاتٍ قويّةٍ قد تستفيد موسميّاً لكنّ قيمتها تأتي من الأساسيّات؟
- اربط الاستثمار بالمحفّز الحقيقي: لا يكفي أن «القطاع رمضانيٌّ». اسأل: هل الشّركة تملك قناة بيعٍ رقميّةً قويّةً؟ هل لديها قدرةٌ تشغيليّةٌ لذروة الطّلب؟
- راقب منحنى الشّهر لا مجرّد الشّهر: بعض الفئات تقوى في أوّل أسبوعين (أساسيّاتٍ)، وأخرى في آخر 10 أيّامٍ (ملابس/هدايا). بيانات Visa توضّح اختلاف التّوقيت بوضوحٍ.
- افحص السّيولة وساعات التّداول في سوقك: تحقّق من إعلانات السّوق الّذي تتداول فيه، لأنّ ساعات التّداول قد تختلف بين بورصةٍ وأخرى وبين سنةٍ وأخرى.
- لا تهمل الصّورة الاقتصاديّة العامّة: تقارير مثل Mastercard Economics Institute تشير إلى اتّجاهات نموّ إنفاق المستهلك والسّياحة في الخليج، وهذه الخلفيّة قد تعزّز أو تضعف أيّ رهانٍ موسميٍّ.
الخاتمة
نعم، يمكن أن يكون رمضان موسماً مناسباً للاستثمار داخل الأسواق الخليجيّة، لكن ليس لأنّه «رمضان» فقط، بل لأنّ سلوك الإنفاق يتغيّر بطريقةٍ قابلةٍ للقياس: اقتصادٌ ليليٌّ، ذروةٌ للسّلع الأساسيّة مبكّراً، ثمّ قفزةٌ للملابس والهدايا قبل العيد. وفي أسواق المال، توجد إشاراتٌ بحثيّةٌ لاحتمال انخفاض التّقلّبات ووجود أثرٍ إيجابيٍّ للعوائد في بعض السّياقات، لكنّ ذلك لا يغني عن قراءة السّوق والقطاع والتّوقيت بدقّةٍ.
-
الأسئلة الشائعة
- هل تختلف فرص الاستثمار في رمضان بين دولة خليجية وأخرى؟ نعم تختلف بشكل واضح. فتركيبة الاقتصاد في كل دولة خليجية تلعب دوراً أساسياً في تحديد القطاعات المستفيدة. على سبيل المثال، الاقتصاد السعودي يتميز بحجم سوق استهلاكي كبير ما يجعل التجزئة والأغذية أكثر حساسية لرمضان، بينما في الإمارات قد يكون لقطاع السياحة والضيافة والتجارة الإلكترونية وزن أكبر بسبب الانفتاح الدولي وتنوع السكان. كما تؤثر سياسات الفائدة، حجم السيولة، وساعات التداول في كل بورصة على شكل الفرصة الاستثمارية. لذلك لا يمكن تعميم نمط واحد على جميع الأسواق الخليجية، بل يجب تحليل كل سوق على حدة.
- هل يعتبر الاستثمار في رمضان مناسباً للمستثمر طويل الأجل؟ ليس بالضرورة أن يكون رمضان فرصة قصيرة الأجل فقط. صحيح أن بعض القطاعات تستفيد موسمياً، لكن المستثمر طويل الأجل يمكنه الاستفادة إذا كانت الشركة تمتلك أساسيات قوية ونموذج أعمال مستداماً. إذا كانت الشركة تحقق نمواً سنوياً مستقراً وتستفيد من رمضان كعامل دعم إضافي للإيرادات، فقد يشكل ذلك تعزيزاً للعائد طويل الأجل وليس مجرد مكسب موسمي عابر. الفارق هنا يكمن في التفريق بين شركة قوية تستفيد من الموسم، وشركة تعتمد عليه فقط.