رأس المال حاضر… لكن طريقه إلى المؤسِّسين في المراحل المبكرة ما زال مغلقاً!
رغم وفرة رأس المال في المنطقة، يواجه روّاد الأعمال فجوةً حقيقيّةً في الوصول إلى تمويل المراحل المبكّرة، ما يكشف خللاً هيكليّاً بين المال وبناة الشّركات
خلال العام الماضي، ومن خلال عشرات المحادثات مع مؤسِّسين في دبي، تصادفني عبارةٌ متكرّرةٌ: "المال موجودٌ في كلّ مكانٍ هنا، لكن الحصول على تمويلٍ للمراحل المبكّرة لا يزال يبدو مستحيلاً.
وبصفتي مؤسِّس شبكة "أوبس" (OPUS)، الّتي تربط روّاد الأعمال من الجيل القادم بين المملكة المتّحدة والإمارات، سمعت هذا الشّعور يتردّد مراراً وتكراراً. وقد أثار انتباهي، لأنّه يتناقض مع السّرد السّائد؛ فمن الخارج، يبدو أنّ منطقة الشرق الأوسط غارقةٌ في رأس المال، حيث تدير صناديق الثّروة السّيادية بعضاً من أكبر الاحتياطيات على كوكب الأرض. والمستثمرون المؤسّسيون نشطون في مجالات البنية التّحتيّة والطّاقة والتّكنولوجيا. كما أنّ المكاتب العائليّة بدأت تُظهر اهتماماً متزايداً بالشّركات النّاشئة. إضافةً إلى ذلك، يمتلك العديد من المستثمرين الأفراد دخلاً قابلاً للصّرف يفوق ما هو موجودٌ في أيّ مكانٍ آخر تقريباً. وعلى الورق، كان من المفترض أن يكون هذا النّظام البيئيّ أحد أسهل الأماكن للحصول على التّمويل.
لكن التّجربة الفعليّة للمؤسٍّسين تُشير إلى واقعٍ مختلفٍ؛ إذ يبدو مشهد التّمويل هنا وكأنّه ميزانٌ مزدوجٌ: في أحد الطّرفين، رأس المال السّياديّ والمؤسّسيّ القادر على ضخّ مئات الملايين، وفي الطّرف الآخر، موجةٌ من المكاتب العائليّة النّاشئة والمستثمرين الأفراد المتحمّسين للمشاركة. وبين هذين الطّرفين، يوجد المؤسّسون الّذين يحاولون جمع تمويلٍ يتراوح بين 500,000 و10 ملايين دولارٍ أمريكيٍّ، ما يكفي لإثبات نموذج العمل، وبناء فريقٍ، والتّوسع. بالنّسبة لهم، تبقى الخيارات محدودةً جدّاً.
هذا هو "الفراغ الوسيط" المفقود؛ فالمؤسّسون لا يحتاجون إلى تمويلٍ لمشاريع ضخمةٍ أو إلى هياكل حوكمةٍ تمتدّ لعقدٍ من الزّمن؛ إنّهم يحتاجون إلى شركاء يدعمون قناعتهم، ويفهمون واقع بناء الأعمال من الصّفر إلى النّموّ، ويقدّمون أكثر من مجرّد رأس المال.
المشكلة ليست في الوفرة، بل في الوصول؛ فالأمر لا يتعلّق بكميّة رأس المال المتاحة، بل بكيفيّة هيكلته، وسرعة تحرّكه، ومدى توافقه مع واقع ريادة الأعمال الحديثة.
والأمر المفارِق أنّ دولة الإمارات وجيرانها قد وفّروا -في معظم النّواحي الأخرى- بيئةً من الطّراز العالميّ لتأسيس وتوسيع الأعمال؛ فالمناطق الحرّة، والتّرخيص الرّقميّ، والحوافز لجذب المواهب العالميّة، كلّها عناصر استثنائيّة؛ إنّ إطلاق شركةٍ هنا أسهل بكثيرٍ مقارنةً بالعديد من الأسواق الأخرى.
لكن البنية التّحتيّة الماليّة لم تواكب تطوّر البنية التّحتيّة الماديّة بشكلٍ كاملٍ. كثيراً ما يجد المؤسِّسون أنفسهم مضطرّين لتقديم عروضهم أمام صناديق ضخمةٍ تفوق حجم أعمالهم في هذه المرحلة، أو التّعامل مع شروطٍ تعود إلى حقبةٍ زمنيّةٍ مختلفةٍ. المال موجودٌ بلا شكٍّ، لكن القنوات الّتي تصل به إلى من يبنون المشاريع ويحتاجونه أكثر ما تزال تحت الإنشاء ولم تُستكمل بعد.
