القيادة بالذبذبات الشعورية: كيف تغير بيئة العمل؟
حين يركّز القادة على الطّاقة الإيجابيّة والتّواصل الفعّال، تنشأ بيئة عمل متناغمةً تعزّز الانخراط والإبداع والإنتاجيّة داخل الفرق
بوصفـي من الجيل المولود في أوائل الثمانينيات، فإن مصطلح “الذبذبات الشعورية" (vibes) المتداول بكثرة لدى الجيل زد (Gen Z) يثير في ذهني صوراً لحمل البلورات أو حرق المريمية أو استشارة شامان شخصي. لكن أصغر فئة عمرية في سوق العمل اليوم تستخدم هذا المصطلح في كل السياقات والبيئات، من اختبارات الملابس إلى العلاقات الاجتماعية.
بالطبع، المصطلح ليس جديداً؛ فهو يشير إلى الحالة المزاجية أو الطاقة أو الحدس العاطفي الذي يُلتقط في المكان، وتتعلق الذبذبات الشعورية بالإحساس أكثر من تعلقها بالمنطق.
وربما يكون الجيل زد على حق؛ فالذبذبات الشعورية ليست مجرد مفردة دارجة، بل هي في مكانها الصحيح، في بيئة العمل. فالقيادة التنفيذية الذكية ومستقبل الأعمال يدوران حول هذه الذبذبات. والدليل: نشرت مجلة "فوغ بزنس" (Vogue Business) في وقت سابق من هذا العام مقالاً عن العلامات التجارية التي تواكب المزاج الثقافي بطرق تبدو أصيلة. وكان عنوان المقال: “الموضات الدقيقة انتهت، تحيا الذبذبات”. ويمكن تطبيق هذا الشعور نفسه في عالم القيادة؛ فالذبذبات الشعورية هي المهارات اللطيفة التي تميز القادة العاديين عن القادة التحويليين.
لقد أمضيت ما يقرب من 20 عاماً في مجال الأعمال والابتكار التصميمي، أعمل مع كبار التنفيذيين في شركات "فورتشن 100" (Fortune 100) من أمثال Nike وFedEx وApple وHP. وكثيراً ما قيل لي من قادة وزملاء ونظراء وأشخاص التقيت بهم للمرة الأولى في ورشة عالية المخاطر أنهم “أعجبوا بي فوراً” أو أنني “سهلة في الحديث”. وعلى الطريقة التقليدية لجيل الألفية، كنت أنكر ذلك وأقول: أنا فقط أجيد عملي. وبفضل الجيل زد، بتّ أمتلك الحقيقة الآن: إنها ذبذباتي الشعورية.
فكيف نجسد ذبذباتنا الشعورية لنعزز أدوارنا كتنفيذيين وفي القيادة؟ الطريقة التي نحضر بها -ذبذباتنا العميقة، طاقتنا، وأصالتنا- كلها مهارات لطيفة نحملها إلى بيئة العمل. فالقادة الأكثر فاعلية في عالم اليوم هم مهندسو المزاج، ومُعدِّلو الطاقة، والمراسي العاطفية. والفرق يمكنها أن تشعر بذلك. وإليك كيف يمكن الاستفادة منه.
تصميم بيئة عمل تحمل إحساساً واضحاً
تتفاعل الفرق مع الشّعور الذي يخلقه العمل لها، لا مع سياساته أو إجراءاته. ففي الواقع، يقول 82% من الموظفين إن الشعور بالسعادة والانخراط في العمل هو عامل رئيسي في إنتاجيتهم. ولا داعي للمبالغة في التفكير حول “بناء الشعور”، إذ يمكن تصميمه في المواقف اليومية. ابدأ بسؤال أعضاء الفريق أن يوضحوا ببساطة ما هي النتيجة العاطفية التي يرغبون بتحقيقها في سيناريوهات محددة.
