8 طرق عملية لإدارة عملك في أوقات الأزمات
حين تتبدّل المعطيات وتتسارع الضّغوط، تبرز هذه المقاربات العمليّة لتعين القادة على تثبيت الرّؤية، وترشيد القرار، وصون استمراريّة الأعمال بثقةٍ ووعيٍ
مع استمرار حالة عدم الاستقرار في مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يجد قادة الأعمال أنفسهم في مواجهة تحدٍّ يتجاوز حدود التشغيل: كيف يُحسنون التفكير بوضوح في بيئةٍ يختلّ فيها الاستقرار من كل جانب.
ولتفكيك ملامح هذه اللحظة، لجأت "عربية .Inc" إلى "كيارا سبينا" (Chiara Spina)، الأستاذة المساعدة في ريادة الأعمال والمشروعات العائلية في "إنسياد" (INSEAD)، إحدى أبرز كليات إدارة الأعمال عالميّاً، حيث تشير رؤاها إلى نهجٍ أكثر تنظيماً وتعمداً في التعامل مع الاضطراب.
وترى سبينا أن الخطر في مثل هذه اللحظات لا يقتصر على التقلبات الخارجية، بل يمتدّ إلى اختلال المعايرة الداخلية؛ إمّا ردّ فعلٍ متسرّع، أو جمودٍ كامل. وتوصي، بدلاً من ذلك، بمقاربةٍ أكثر تروّياً؛ مقاربةٍ تُعلي من شأن الأفراد، وتُحدّد الأولويات بدقّة، وتُرسّخ الفعل في الأسس التي تظلّ ثابتة رغم تغيّر الظروف. وفيما يلي 8 استراتيجيات عملية تطرحها سبينا لقادة الأعمال الساعين إلى عبور هذه المرحلة بوضوحٍ وقصد. ولا تدعو هذه التوصيات إلى تحوّلٍ جذري شامل، بل تُركّز على تحوّلاتٍ صغيرة، لكنها ذات أثر، في كيفية توزيع الانتباه والموارد والطاقة على المدى القريب:
ابدأ بالتواصل الفردي مع كل موظف (قبل أي خطوة أخرى)
"في شركةٍ صغيرة أو شركة ناشئة، لا يمكن التفريط في الموارد الذهنية لفريقك تحت وطأة القلق. لا تكتفِ باجتماعٍ جماعي؛ بل وجّه تركيزك إلى محادثةٍ فردية مع كل شخص. فالأفراد المنشغلون بالقلق على وظائفهم أو عائلاتهم لا يُحسنون التفكير، وفي هذه اللحظة أنت بحاجةٍ إلى هذا النمط من التفكير. قدّم ما تستطيع من تسهيلاتٍ معقولة تساعدهم على أداء عملهم بكفاءة. وإلى جانب البعد الإنساني، ثمة بُعدٌ عملي: أفضل الأفكار للتكيّف تأتي غالباً من الأشخاص الأقرب إلى العملاء وإلى تفاصيل التشغيل. أبقِ هذا الإبداع حاضراً".
أظهر بوضوح أنك تهتمّ بفريقك وبعملائك
"تشكل الأوقات العصيبة لحظةً فاصلة لأي علامة تجارية، وتبقى الأعمال التي تُظهر أصالتها حين يشتدّ الاختبار. ولا يتطلّب ذلك ميزانيةً كبيرة. قد يعني نشرَ محتوى صادق على وسائل التواصل الاجتماعي يعبّر عمّا تمرّ به شركتك، وكيف تعتني بأفرادها. وقد يعني التواصل شخصيّاً مع كبار عملائك، لا برسالة بيع، بل بسؤالٍ بسيط عن أحوالهم. وقد يعني مشاركة المؤسس في جلسة أسئلة وأجوبة مباشرة، أو إرسال رسالةٍ مكتوبة بخط اليد لعميلٍ وفيّ. أيّاً كان الشكل، فالإشارة واحدة: نحن هنا، نحن بشر، ونحن معاً في هذا الظرف؛ فالعملاء لا ينسون، والعلاقة التي تتعمّق في الشدّة أشدّ رسوخاً من تلك التي تُبنى في أوقات الرخاء".
شاهد أيضاً: 7 نصائح للتعامل مع أزمة العلاقات العامة في عملك
قاوم الاندفاع نحو الجمود أو التسرّع
"يميل المؤسسون في الأزمات إلى الوقوع في فخّين: الشلل (انتظار عودة الأمور إلى طبيعتها قبل التحرّك)، أو الفعل المدفوع بالذعر (إطلاق تغييرات دون مبرّر واضح). وكلاهما لا يجدي. الشركات التي تخرج أقوى هي تلك التي تشقّ مساراً ثالثاً، أي تتوقّف عمداً للتفكير قبل الفعل. وتعامل مع عملك كما يتعامل الباحث مع تجربته: صُغ فرضيةً واضحة حول موضع الفرصة، ثم اختبرها بسرعة وبكلفة منخفضة قبل الالتزام بها. اسأل: ماذا نعرف فعلاً؟ ماذا نفترض؟ أين تكمن قيودنا الحقيقية؟ إن اختباراً صغيراً وسريعاً (عرضاً جديداً لشريحةٍ محدودة، أو حواراً مع عشرة عملاء، إلخ) سيمنحك معرفةً أعمق من أي انتظار أو تخطيط داخلي مطوّل. كرّر التجربة انطلاقاً من الدليل، لا من الحدس".