في هذا السّياق، تظهر أهميّة النّماذج المجتمعيّة وأدوات التّمويل الجديدة؛ فصعود شبكات المؤسِّسين وتنامي شعبيّة أدوات الاستثمار ذات الغرض الخاص (SPVs) يملأ ثغرات أساسيّة في النّظام الماليّ. قد لا تبدو هذه الأدوات برّاقةً أو مثيرةً، لكنّها عمليّةُ وفعّالةُ للغاية.
تعمل أدوات الاستثمار ذات الغرض الخاصّ (SPVs) على جمع الاستثمارات الصّغيرة ضمن هيكلٍ موحّدٍ، ممّا يبسط جداول الملكيّة ويتيح الوصول إلى التّمويل بسهولةٍ أكبر. وبالنّسبة للمؤسّسين، يمنحهم ذلك القدرة على جمع التّمويل وفق شروطهم الخاصّة، مع اختيار المستثمرين بناءً على القيمة الّتي يقدّمونها، وليس فقط على حجم أموالهم. أمّا المستثمرون، فتتيح لهم هذه الأدوات الانخراط في فرص التّمويل المبكّر دون الحاجة إلى الالتزام الكامل بصندوقٍ استثماريٍّ كبيرٍ.
لقد شهدت أعضاء شبكة "أوبس" يستفيدون من هذه النّماذج، محافظين على ملكيّتهم، ومخفّفين الاحتكاك الإداريّ، وجاذبين الشّركاء المناسبين لمرحلتهم. وهذا أحد الأسباب الّتي دفعتنا لإطلاق "أوبس" في دبي؛ فبعد نموّ شبكتنا في لندن، كانت الإمارات الخطوة الطّبيعيّة التّالية؛ ليس بسبب العناوين الكبرى المتعلّقة بالتّوسع، بل بفضل المحادثات اليوميّة مع المؤسّسيّن الّتي نعيشها ونشاركها باستمرارٍ.
هناك فرصةٌ حقيقيّةٌ هنا لتشكيل نوعٍ جديدٍ من النّظام البيئيّ: نظامٌ يضع المؤسّس في المقام الأوّل، متين البنية، وطموحٌ على المستوى العالميّ.
والزّخم في تزايدٍ مستمرٍّ؛ فقد فتحت شركة "ريبابليك" (Republic)، المتخصّصة في الخدمات الاستثماريّة في الأسواق الخاصّة ويقع مقرّها في نيويورك، الوصول إلى الشّبكات الاستثماريّة العالميّة في المنطقة. كما تطوّر شركاتٌ محليّةٌ مثل "زيست إكويتي" (Zest Equity) أدوات SPV مصمّمةً خصيصاً لتلائم ديناميكيّات الشّرق الأوسط. والشّبكات الاستثماريّة تتجاوز الحدود، لتربط رأس المال في دبي بالمؤسّسين في أوروبا وأفريقيا وجنوب آسيا. أمّا المؤسسون هنا، فهم لا ينتظرون الهيكل المثاليّ، بل يعملون بما هو متاح الآن، مستفيدين من الفرص القائمة لبناء أعمالهم وتوسيعه.
شاهد أيضاً: 6 قواعد لجمع التمويل للشركات الناشئة
كلّ هذا لا يعني أنّ المنطقة تعاني من نقصٍ في رأس المال؛ فهي متوفّرةٌ بكثرةٍ. ولكن إذا كان الشّرق الأوسط يطمح لأن يتحوّل إلى موطنٍ أصيلٍ لروّاد الأعمال، فإنّ النّقطة الجوهريّة تكمن في قدرة رأس المال على الوصول إلى المؤسِّسين في موقعهم الفعليّ، وما يستلزم ذلك من تحوّلٍ جوهريٍّ في آليّات الدّعم الماليّ؛ فالمؤسِّسون في الإمارات اليوم يحملون طموحاً عالميّاً، ولا يوافقون على التّنازل عن ملكيّتهم في المراحل المبكّرة من مشاريعهم. والمستثمرون الّذين سيكون لهم الأثر الأكبر هم من يدركون هذا الواقع ويستجيبون له بمرونةٍ ووعيٍ.
لقد كتبت دبي بالفعل فصلها الخاصّ بمسيرة النّموّ والتّوسّع، أمّا الفصل القادم، فسيكتبه رأس المال الّذي يعمل بفعاليٍّة من أجل أولئك الّذين يبنون المستقبل. التّمويل متوفّرٌ، والمواهب متاحةٌ. أمّا التّحدّي الآن، فهو القدرة على ربط الاثنين بسرعةٍ وفاعليّةٍ، ممّا يمكّن من بناء ما سيأتي بعد ذلك بثقةٍ ونجاحٍ.
عن المؤلف
سام تيدسويل-نورّيش (Sam Tidswell-Norrish) هو مؤسّس ورئيس مجلس إدارة شبكة OPUS، وهي تجمّعٌ عالميٌّ يضمّ المؤسِّسين وروّاد الأعمال وصنّاع القيمة.