الريادة

الطعام الحلال: من تقليد إسلامي إلى ظاهرة عالمية مستدامة

رحلة الأغذية الحلال وأثرها الإيجابي على المستويات الاقتصادية والثقافية، وكيف أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الاستهلاك العالمي؟

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

تزداد شعبيَّة الطعام الحلال في العالم يوماً بعد يومٍ؛ حيث لم تَعُد المنتجات الحلال خاصَّةً بالمسلمين فقط، بل يطلبها الكثير من المواطنين الغربيين والأوروبيين، نظراً لمصداقيتها وإمكانيَّة تتبُّعها، كذلك لدورها في الاستدامة، فما هي قصَّة صعود المنتجات الحلال وكيف بدأت الحكاية؟

كلُّ تلك الأمور إضافةً إلى ازدياد عدد المسلمين في البلدان الغربيَّة والأوروبيَّة، هي نتيجةُ موجات الهجرة الكبيرة خلال العقد الأخير، والتي جعلت من صناعة المنتجات الحلال واحدةً من أسرع الصّناعات نموَّاً على المستوى العالميّ، وتتوقَّع مجلة فورتشن بيزنس، أن ينمو سوق الأغذية والمشروبات الحلال العالميّ، من 2.9 تريليون دولار عام 2021، إلى ما يزيدُ عن 3.27 تريليون دولار بحلول عام 2028. 

ووفقاً لمنصَّة إم إم آر المعنيةِ بأبحاث السُّوق، فإنَّ قيمة سوق الأغذية الحلال العالميَّة التي وصلت إلى 2.3 تريليون دولارٍ عام 2023، من المتوقَّع أن تنمو لتصلَ إلى 5.3 تريليون دولارٍ حتّى عام 2030، بمعدَّل نموٍّ سنويٍّ مركبٍ يبلغ 10.5%.  

يمكن استشفاف مدى أهميَّة هذه الصِّناعة على المستوى العالميّ، من التَّغييرات التي طالت نظرة بعض الدُّول تجاه هذا النَّوع من المنتجات، على سبيل المثال في الولايات المتَّحدة الأميركيَّة، التي لم تكن داعمةً لتلك الصِّناعة، من المتوقَّع اليوم أن يتوسَّع سوق الحلال فيها بدرجةٍ كبيرةٍ، حيث بلغت قيمة سوق الحلال فيها عام 2022، ما يزيد عن 59 مليار دولارٍ عام 2022، ويرى الخبراء أنَّها سترتفع إلى أكثر من 88.9 مليار دولارٍ عام 2026، وفق منصَّة ألايد ماركت ريسيرتش. [1] [2] 

الأغذية الحلال فرصةٌ رائعةٌ لتحقيق المكاسب

بحسب الإحصاءات فإنَّ عدد السُّكَّان المسلمين في المملكة المتَّحدة، من المتوقَّع أن ينمو من أربعة ملايين شخصٍ اليوم، إلى 13 مليوناً بحلول العام 2050، وبالتَّالي فإنَّ هذا المُناخ الجديد يخلق العديد من الفرص للشركات الناشئة ومتاجر التَّجزئة والمطاعم، لإدخال خطِّ إنتاجٍ جديدٍ والمسارعة لاستهداف شريحة المستهلكين الجدُّد من المسلمين.

بالفعل هناك العديد من المطاعم العالميَّة، باتت تعتمد شعار الغذاء الحلال، كما هو الحال في ماكدونالدز، وتروي لي صديقةٌ مقيمةٌ في هنغاريا كانت تعمل في أحد أفرع السِّلسلة العالميَّة هناك، كيف أنَّهم كانوا يحرصون على زبائنهم المسلمين، من خلال تخصيص أحد الأفران لشواء اللُّحوم الحلال، وآخر لشواء معظم الأنواع الأُخرى التي لا يتناولها المسلمون.

وتُعدُّ أوروبا عموماً منطقةَ نموٍّ رئيسيَّةً للأغذية الحلال، خصوصاً مع توقُّعات نموِّ عددٍ السُّكَّان المسلمين من 4.9% اليوم إلى 7.4% بحلول عام 2050. وتتصدَّر فرنسا قائمة البلدان التي تضمُّ مسلمين بنحو 12.7% من عدد سكَّانها، ومن المتوقَّع أن يؤدِّي هذا النُّموُّ السُّكَّانيّ إلى زيادة الطلب على المنتجات الحلال، ممَّا يعني إتاحتها على نطاقٍ أوسع، بينما تستخدم العديد من السَّلاسل الرَّئيسيَّة مثل كنتاكي وفرايد تشيكن، وناندوس الدَّجاج واللُّحوم الحلال في المناطق ذات الكثافة السُّكانيَّة العالية للمسلمين.

