النقطة المثالية: كيف تصنع سارة حمودة شوكولاتة دبي بشروطها الخاصة؟
من رغبة شخصيّةٍ وابتكارٍ منزليٍّ إلى ظاهرةٍ عالميّةٍ أعادت تعريف الحلويّات الفاخرة، مع نموٍّ متأنٍ يضع الجودة والهويّة قبل الانتشار السّريع
"لقد رويت هذه القصّة مرّاتٍ عديدةً، ومع ذلك لا تزال تبدو لي وكأنّها حلمٌ في كلّ مرّةٍ."
هكذا بدأت سارة حمودة، المؤسِّسة الشّريكة والرّئيسة التّنفيذيّة لشركة "فكس ديسرت شوكلاتير" (FIX Dessert Chocolatier)، روايتها لمجلة "عربية Inc." عن العلامة التّجاريّة الّتي وُلدت في دبي وأطلقتها عام 2021 مع زوجها يزن العاني، وما تكشفه كلماتها هو الشّعور بالدهّشة وعدم التّصديق الّذي لا يزال يرافقها تجاه المسار الّذي سلكه مشروعها خلال السّنوات القليلة الماضية.
ولكن من السّهل فهم السّبب وراء ذلك؛ إذ تقفFIX Dessert Chocolatier وراء الابتكار في عالم الحلويّات الّذي أصبح يُعرف دوليّاً باسم "شوكولاتة دبي"، والنّجاح الّذي شهدته سارة حمودة منذ ابتكار علامتها التّجاريّة الفاخرة - لوح شوكولاتة الكنافة بالفستق (Can't Get Knafeh Of It) المحشو بالفستق، والطّحينة، والكنافة- الّذي انتشر بشكلٍ واسعٍ على وسائل التّواصل الاجتماعيّ عام 2023، هو بالضّبط ما تُروى عنه حكايات المؤسّسين. ومع ذلك، في حالة سارة، فإنّ كلّ شيء واقعيٌّ وحقيقيٌّ تماماً.
بعد أن أحدثت علامة FIX Dessert Chocolatier تأثيراً امتدّ من تحطيم أرقام المبيعات إلى التّسبّب في نقصٍ عالميٍّ في الفستق، أُشيد بها كواحدةٍ من أنجح قصص ريادة الأعمال الّتي خرجت من الإمارات العربيّة المتّحدة، إلّا أنّ بداياتها كانت متجذّرةً في مسألةٍ شخصيّةٍ بحتةٍ كانت سارة حمودة تتعامل معها في تلك المرحلة بالذّات.
تستذكر سارة قائلةّ: "عندما بدأتُ FIX Dessert Chocolatier، كنت حاملاً وأشتاق إلى شيءٍ محدّدٍ للغاية: شيء مليء بالدّلال، متعدّد الطّبقات، ومريح إلى أقصى حدٍّ". وتضيف: "كان لا بدّ أن يحمل هذا الشّيء التّوازن المطلوب: دفء الحنين إلى الماضي، وفي الوقت ذاته عنصر المفاجأة غير المتوقّع."
في النّهاية، توصّلت سارة مع زوجها إلى فكرة تحضير حلوىً مغلّفةٍ بالشّوكولاتة، والّتي أصبحت أساس التّركيبة الفريدة للوح شوكولاتة الكنافة بالفستق، فضلاً عن العديد من ابتكاراتهما اللّاحقة. وقد بُذل في إعداد هذه الحلويات عنايةٌ وجهدٌ كبيران؛ فقد كان المؤسّسان الشّريكان حريصين على كلّ جانبٍ من جوانب منتجاتهما، بدءاً من اختيار المكوّنات والتّقنيات المستخدمة في الصّنع، وصولاً إلى طريقة التّغليف الّتي صُممت لتمنح عند فتحها إحساساً يشبه لحظة فكّ الهدايا.
لكن النّجاح الباهر الذي تُعرف به FIX Dessert Chocolatier اليوم لم يكن حليفها منذ الانطلاقة. فقد أُطلقت العلامة رسميّاً كعملٍ تجاريٍّ إلكترونيٍّ في عام 2022، وكانت لفترةٍ من الوقت مجرّد شركةٍ ناشئةٍ أخرى في دبي، يديرها سارة حمودة ويزن العاني كهوايةٍ جانبيّةٍ، يواجهان تحدّياتٍ ستكون مألوفةً لأيّ مؤسّسٍ تقريباً.
تروي سارة قائلةً: "كان لدينا إعدادٌ صغيرٌ جدّاً، وكنّا نسهر كلّ ليلةٍ، نوازن بين الحياة مع طفلين صغيرين وبين وظائفنا بدوامٍ كاملٍ. في تلك الأيّام الأولى، كنّا ببساطةٍ نصنع شيئاً نؤمن به ونقدّمه للآخرين. وكان الدّعم وردود الفعل والتّشجيع هو ما أبقانا مستمرّين، حتّى عندما بدت الأمور مستحيلةً، لأنّنا كنّا نؤمن حقّاً بمنتجنا".
كانت FIX Dessert Chocolatier تسير في تلك المرحلة كأيّ مشروعٍ صغيرٍ عاديٍ، لكن نقطة التّحوّل الحقيقيّة جاءت في ديسمبر 2023، عندما نشرت منشئة المحتوى "ماريا فيهيرا" (Maria Vehera) مقطع فيديو لنفسها وهي تتناول بعض ألواح الشوكولاتة الخاصّة بالعلامة على منصّة التّواصل الاجتماعيّ تيك توك. وقد صُوّر الفيديو بأسلوب الاستجابة الحسّيّة الذّاتيّة المستقلّة (ASMR)، وانتشر بشكلٍ هائلٍ على الإنترنت، وحصل على أكثر من 142 مليون مشاهدةً حتّى تاريخ كتابة هذا المقال، ما أشعل بدوره موجةً ضخمةً من الطّلب على ألواح الشّوكولاتة الّتي كانت ماريا تستمتع بها بوضوحٍ. وقد تحوّلت مبيعاتFIX Dessert Chocolatier من بيع لوحٍ واحدٍ تقريباً في الأسبوع إلى ما يقارب 30,000 طلبٍ خلال ساعةٍ واحدةٍ، وفقاً لتقريرٍ نشرته صحيفة نيويورك تايمز.
لكن FIX Dessert Chocolatier لم تكن مجّهزةً للتّعامل مع هذا الارتفاع الهائل في الطّلب، وهو ما دفع سارة ويزن إلى تنظيم طريقة بيع ألواح الشوكولاتة الخاصّة بهما. بالفعل، كانت متاحةً للشّراء عبر الإنترنت في ساعاتٍ محدّدةٍ فقط من اليوم، ومتى انتهى المخزون اليوميّ، كانت FIX Dessert Chocolatier تفتح أبواب الشّراء مرّةً أخرى في اليوم التّالي فقط. ورأى كثيرون أنّ هذه الاستراتيجيّة مجرّد حيلةٍ تسويقيّةٍ ذكيّةٍ، ولكن أكّدت سارة لمجلة "عربية Inc." أنّها وُلدت فعلاً من الضّرورة؛ فلم يكن هناك ألواح شوكولاتة كافية لتغطية الطّلب حينها، ولم تكن العلامة التّجاريّة على استعدادٍ لتقديم أيّ تنازلاتٍ لمجاراة الاهتمام المتزايد بها.
تشرح سارة قائلةً: "في الأيّام الأولى، كنّا مشروعاً صغيراً للغاية، ولم يكن أسلوب «الإطلاق المحدود» سوى الوسيلة الوحيدة لضبط الطّلب من دون التّفريط بالجودة تحت أيّ ظرفٍ. ومع اتّساع نطاق عملنا لاحقاً، حرصنا على الإبقاء على الذّهنيّة نفسها والالتزام بذات التّركيز. لسنا ممن يملأون السّوق بدافع التّوسّع وحده، فهذه القناعة تنعكس على كلّ ما نفعله، من ابتكار النّكهات، إلى تنظيم الفعاليّات المؤقّتة، وصولاً إلى الطّريقة الّتي نحضر بها ونتواصل عبر الفضاء الرّقميّ".