ثبّت تفكيرك في ما لم يتغيّر، فأساسيات الأعمال باقية
"تعصف الأزمة بأشياء كثيرة، لكنها لا تمسّ المنطق الأساسي الذي يجعل العمل قابلًا للحياة: خلق قيمةٍ حقيقية للعملاء، وتحقيق ذلك بكفاءة. ما يتغيّر هو الكيف ومن المعنيّ. وغالباً ما تتأثّر القنوات التي تُقدّم من خلالها تلك القيمة، والعروض التي لا تزال ملائمة، وشرائح العملاء التي تبدّلت احتياجاتها فجأة. وهذه زاوية توضيحية مفيدة. بدل أن تسأل: ماذا نفعل الآن؟ اسأل: من يحتاج ماذا، وهل نستطيع الوصول إليه؟ جرّد المسألة إلى هذا السؤال، وستتراجع الضوضاء كثيراً. وتصبح التكتيكات اللاحقة -خفض التكاليف، ورسم خريطة القدرات، واقتناص المكاسب السريعة، وغيرها- أكثر فاعلية حين تستند إلى هذا النمط من التفكير القائم على المبادئ الأولى".
راجع نفقاتك لمدة أسبوع، واقطع 20% قبل المساس بأي قرار استراتيجي
"تحمل معظم الشركات قدراً من الهدر يفوق ما تظن. لذلك، أجرِ مراجعةً بنداً بنداً: ألغِ الاشتراكات قليلة الاستخدام، وأوقِف تراخيص البرمجيات غير الضرورية، واحذف الإنفاق على الفعاليات الحضورية والسفر غير القائم أصلاً. وحدّد هدفٌ واقعيٌّ هو خفض 20% من تكاليف التشغيل مع أثرٍ محدود على الأداء. كما تمثّل هذه اللحظة فرصةً لإعادة التفاوض مع المورّدين، إذ يتأثّر الجميع بالظرف الراهن، ويفضّل معظمهم التفاهم على الشروط بدل خسارة العميل بالكامل".
ارسم خريطة قدراتك قبل فرصك، ثم اعثر على أقصر جسر بينهما
"سجّل كل مهارةٍ وأصلٍ وعلاقة تملكها شركتك اليوم. ثم اسأل: أي مشكلاتٍ لدى العملاء يمكن لهذه العناصر حلّها ولم نجرّبها بعد؟ يمكن الاستعانة بإطارٍ عملي مذكور في كتاب "أين نلعب" (Where to Play) من تأليف "مارك غرابر" (Marc Gruber) و"شارون تال" (Sharon Tal). وقد طبّقت شركة سكوترات كهربائية في أوروبا هذا المنهج خلال أزمة كوفيد-19؛ فعندما توقّف الأفراد عن استخدام السكوترات المشتركة، أعادت توجيه أسطولها خلال أيام إلى خدمات التوصيل بين الشركات للمسافات القصيرة. لست تبحث عن فكرتك الكبرى التالية، بل عن أسرع طريقٍ يصل ما تملكه اليوم بإيرادٍ لا تحقّقه حاليّاً".
اسعَ إلى مكسبٍ سريع حتى إن لم يُغيّر مسار عملك جذريّاً
"ليس كل تحوّلٍ بحاجة إلى إعادة ابتكار كاملة. أحياناً تكفي خطوة صغيرة وسريعة تُدخل تدفّقاً نقديّاً، وتُبقي فريقك منشغلاً، وتحافظ على تفاعل العملاء، إلى أن تستقرّ الظروف. تخيّل مطعماً لا يستطيع ملء طاولاته: بدل انتظار عودة تناول الطعام في المكان، يطلق مجموعة وجباتٍ منزلية مع مقطع فيديو قصير، ليحوّل العشاء إلى نشاطٍ عائلي في البيت. وقد لا تكون الربحية عالية، لكنها تحافظ على التدفّق النقدي، وتستثمر الموارد القائمة، وتُبقي العلامة حاضرة في أذهان العملاء. اسأل نفسك: ما أصغر خطوة يمكن تنفيذها خلال الأسبوعين المقبلين لجلب إيرادٍ وتحفيز الفريق؟"
استثمر هذه اللحظة للابتكار في طريقة عملك
"تُظهر الأبحاث باستمرار أن الشركات التي تستثمر في الابتكار خلال فترات الانكماش تتفوّق على منافسيها في مرحلة التعافي. والسبب بنيوي؛ فالأزمة تُجبر المؤسسات على تسريع القرار، وتوزيع الموارد بوعيٍ أكبر، وإيجاد حلول بموارد أقل. ومع التكرار، تتحوّل هذه الممارسات إلى عادات، تُدمج في طريقة عمل الشركة، وفي تفكير الفرق، وفي استجابة القيادة لعدم اليقين. الشركات التي تتعامل مع هذه المرحلة كفرصةٍ للبناء، لا مجرّد البقاء، هي التي تشير البيانات إلى أننا سنظل نتحدّث عنها بعد 10 أعوام".