ومن الممكن أن تمنحَ الأغذيةُ الحلال الكثيرَ من الفرص للشَّركات الأوروبيَّة، ولا سيّما مع ازدياد عدد المسالخ أكثر من أيّ وقتٍ مضى، ممَّا يعني ذبح المزيد من الحيوانات بالطَّريقة الحلال، ما يساعد بتوفير المزيد من التَّكاليف.

الفكرة الأهمُّ اليوم، هو أنَّ مصنعي الأغذية الَّذين ينتجون المزيد من المنتجات الحلال بهدف البيع للمسلمين، ربَّما باتوا يفكِّرون بإعداد منتجاتٍ تُرضي المستهلكين جميعهم المسلمين وغير المسلمين، ممَّا يعني أنّها ستكون حلالاً بالضَّرورة، وفي حال نجح المصنّعون بتلك الخطَّة، فإنَّهم بالتَّأكيد سيفوزون.

الأمر الآخر الذي يشكِّل إغراءً كبيراً للمنتجين، هو قدرتهم على تصدير المنتجات الحلال لأسواقٍ هامَّةٍ مثل آسيا ودول الخليج، وهذا يعدُّ عامل تثقيلٍ هامّاً لصالح صناعة المزيد من المنتجات الحلال في العالم.

شاهد أيضاً: أفضل شركات التكنولوجيا الزراعية.. طفرةٌ حقيقّيةٌ في توفير الغذاء

كيف انتشرت صناعة المنتجات الحلال؟

غالباً بدأ الأمر من خلال دراسة السُّوق، على سبيل المثال فإن 50% من مسلمي المملكة المتَّحدة، تحت سن الـ24 عاماً، ومعظمهم يعانون من ضيق الوقت نتيجة العمل الطَّويل، وقد دفع هذا الأمر ببعض الشَّركات لتبنِّي صناعة الأغذية الحلال لتخديم هذه الشَّريحة التي ليست بالقليلة بالنِّسبة للمجتمع.

ولا يتوقَّف الأمر عن صناعة الطعام الحلال المعلَّب أو داخل مطاعم الوجبات السَّريعة، فالأمر ذاته ينطبق على أسواق الطَّعام الشَّعبية في الشَّوارع، التي تقدِّم معظم أنواع الطَّعام، ولم تمانع بإدخال الأغذية الحلال إلى قائمتها. [1]

الثقة في الأغذية الحلال

لم يَعُد الطّلب على الأغذية الحلال مقتصراً على المسلمين فحسب، بل تعدَّاه ليشمل الكثير من أبناء المجتمع الغربيّ والأوروبيّ؛ لإدراكهم بأنَّ هناك قوانين صارمةً توفِّر شعوراً بالأمان بالنِّسبة للمستهلكين، الَّذين يشعرون بأنَّ المنتج آمنٌ ويلتزم بمعايير أخلاقيَّةٍ معينةٍ، لن يحصلوا عليها دائماً مع باقي منتجات اللُّحوم الأخرى.

باختصارٍ، فإنَّ وجود اسم "غذاء حلال"، باتت تعني اليوم بأنَّ المنتج قد تمَّ فحصه بعنايةٍ فائقةٍ، وهو يتوافق مع قوانين التَّغذية الإسلاميَّة، كما أنَّه يستوفي القوانين الوطنيَّة والدّولية المعمول بها، لكنَّ ذلك ليس كلَّ شيءٍ، فوجود الأغذية الحلال يعني تعزيز مبادئ التَّنمية المستدامة أيضاً.

كيف تساهم الأغذية الحلال بالاستدامة؟

في عالمٍ يتّجه للعمل بكلِّ ما أُوتي من قوَّةٍ وجهدٍ وخبراتٍ، لتعزيز الاستدامة، تأتي الأغذية الحلال كمكمّلٍ جيدٍ لتلك المساعي.