قد تكون FIX Dessert Chocolatier قد اختارت تقييد كميّات منتجاتها، غير أنّ لاعبين آخرين كانوا على أتمّ الاستعداد لملء الفراغ وتلبية الطّلب المتزايد عليها، ولا سيّما لوح شوكولاتة الكنافة بالفستق، الّذي كان قد اكتسب بحلول ذلك الوقت لقب «شوكولاتة دبي» على منصّات الإنترنت. ومنذ تلك اللّحظة، تكاثرت النّسخ المقلّدة من هذا المزيج الفريد بين الشوكولاتة والفستق والكنافة، لا في الإمارات وحدها، بل في مختلف أنحاء العالم، إلى حدّ أنّ شركاتٍ عالميّةً كبرى في صناعة الحلويّات، مثل "ليندت" (Lindt)، سارعت إلى طرح نسختها الخاصّة المستوحاة من منتج FIX Dessert Chocolatier.
ومع أنّه قد يُفهم شعور سارة ويزن بالانزعاج من هذه النّسخ المقلّدة لإبداعاتهما، إلّا أنّهما اختارا النّظر إليها بعقليّةٍ مختلفةٍ تماماً؛ فتقول سارة: "إنّ رؤية الآخرين يبتكرون نسخهم الخاصة من شوكولاتة دبي شعورٌ يثلج الصّدر؛ إنّه دليلٌ على أنّ ما بدأ في مطبخنا قد وجد صدىً يتجاوز حدود مطبخنا بكثيرٍ. إنّه لأمرٌ مدهشٌ أن نفكّر أنّنا ابتكرنا شيئاً أصبح اليوم فئةً مستقلّةً داخل عالم الحلويّات، ممّا يجعلنا ذلك فخورين بمعرفة أنّ FIX Dessert Chocolatier قد ألهمت الكثيرين".
أمّا بالنّسبة لـ FIX Dessert Chocolatier نفسها، فقد واصلت السّير بثباتٍ على إيقاعها الخاصّ. وبعد مرور عامين على اللّحظة الّتي انطلقت فيها عبر الإنترنت، لا تزال ابتكارات FIX تجذب الجماهير، بينما تظلّ العلامة مسيطرةً بالكامل على مسار نموّها.
تضيف سارة: "لقد كنّا دائماً حذرين جدّاً في طريقة توسيعنا للعمل. بالنّسبة لنا، لم تكن الأوّلويّة يوماً للسّرعة، بل كانت للجودة والنزاهة في المنتج. وكان التّحدّي الحقيقيّ في ضمان أنّ زيادة الإنتاج لا تسيء أبداً إلى المعايير الّتي بنينا عليهاFIX Dessert Chocolatier . كلّ لوحٍ له ملمسٌ محدّدٌ، وتوازنٌ، ونكهةٌ خاصّةٌ، والحفاظ على هذا الاتّساق يتطلّب وقتاً، وعنايةً، وتحكّماً. لذلك بدلاً من التّسرّع، اتّخذنا قراراتٍ واعيةً سمحت لنا بالنّموّ بوتيرةٍ تحمي المنتج أوّلاً. لم يكن الأمر دائماً سهلاً، لكن المبدأ كان دائماً بسيطاً: الجودة فوق كلّ شيءٍ".
ووفقاً لهذا النّهج، واصلت FIX Dessert Chocolatier الالتزام بعمليّات الإطلاق اليوميّة عبر الإنترنت، فيما أسفر تعاونها الأخير مع "كريم" (Careem) -وهي بدورها قصّة نجاحٍ لشركةٍ ناشئةٍ وُلدت في دبي- عن إتاحة منتجات FIX حصريّاً عبر التّطبيق الشّامل لكريم، في خطوةٍ تعكس حرص العلامتين على الوصول إلى الجمهور ضمن إيقاع حياتهم اليوميّة دون الإخلال بتجربة المنتج أو خصوصيّته.
تخبر سارة مجلة "عربيةInc. " قائلةً: "كانت الشّراكة مع كريم خطوة طبيعيّةً بالنّسبة لنا. ونحن علامتان تجاريّتان محليّتان نمتا جنباً إلى جنبٍ مع المجتمعات الّتي نخدمها، وهناك شيءٌ مميّزٌ في منصّةٍ أصبحت بالفعل جزءاً من الرّوتين اليوميّ للنّاس. بالنّسبة لنا، كلّ شيءٍ يعود إلى تجربة العميل، وسرعة الخدمة، والاتّساق في الأداء، وضمان أن يشعر كلّ شخصٍ بلحظة FIX نفسها في كلّ مرّةّ."
تنطبق نفس المعادلة على الفعاليّات المؤقّتة الّتي تنظمها FIX Dessert Chocolatier، والّتي امتدّت الآن لتتجاوز المواقع المختارة بعنايةٍ في سوقها المحلّي بالإمارات، لتشمل مواقع بارزةً في الخارج مثل متجر هارودز الفاخر في المملكة المتّحدة ومطار تشانغي في سنغافورة. وفي الوقت ذاته، تواصل العلامة الابتكار في خلطات النّكهات الجديدة وصنع المنتجات المختلفة، حيث تؤكّد سارة حمودة أنّ تركيز FIX منصبّ على "ابتكار أشياء تُثير حماسة الأشخاص الّذين آمنوا بنا منذ البداية".
وتضيف: "لقد بُنيت FIX Dessert Chocolatier دائماً على أساس المجتمع، على الأشخاص الّذين دعمونا، وشاركوا ألواحنا، والصّلة الّتي تربطنا بعملائنا. هذا الأساس هو ما سمح لنا بالنّموّ بطريقةٍ تبدو حقيقيّةً وصادقةً، وتعكس من نحن حقّاً".
ومن المؤكّد أنّ هذه الفلسفة ستستمرّ في توجيه مستقبلFIX Dessert Chocolatier القريب أيضاً؛ فتقول سارة: "سيظلّ جوهر FIX على حاله دائماً. كلّ ما نقوم به متجذّرٌ في العاطفة، ونكهات تحمل دفء البيت، ولحظات تجمع النّاس معاً، وابتكارات تحمل معنىً حقيقيّاً لأولئك الّذين يتذوّقونها. أمّا ما هو قادمٌ، فسوف نواصل الابتكار وإيجاد طرقٍ جديدةٍ لإلهام مجتمعنا. سواء كان ذلك من خلال التّجارب، أو السّرد القصّصيّ، أو الأفكار الجديدة الّتي تتحقّق في المطبخ، فإنّ الهدف دائماً هو تعميق الصّلة الّتي يشعر بها النّاس تجاه FIX. ونحن نرغب بالطّبع في النّموّ، ولكن بطريقةٍ تحافظ على أصالة حرفتنا وجودة منتجاتنا وروح مجتمعنا".
ومن غير المستغرب أن تكون هذه الروح ذاتها هي ما تحثّ سارة حمودة المؤسّسين الآخرين على تبنّيه عند الشروع في بناء مشاريعهم الخاصّة؛ إذ تقول: "لو كان بإمكاني أن أقدّم نصيحةً واحدةً لشخص يبدأ رحلته، لكانت أن يؤمن بما يصنعه، حتّى قبل أن يدرك العالم قيمته. فهذا الإيمان المبكّر هو ما يحمل الإنسان في الأوقات الملتبسة واللّحظات الصّامتة. أمّا النّصيحة الثّانية، فهي أن يكون الابتكار مقترناً بالوعي والنّية؛ أن يُبنى من منبع المعنى والغاية والصّدق؛ فكلّ رحلة لها ملامحها الخاصّة، ولا يوجد مسارٌ واحدٌ أو صيغةٌ جاهزةٌ، كما لا توجد طريقةٌ صحيحةٌ واحدةٌ لخوض هذه التّجربة".
من مؤسّس إلى مؤسّس
تتأمّل سارة حمودة اللّحظات العليا والدّنيا في رحلتها الرّياديّة، فتقول:
"من الصّعب فصل أفضل اللّحظات عن أصعبها، فهي غالباً ما كانت متشابكةً، إذ يصعب التّمييز بين شعور الانتصار والضّغط الهائل في الوقت نفسه. اللّحظات الّتي تبقى معي ليست الانتصارات الكبيرة فحسب، بل إحساس الانغماس الكامل مع امتنانٍ عميقٍ، وقد علّمتني التّحدّيات المبكّرة أكثر من أيّ شيءٍ آخر. النّموّ ليس خطيّاً، وما يميّز اللّحظات البارزة ليس النّجاح أو الصّراع بمقدار ما يقدّمونه لنا من دروسٍ، ويدفعوننا لتوسيع حدودنا، ويذكّروننا دائماً بسبب البداية في المقامّ الأوّل؛ هذه هي الذّكريات الّتي تظلّ محفورةً في ذهني".