الرئيسية الذكاء الاصطناعي من المرونة إلى التجديد: تحوّلٌ قياديٌّ لا يستطيع الشرق الأوسط تجاهله

من المرونة إلى التجديد: تحوّلٌ قياديٌّ لا يستطيع الشرق الأوسط تجاهله

في عصر الذكاء الاصطناعي وتسارع الاضطرابات، لم تعد المرونة كافيةً، إذ يبرز التّجديد بوصفه النّهج القياديّ القادر على تحويل الأزمات إلى زخمٍ مستدامٍ في الشرق الأوسط

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد المهارة القياديّة الأثمن مرتبطة بالتقنية ذاتها، بل بالقدرة على أن يكون القائد إنساناً بحقّ؛ هذه الحقيقة باتت تعيد، على امتداد الشرق الأوسط، صياغة التصوّر السائد عمّا يتطلّبه الحفاظ على التنافسيّة والاستمرار في الصدارة.

تتعرّض منظومات اللوجستيات للاهتزاز بفعل الاضطراب في البحر الأحمر. يطرح منافس في الرياض منتجاً مولوداً من صميم الذّكاء الاصطناعي يعيد تعريف السوق في لحظة. تبدو خطط النموّ التي وُضعت لدبي قبل ستّة أشهر وكأنّها تنتمي إلى زمنٍ مضى. لم يعد هذا المشهد حالةً استثنائيّة، بل تحوّل إلى الواقع التشغيلي اليومي.

لسنوات طويلة، ركّزت أدبيّات القيادة على مفهوم المرونة: امتصاص الصدمة، احتواء الأزمة، ثم العودة السريعة إلى الوضع الطبيعي. كان لهذا المنطق وجاهته في سياقه السابق. غير أنّ عالماً يتّسم باضطرابات متراكبة لا تهدأ جعل الاكتفاء بـ«الارتداد إلى الخلف» خياراً قاصراً. إذ يؤدّي هذا النهج إلى إنهاك الفرق، وتسريع وتيرة الاحتراق الوظيفي، وربط المؤسّسات بنموذجٍ من الماضي لم يعد قائماً. في المقابل، يبرز مسار أكثر فاعليّة؛ مسار لا يكتفي باحتمال الاضطراب، بل يحوّله إلى قوّة دافعة نحو الأمام. يُعرف هذا المسار بالتجديد.

أكّد المنتدى الاقتصادي العالمي (World Economic Forum – WEF) هذه الفكرة بوضوح: في عصر الذّكاء الاصطناعي، تكمن الميزة التنافسيّة الحقيقيّة في البعد الإنساني. ففي تقريره المعنون مهارات الاقتصاد الجديد: إطلاق العنان للميزة الإنسانيّة (New Economy Skills: Unlocking the Human Advantage)، يشير المنتدى إلى أنّ إحلال الأتمتة محلّ الأعمال الروتينيّة يرفع من قيمة مهارات مثل الإبداع، وحُسن التقدير، وخفّة التعلّم، والذكاء العاطفي، لتغدو عوامل حاسمة في التميّز.

ومع ذلك، ما تزال فجوةٌ واضحة قائمة. فعلى الرغم من إقرار القادة المتكرّر بأهميّة هذه القدرات، نادراً ما تُدرج ضمن أنظمة القياس أو المكافأة أو التطوير المقصود. وفي الوقت نفسه، يقدّر المنتدى أنّ ما يقارب 40% من المهارات الأساسيّة للوظائف ستشهد تغيّرًا خلال الأعوام الخمسة المقبلة.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تتسارع برامج التحوّل الوطني بوتيرة غير مسبوقة، لا يمكن التعامل مع هذه الفجوة بوصفها افتراضاً نظريّاً. لم يعد السؤال يتمحور حول ما إذا كان الاضطراب سيحدث، بل حول قدرة القادة على التكيّف والتعلّم وإعادة تشكيل منظّماتهم بالسرعة الكافية للحفاظ على الجدوى والارتباط بالواقع. ومن هنا، يتقدّم مفهوم التجديد إلى الواجهة.

ينطلق التفكير التجديدي من مواجهة الواقع دون مواربة. فعندما يضرب الاضطراب، يميل كثير من القادة تلقائيّاً إلى الدفاع عن الاستراتيجيّات القائمة أو محاولة تلطيف الحقائق القاسية. أمّا القادة التجديديّون، فيسلكون المسار المعاكس تماماً. يتعاملون مع الاضطراب باعتباره أداةً لكشف الحقيقة، ويطرحون أسئلة أكثر جذرية: أيّ الافتراضات التي أثبتت جدواها في الربع الماضي فقدت صلاحيتها اليوم؟ وأيّ منتجات أو عمليّات أو أنماط عمل لم تعد تولّد قيمة حقيقيّة، ويجب التخلّي عنها؟

لا يتعلّق هذا المسار بإلقاء اللوم أو الاعتراف بالهزيمة، بل بإفساح المجال. إنّ التخلّي الواعي عمّا لم يعد نافعاً يفتح حيّزاً جديداً للابتكار، والملاءمة، والنموّ. ومع توفّر هذا الحيّز، يبدأ القادة التجديديّون بالبحث عن الفرص الكامنة داخل الاضطراب ذاته. فشكاوى العملاء، والإخفاقات التشغيليّة، والنجاحات غير المتوقّعة للفرق، جميعها تحمل إشارات ثمينة حول التحوّلات الجارية في الأسواق والمنظّمات. وبدل الاكتفاء بتحليل ما بعد الأزمة، يدفع القادة التجديديّون الحوار خطوة أبعد: ما مكامن القوّة الجديدة التي كشفها هذا التحدّي؟ وما القدرات التي تشكّلت تحت الضغط؟ وما الذي باتت المؤسّسة قادرةً على إنجازه اليوم ولم يكن ممكنًا بالأمس؟

بهذه الطريقة، تنتقل السرديّة من منطق الخسارة إلى أفق التعلّم، ومن هاجس الحماية إلى فضاء الإمكان. يصبح الاضطراب، عندئذ، ليس مجرّد واقعٍ يجب النجاة منه، بل مصدرًا للبصيرة الاستراتيجيّة.

وتبقى الخطوة الحاسمة هي الفعل؛ فالتأمّل الذي لا يتبعه تحرّك سرعان ما ينقلب إلى اجترار. تقوم القيادة التجديديّة على الإحساس بالفاعليّة، على قناعة أنّ القادة ليسوا متلقّين سلبيّين للتغيير، بل صانعيه. ويتجلّى ذلك في تحويل الرؤى إلى تجارب صغيرة محسوبة: مشروع تجريبي، أو إعادة تصميمٍ لآليّة اتّخاذ القرار، أو محادثة محوريّة تزيل العوائق أمام التقدّم. على هذا النحو، «يرتدّ» القادة إلى الأمام. لا عبر تحوّلات كبرى أو خطط مثاليّة، بل من خلال حركة مستمرّة، وتعلّم متواصل، وتكيّف دائم مع شروط الواقع.

في منطقة تصوغها طموحات وطنيّة كبرى -من رؤية المملكة العربيّة السعوديّة 2030 إلى الخطة المئويّة لدولة الإمارات- لم يعد التحسين التدريجي خياراً كافياً. القادة القادرون على ترجمة هذه الرؤى إلى واقع هم أولئك الذين يرسّخون القدرة التجديديّة في صميم منظّماتهم، ويبنون ثقافات لا تكتفي بتحمّل الاضطراب، بل تزداد صلابة بفضله.

لم يعد الانتقال من المرونة إلى التجديد ميزةً تنافسيّة إضافيّة، بل أصبح كلفة البقاء ذي صلة. فالسؤال لم يعد ما إذا كان الاضطراب القادم سيقع؛ إذ إنّه واقع لا محالة. السؤال الحقيقي هو ما إذا كان القادة مستعدّين لتسخير هذا الاضطراب في بناء المرحلة التالية.

عن المؤلّف

ستيوارت ج. غرين (Stuart J. Green) مستشار في القيادة ومؤلّف كتاب "قفزة التجديد: كيف يحوّل القادة الأزمات إلى نموٍّ مستدام" (The Regenerate Leap: How Leaders Transform Crisis into Enduring Growth)، المقرّر صدوره في 29 يناير 2026.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: