علي بابا تطلق Qwen-3.5 الأسرع والأقل تكلفة: هل يتفوّق على ChatGPT؟
تٌسارع شركة علي بابا الزمن بإطلاق Qwen-3.5 لتعزيز الذكاء الاصطناعي الوكيليّ، مسرّعةً السّباق الصّينيّ نحو أنظمةٍ مستقلةٍ، عالية الأداء، منخفضة التّكلفة، وقابلة للنّشر عالميّاً
كشفت «علي بابا» (Alibaba) عن جيلٍ جديدٍ من نماذج الذّكاء الاصطناعيّ، فدفعت بذٰلك سباق التّقنية داخل الصّين إلى مستوى أكثر حدّةً وتسارعاً؛ إذ لم تعد المنافسة تدور حول تحسيناتٍ تدريجيّةٍ، بل باتت تتمحور حول بناء أنظمةٍ قادرةٍ على التّصرّف ذاتيّاً نيابةً عن المستخدمين، وفق ما نقلته شبكة CNBC. ومن هٰذا المنطلق، لم يأت الإعلان خطوةً معزولةً، بل جاء ضمن موجةٍ متلاحقةٍ من الإطلاقات الّتي تعكس اشتعال سباقٍ لا يمنح المتأخّرين فرصة التقاط الأنفاس.
وأطلقت الشّركة نموذجها Qwen-3.5 بعد أيّامٍ قليلةٍ فقط من تحرّك منافسين رئيسيّين—من بينهم «بايت دانس» (ByteDance) و«زيبو إيه آي» (Zhipu AI)، لطرح أنظمةٍ مطوّرةٍ تركّز بدورها على القدرات الوكيليّة. وهٰكذا، ومع كلّ إعلانٍ جديدٍ، يتكرّس نمطٌ واضحٌ: تطوّرٌ سريعٌ، يعقبه ردٌّ أسرع، ثمّ تحديثٌ مضادٌّ، بما يعكس تصعيداً مباشراً في سباق الذّكاء الاصطناعيّ الصّينيّ، حيث تراقب الشّركات بعضها بعضاً وتتحرّك بإيقاعٍ متقاربٍ يكاد يكون لحظيّاً.
قدّمت «علي بابا» نسختين من النّموذج، ولم يكن ذٰلك تفصيلاً تقنيّاً عابراً، بل خياراً استراتيجيّاً يعكس فهماً دقيقاً لاختلاف احتياجات السّوق. فأطلقت أوّلاً نسخةً ذات أوزانٍ مفتوحةٍ تحمل اسم Qwen-3.5، تمكّن المؤسّسات من تنزيل النّموذج وتشغيله على أجهزتها أو خوادمها الخاصّة، الأمر الّذي يتيح تخصيصه وتدريبه داخليّاً مع الحفاظ على سيادة البيانات وخصوصيّتها. وبذٰلك، خاطبت الشّركة شريحةً تبحث عن مرونةٍ أكبر وتحكّمٍ أعمق في البنية التّقنيّة.
وفي المقابل، طرحت نسخةً مستضافةً تحت اسم Qwen-3.5-Plus تعمل عبر منصّة Model Studio التّابعة لـ «علي بابا كلاود» (Alibaba Cloud)، بحيث يتمكّن المستخدمون من الاستفادة من قدرات النّموذج دون الانخراط في إدارة البنية التّحتيّة أو تحمّل أعبائها التّشغيليّة. وهنا يتّضح التّوازن المقصود: بين استقلاليّةٍ كاملةٍ من جهةٍ، وسهولة استخدامٍ فوريّةٍ من جهةٍ أخرى.
ثمّ عزّزت الشّركة هٰذا التّوجّه بإطلاق النّسختين قبيل عطلة رأس السّنة القمريّة مباشرةً، في توقيتٍ مدروسٍ يعكس رغبةً في ترسيخ الحضور قبل موجة إعلاناتٍ جديدةٍ. كذٰلك أعلن لين جون يانغ، المسؤول التّقنيّ عن Qwen في «علي بابا كلاود»، عبر «لينكدإن» (LinkedIn)، عزم الشّركة طرح نماذج إضافيّةٍ ذات أوزانٍ مفتوحةٍ خلال موسم العطلات، بما يوحي بأنّ ما جرى ليس سوى بداية سلسلةٍ متتابعةٍ من الإصدارات.
وفي ما يتعلّق بالقدرات التّقنيّة، لم تكتف «علي بابا» برفع سقف الأداء، بل سعت في الوقت ذاته إلى خفض الكلفة، فجمعت بين البعدين في معادلةٍ واحدةٍ. إذ صمّمت Qwen-3.5 بقدراتٍ متعدّدة الوسائط أصيلةٍ، ما يمكّنه من معالجة النّصوص والصّور والفيديو ضمن نموذجٍ موحّدٍ، بدل الاعتماد على أدواتٍ منفصلةٍ، وهو ما يعزّز التّكامل ويختصر زمن المعالجة. وإلى جانب ذٰلك، وسّع النّموذج دعمه اللّغويّ ليشمل 201 لغةً ولهجةً، مقارنةً بـ 82 لغةً فقط في الإصدار السّابق، في إشارةٍ واضحةٍ إلى طموحٍ عالميٍّ لا يقتصر على السّوق المحلّيّة.
وعلاوةً على ذٰلك، ركّز النّموذج على ما يعرف بالسّلوك الوكيليّ، أي القدرة على تنفيذ مهامّ متعدّدة الخطوات بصورةٍ مستقلّةٍ مع حدٍّ أدنى من التّدخّل البشريّ، وهو توجّهٌ يتكرّس بوصفه عنوان المرحلة الرّاهنة في صناعة الذّكاء الاصطناعيّ. كما دعم النّظام وكلاء مفتوحي المصدر مثل OpenClaw، بما يعزّز قابليّة التّكامل مع أطرٍ خارجيّةٍ ويوسّع نطاق الاستخدامات المحتملة.
أمّا من حيث البنية، فضمّت النّسخة ذات الأوزان المفتوحة 397 مليار معلّمةٍ، وهو عددٌ أقلّ من الإصدار السّابق، غير أنّ الشّركة أكّدت—استناداً إلى اختباراتٍ داخليّةٍ—تحقيق أداءٍ مماثلٍ للأنظمة الرّائدة لدى «أوبن إيه آي» (OpenAI) و«أنثروبيك» (Anthropic) و«غوغل ديب مايند» (Google DeepMind). ومع ذٰلك، تجدر الإشارة إلى أنّ هٰذه المقارنات تستند إلى بياناتٍ صادرةٍ عن الشّركة نفسها، كما أوضحت CNBC، وهو ما يفرض قراءة النّتائج في سياقها التّنافسيّ.
ويأتي هٰذا الإطلاق في سياقٍ أوسع لا يقتصر على البرمجيّات وحدها؛ إذ سبقه طرح نموذج RynnBrain الموجّه لمساعدة الرّوبوتات على فهم العالم المادّيّ، لتضع «علي بابا» نفسها ضمن سباق «الذّكاء الاصطناعيّ الفيزيائيّ» إلى جانب «إنفيديا» (Nvidia) و«غوغل» (Google). وهٰكذا، لا تبدو الاستراتيجيّة محصورةً في تطوير نماذج لغويّةٍ، بل تمتدّ إلى بناء منظومةٍ أوسع تتقاطع فيها البرمجيّات مع الأجهزة.
وعلى المستوى العالميّ، تتصاعد المنافسة بوتيرةٍ موازيةٍ؛ فقد طرحت «أنثروبيك» أدوات وكلاء جديدةً ضمن Claude، في حين استقطبت «أوبن إيه آي» مطوّر إطار OpenClaw، في خطوةٍ تعكس إدراكاً مشتركاً بأنّ وكلاء الذّكاء الاصطناعيّ قد يعيدون رسم ملامح الإنترنت نفسه. وفي هٰذا السّياق، حذّر مارك آينشتاين من «كاونتر بوينت ريسيرش» (Counterpoint Research) من أنّ التّحوّل المحتمل في نماذج الأعمال التّقليديّة قد يحمل عواقب قاسيةً على غير المستعدّين، مشيراً إلى أنّ الشّركات الصّينيّة تدرك هٰذا التّهديد وتسابق الزّمن للاستعداد له.
بل أكثر من ذٰلك، أبدى منافسون دوليّون قلقاً متزايداً من تقليص الفجوة التّقنيّة؛ إذ أشار ديميس هاسابيس، الرّئيس التّنفيذيّ لـ «غوغل ديب مايند»، إلى أنّ الفارق بين النّماذج الصّينيّة والأمريكيّة يقاس بالأشهر لا بالسّنوات، وهو فارقٌ يتضاءل مع كلّ إصدارٍ جديدٍ.
وعند مقارنة Qwen-3.5 بـ ChatGPT-5.2، تتجلّى فروق الأولويّات بوضوحٍ؛ إذ صمّمت «علي بابا» نموذجها ليكون موجّهاً أساساً نحو التّنفيذ الذّاتيّ للمهامّ، بينما قدّمت «أوبن إيه آي» نموذجها كمساعدٍ عامٍّ متعدّد الوسائط يركّز على تحسين الاستدلال وحلّ المشكلات المعقّدة. وبينما خفّضت «علي بابا» كلفة التّشغيل بنحو 60% ورفعت سرعة المعالجة إلى ما يقارب ثمانية أضعافٍ، وفق «رويترز» (Reuters)، ركّزت «أوبن إيه آي» على تعميق القدرة التّحليليّة والمنهجيّة.
كما يبرز اختلافٌ جوهريٌّ في نموذج الإتاحة؛ إذ توفّر Qwen-3.5 نسخاً ذات أوزانٍ مفتوحةٍ يمكن تشغيلها محلّيّاً، في حين يبقى ChatGPT-5.2 نظاماً احتكاريّاً مغلقاً. غير أنّ الاختبارات المستقلّة قدّمت صورةً أكثر تعقيداً؛ ففي تجربةٍ أجرتها Andon Lab لمحاكاة إدارة مشروع آلة بيعٍ افتراضيّةٍ على مدى عامٍ كاملٍ، انتهى نموذج Qwen-3.5 إلى الإفلاس، بينما حقّق Claude Opus 4.6 أرباحاً تقارب 8,000 دولارٍ، وسجّل ChatGPT-5.2 ما يقارب 2,000 دولارٍ.
ومن ثمّ، يكشف هٰذا التّباين عن مفاضلةٍ واضحةٍ؛ إذ يبدو أنّ Qwen-3.5 محسّنٌ للسّرعة والكلفة ومرونة النّشر، في حين تظهر النّماذج المنافسة أداءً أكثر استقراراً في القرارات طويلة الأمد والمعقّدة. وهٰكذا، لا تدور المنافسة حول نموذجٍ «أفضل» بإطلاقٍ، بل حول فلسفتين مختلفتين في تصميم الذّكاء الاصطناعيّ: فلسفةٍ تراهن على الكفاءة والانتشار، وأخرى تراهن على العمق والاستدامة في اتّخاذ القرار.