على سبيل المثال، فعلت ذلك عندما خططت لفعالية خارجية للقيادة (offsite) لرئيس ضمن قائمة فورتشن 50. قبل وضع جدول الأعمال، كان سؤالي الأول للرئيس التنفيذي: “ما الذبذبات الشعورية التي نريد تحقيقها؟” ربما بدا السؤال محفوفاً بالمخاطر، لكنني لم أكن بحاجة إلى معرفة مؤشرات الأداء أو النتائج الدقيقة، ليس بعد. كنت بحاجة لفهم ما يريد القائد من الفريق أن يشعر به. وكانت الإجابة: “جريئة، منفتحة، فضولية، وملهمة”. وقد أثار ذلك نقاشاً مذهلاً وأدى إلى عصف ذهني مفعم بالحيوية حول ما نريده من الجلسات أن تكون وأن تُشعر.
وإليك بعض الطرق الأخرى لتصميم مساحة عمل تقودها الذبذبات الشعورية:
- عدّل طريقة تفكيرك لتشبه مخطط الحفلات: فكر في أفضل حفلة حضرتها في حياتك. على الأرجح، فكّر المضيف بعمق بقائمة الضيوف، والموضوع، والقائمة، والأنشطة بحيث يشعر الجميع بالترابط والتقدير والإنصات. والسياقات العملية ليست مضطرة أن تكون جافة أو جامدة، لذا فكّر بها كحفلة، وأنت مخططها. وإذا لم تكن تعرف من أين تبدأ، فكتاب The Art of Gathering للكاتبة بريا باركر (Priya Parker) وأدواتها الرقمية (Digital Toolkit) يقدمان أساليب لصناعة تجمعات ناجحة ومقصودة في كل البيئات.
- نسّق كل مساحة عمل، سواء كانت رقمية أو مادية: تشير دراسة حديثة إلى أن 86% من العمال في الولايات المتحدة يقولون إن مساحة عملهم تؤثر على سعادتهم. لذلك، فكّر في غرف مخصصة لبناء الطاقة أو للتهدئة باستخدام الموسيقى والإضاءة والنباتات. وفي المساحات الرقمية مثل Zoom أو Slack، اعمل على ما يجعل فريقك يشعر بالتقدير والاهتمام. كما تسمح أساليب بسيطة مثل استخدام الرموز التعبيرية أو قنوات جانبية من نوع “قطط بيئة العمل” للموظفين بالاتصال بشكل شخصي أكثر.
- صمّم ورش العمل بناءً على الطاقة: أنت تعرف أساسيات التخطيط، ولكن هل سبق أن رسمت خريطة للطاقة والمشاعر فوق جدول الأعمال؟ كتجربة، اطلب من فريقك إنشاء خريطة لأحدث ورشة حضروها، وتحديد مشاعرهم على مقياس من 1 إلى 5 خلال اليوم، ثم اطلب منهم مشاركة ما شعروا به ولماذا. قد يبدو الأمر “روحانيّاً” أكثر من اللازم، لكنه سيمنحك مخططاً واضحاً لتصميم ورشة مستقبلية مخصصة تعزز طاقة الفريق عند الحاجة، أو توفر مساحة للنقاشات الساخنة، وليس فقط جدولاً مبنيّاً على الوقت.
شاهد أيضاً: كيف تدير تنوع أساليب القيادة في فريقك؟
مارس الواقعية بدلًا من السعي للكمال
مع الجيل زد، الأصالة هي كل شيء؛ فإذا لم تتناغم الذبذبات الشعورية، سيبدو الأمر فارغاً أو أدائياً. الضعف الإنساني، الدفء، اللعب، والتفاؤل ليست مجرد مهارات لطيفة؛ بل إشارات قيادية استراتيجية.
شاركتني رئيسة تنفيذية سابقة في قائمة فورتشن 50 مقالاً كتبته في Fast Company. تواصلت معها لأشكرها وطلبت لقاءها. وقبل حديثنا، استمعت لكتابها، وشاهدت مقابلاتها، ورأيت شخصاً حقيقياً، وصريحاً، وغير خائف من الحديث عن تحديات القيادة الشخصية والمهنية. وعندما التقينا، كانت أكثر إثارة للإعجاب وجهاً لوجه. كانت مركّزة على خلق أثر يتجاوز قاعة الاجتماعات، وكانت ترتدي قميصاً بالغ الأناقة مع بنطال رياضي. وهذا جعلها أكثر قرباً للناس رغم كونها واحدة من أنجح القادة في فورتشن 50.
وقد ألهمني هذا النهج وهذه الذبذبات الشعورية أن أقود من موقع الأصالة: إظهار الواقعية بدل الكمال المصقول وكأنّه للإنستغرام، والانتصارات في العمل، والحياة الحقيقية. إليك بعض الأساليب لتعزيز ذبذبات أصالتك:
- طبّع الفوضى الوسطى: اطلب من الفرق مشاركة أفكارهم قيد العمل، لا النتائج المصقولة فقط. فكتاب رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن (Jacinda Ardern)، بعنوان A Different Kind of Power، يعيد تأطير لحظات الضعف لا باعتبارها أخطاء أو نقاط ضعف قيادية، بل لبنات لبناء الثقة. وإذا كان رئيس دولة يفعل ذلك، يمكنك أنت أيضاً.
- أنشئ مقاييس تكافئ الواقعية؛ فمؤشرات المبيعات والقيادة ضرورية، نعم، ولكن ماذا عن الاحتفاء باللحظات الإنسانية، كأن يطلب شخص المساعدة لإتمام تقرير كبير في الوقت المناسب، أو يُظهر رحمة عند الفشل؟ فليست كل مكافأة بحاجة إلى قيمة رقمية أو مالية. في الواقع، الموظفون الذين يتلقون تقديراً غير مالي بانتظام يكونون أكثر انخراطاً بشكلٍ ملحوظٍ.
استخدم فحوص الذبذبات الشعورية كأداة قيادية
جميعنا شاهدنا على تيك توك فحص الملابس للجيل زد، ولكن لنطبّقه على بيئة العمل. فـ“فحص الذبذبات الشعورية” هو النسخة الحديثة من “فحص النبض”، ويسمح للقادة بالشعور بأجواء المكان والتكيف وفقاً لها.
ابدأ الاجتماعات بكلمة واحدة أو مراجعة باستخدام الرموز التعبيرية. ففي بيئات العمل الهجينة واللقاءات الفردية الافتراضية، من المهم تعلم استخدام الإشارات الرقمية بدل لغة الجسد المباشرة. ويمكن أن يكون ذلك ببساطة عبر سؤال: “ما الكلمة التي تعبّر عن شعورك في هذا الاجتماع اليوم؟” أو بوضع رمز تعبيري في الدردشة. هذا يساعد على كشف الطاقة غير المعلنة مهما كان موضوع الاجتماع. وإذا كنت تقود بيئة هجينة أو رقمية، فإن كتاب الباحثة إيريكا دواين (Erica Dhawan)، بعنوان Digital Body Language: How to Build Trust & Connection No Matter the Distance، يقدم إرشادات مفيدة حول كيفية بناء الثقة في فرق العمل الرقمية.
عيّن منسقاً للذبذبات الشعورية. وفقاً للأبحاث، يقول 44% من الناس إنهم يتخوفون من الاجتماعات، و53% منهم يرون أن آخر اجتماع حضروه كان مضيعة للوقت. ولتجنب هذا الشعور بالهدر والخشية، اختر منسقاً للذبذبات؛ شخص يقوم بدور أشبه بمقدم الحفل ولكن بشكل أفضل. هذا الشخص يحدد الإيقاع، يصمم الأجواء، ويجري فحوصات سريعة مع الأفراد طوال اليوم لضمان الذبذبات الصحيحة، مما يضمن في النهاية شعور الناس بأن العملية والنتائج كانت ناجحة. ويعد رئيس الموظفين خياراً مثاليّاً لهذا الدور بفضل علاقاته الواسعة وفهمه التنظيمي.
لن يُبنى مستقبل الأعمال على صيحات دقيقة أو حيل سريعة أو كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي؛ بل سيقوده قادة يعرفون كيف يزرعون الطاقة التي تجعل الناس راغبين في الحضور، والانخراط، والأداء. ولا تعني القيادة بالذبذبات الشعورية التخلي عن الاستراتيجية، بل تعني تعزيز القيادة بالذكاء العاطفي، والحضور، والفهم الثقافي. وستشعر فرقك بذلك وتقدّر؛ خاصة الجيل زد.
هذا الرأي المتخصّص للكاتبة كايتي شلوت (Katie Schlott)، خبيرة الاستراتيجيّة والابتكار، نُشر أصلاً على موقع Inc.com