كيف ذلك إذاً؟

لقد أصبحَ النَّاس اليوم أكثر وعيَّاً بالأثر البيئيّ لمشتريَّاتهم، وهم يطالبون باستمرارٍ بكلِّ المنتجات التي يتمُّ تصنيعها بشكلٍ أخلاقيٍّ مع الحدِّ الأدنى من البصمة الكربونيَّة. والغذاء الحلال يُعزِّز الاستدامة البيئيَّة، فهو يساعد على استهلاك المنتجات الحيوانيَّة، التي تمَّت تربيتها ضمن مزارعَ طبيعيَّةً، تستهلك النَّباتات التي لا تحوي أيَّ ضررٍ على صحَّة الإنسان، كذلك فإنَّ ذبحها على الطَّريقة الإسلاميَّة يعدُّ مثاليَّاً بالنِّسبة للحيوان الذي يعدُّ رفاهه مهمَّاً في الاستدامة.

شاهد أيضاً: كيف سيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين الاستدامة وتحقيق أهداف COP28

بالعموم، فإنَّ الأغذية الحلال تسمهم في الاستدامة من خلال عدَّة جوانبٍ أُخرى، منها أنَّ الشَّركات تستثمر في سلاسل التَّوريد الشَّفافة، لضمان إمكانيَّة تتبُّع منتجاتها من المزرعة إلى المستهلك، ممَّا يساعد الشَّركات على مراقبة عمليَّة الإنتاج بشكلٍ أفضل وضمان جودة المنتجات. ومع ذلك فإنَّ للمنتجات الحلال أهميَّةً قصوى لاقتصاد غالبيَّة الدُّول الغربيَّة، خصوصاً تلك التي تعدُّ مكاناً مرغوباً للسُّيَّاح المسلمين.

السياحة الصديقة للمسلمين

السِّياحة الحلال واحدةٌ من أكثر الصِّناعات ربحاً وأسرع نموَّاً في العالم، وبحسب تقريرٍ صادرٍ عن Mastercard وHalalTrip ، فإنَّه من المتوقَّع أن يرتفع الإنفاق العالميُّ السَّنويُّ من المسافرين المسلمين إلى 300 مليار دولارٍ بحلول عام 2026.

وبناءً على ذلك، لن ترغب الفنادق العالميَّةُ بخسارة زبائنها من الأثرياء المسلمين، لصالح فنادق أُخرى انتبهت إلى هذه النَّقطة، وباتت تسوَّق لنفسها تحت بند "يوجد طعامٌ حلالٌ"؛ لذا فقد بدأت كبرى سلاسل الفنادق في العالم بتضمين لمنتجات الحلال في قائمة وجباتها.

وسط ذلك، لا يمكن إغفال أهميَّة التُّكنولوجيا الرَّقميَّة التي أحدثت تحوُّلاتٍ كبيرةً في صناعة الطَّعام الحلال، وهذا ما ساعد الشَّركات على الابتكار بشكلٍ أسرعَ وتطوير منتجاتٍ أكثر كفاءة، بينما تعمل الرَّقمنة على إحداث تحوُّلٍ كبيرٍ في صناعة الغذاء الحلال العالميّ، فإنَّ الشَّركات النَّاشئة في مجال التكنولوجيا الغذائية تمتلك فرصاً هائلةً للاستفادة من هذا السُّوق المتنامي.

كمثالٍ على ذلك، فإنَّ المنصَّات والتَّطبيقات التي تعرض الأغذية الحلال، تكتسب شعبيَّةً كبيرةً وسريعةً نتيجة سهولة طلب المنتجات المتعدِّدة منها، بالمقابل فإنَّه ومع النُّموِّ السَّريع للتِّجارة الإلكترونيَّة بمجال البقالة وتجارة التَّجزئة، فإنَّ الشَّركات العاملة في قطَّاع الحلال تمتلك عدداً غير محدودٍ من الفرص. [3]

باختصار، لقد حانت تلك اللَّحظة التي بدأت فيها اقتصادات الدُّول الغربيَّة والأوروبيَّة تتنبَّه لأهميَّة الغذاء الحلال، في ضمان استمرار نجاحها ومكاسبها، التي تتطلَّب منها إدراك مدى التَّغييرات في الحالة الاجتماعيَّة، وهو أمرٌ لم يَفُتها بالتَّأكيد، وإلَّا لما كان سوق الأغذية الحلال قد شهد هذا النُّموّ السَّريع.

لمزيدٍ من النصائح في عالم المال والأعمال، تابع قناتنا على واتساب.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
آخر تحديث:
تاريخ النشر: