أصالة وإبداع: كيف حولت Okhtein التراث العربي إلى علامة عالمية فاخرة؟
تسرد الشقيقتان مؤسِّستا "أختين" رحلتهما من شغفٍ مبكر إلى بناء علامة فاخرة عالمية، مستلهمة من التراث العربي ومترسخة في الحِرفية والسرد الثقافي
كانت مُناز و آية عبد الرؤوف، الشّقيقتان والمؤسّستان المشاركتان للعلامة المصريّة "أختين" (Okhtein)، دائماً على يقين برغبتهنّ في أن يصبحن رائدات أعمالٍ. واليوم، بعد أن أثبتن أنفسهنّ في مشهد الموضة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال مجموعتهنّ المميّزة من الحقائب الجلديّة مع متاجر رئيسيّةٍ في سيتي ووك دبي، ومول المملكة بالرياض، والمتحف المصري الكبير بالقاهرة، إلى جانب إطلاقات في هارودز وسيلفريدجز في لندن، تخبر الشّقيقتان مجلة "عربيةInc. " أنّ هذا المسار بدا دائماً حتميّاً بالنّسبة لهم.
تقول آية عبد الرؤوف: "في الواقع، كانت روح ريادة الأعمال جزءاً منّا قبل أن ندرك حتّى معنى الكلمة. منذ طفولتنا، كنّا دائماً نطلق "مشاريع صغيرة" معاً، نصمّم تعليقاتٍ وزينةً صغيرةً ونبيعها على الشّاطئ لمجرّد المتعة. ومع تقدّم الزّمن، عندما كانت مُناز في المرحلة الثّانويّة، شرعت في صناعة وبيع علامات الكتب الخاصّة بها كقطعٍ فنيّةٍ. أدّى هذا المسار لاحقاً إلى افتتاحها لمعرضٍ صغيرٍ، ووقفت إلى جانبها كمديرةٍ: أجد من يمثّل أعمالها وأساعد في بيع قطعها بالكامل. وعند استرجاع تلك التّجربة، أدركنا أمرين جوهريّين: أوّلاً، أنّ كلانا يملك روحاً قويّةً لريادة الأعمال، وثانيّاً، أنّ تعاوننا معاً كان استثنائيّاً. بدا الأمر شبه محتومٍ أن نبني يوماً ما مشروعاً أكبر كشريكتين في العمل، وليس مجرّد شقيقتين".
أدّى هذا المسعى في النّهاية إلى تأسيس "أختين"، الّذي جاء لسدّ الفجوة الكبيرة الّتي لاحظتها كلٌّ من مُناز وآية عبد الرؤوف في سوق الموضة الفاخرة. وقد أكّدت الشّقيقتان على الرّغم من أنّ منطقة الشرق الأوسط تمثّل سوقاً هائلاً لهذا القطّاع -وبخاصّةٍ فيما يتعلّق بحقائب اليد- إلّا أنّها لم تكن ممثّلةً بشكلٍ متكافئٍ في ألوان وتصاميم المنتجات والإلهامات المبتكرة؛ فقالتا موضّحتين: "رغبنا في مواجهة هذا التّحدّي وبناء علامةٍ تجاريّةٍ تعكس هويّتنا: إكسسوارات قويّة مرتكزة على التّصميم وتحمل منظوراً عربيّاً أصيلاً".
وفي عام 2013، شرعت الشّقيقتان في تحقيق هذه الرّؤية بإطلاق "أختين" في القاهرة، حيث بدأت العلامة في اكتساب زخمٍ تدريجيٍّ مع تعلّمهما للحرفة، والعمل جنباً إلى جنبٍ مع الحرفيّين المحليّين، وفي بعض الحالات، مع نساءٍ من فئاتٍ أقلّ حظّاً، لتتبلور هويّة العلامة التّجاريّة كأساسٍ للتّرف الأخلاقيّ المتجذّر في الثّقافة العربيّة. وتضيفا: " كانت الرّؤية الأوّليّة لعلامة Okhtein تهدف إلى أن تتحوّل إلى علامةٍ تجاريّةٍ ذات حضورٍ عالميٍّ؛ لقد كان هذا الطّموح جليّاً منذ اللّحظة الأولى، وما زال يشكّل جوهر مسارنا حتّى اليوم. ومن هذه الزّاوية، لم تتغيّر الرّؤيّة الجوهريّة؛ ما تغيّر هو فهمنا لكيفيّة الوصول إلى هذا الهدف. ومع مرور السّنوات، أصبحنا أكثر استراتيجيّةً وتنظيماً، وأكثر وعياً بالمسؤوليّة المترتّبة على بناء ليس مجرّد علامةٍ تجاريّةٍ، بل علامة تمثّل منطقتنا على المسرح الدّوليّ".
تجسّدت هذه الرّؤية لعلامة "أختين" من خلال مجموعتها المميّزة من حقائب اليد، الّتي تشمل الحقائب الصّغيرة المسائيّة، وحقائب السّهرة، وحقائب الظّهر، وحقائب الكتف، جميعها مصنوعةٌ من الجلد الفاخر ومزوّدةٌ بتفاصيل معدنيّةٍ مميّزةٍ -غالباً من النّحاس المطليّ بالذّهب- مع نقوشٍ مستوحاةٍ من الفنّ والعمارة والطّبيعة في مصر القديمة والعالم الإسلاميّ. من حقائب ميناوديرز نصف الدّائريّة المنقوشة بنقوش النّخيل، إلى تفاصيل الأسوار الملفوفة الّتي تحاكي المجوهرات وأشكال الثّعابين، فضلاً عن التّصاميم المستلهمة من القباب، وقوارب الفلوكة، والواجهات التّاريخيّة، تدمج العلامة تراثاً غنيّاً في أنماطٍ جريئةٍ ومعاصرةٍ؛ فتقول الشّقيقتان: "بالنّسبة لنا، لا يقتصر الأمر على الهويّة المصريّة فحسب، بل الهويّة العربيّة، وهذه الفكرة بالغة الأهميّة. منذ البداية، قرّرنا البقاء قريبين من جذورنا، وبناء لغةٍ تصميميّةٍ تعكس هويّتنا ومن أين أتينا. لذلك، نعم، السّرد القصّصيّ مقصودٌ بشكلٍ كاملٍ. الأشكال، والعمل المعدنيّ، والمراجع، والتّفاصيل كلها متجذّرةٌ في ثقافتنا وفي العالم العربيّ الأوسع، ونعتبر ذلك مصدر قوّتنا وليس شيئاً لتخفيفه".
تواصل مُناز وآية عبد الرؤوف قائلتين: "بالنّسبة لنا، تنطلق الفخامة العربيّة من السّرد القصّصيّ والاحتفاء بالتّراث؛ إنّها قدرة القطعة الواحدة على حمل الرّوايات الغنيّة، والزّخارف، والفنون المتوارثة في منطقتنا. عندما نفكّر في الفخامة العربيّة، تتجسّد لدينا أنماطٌ مستوحاةٌ من العصر الفاطميّ، نحاسٌ محفورٌ، وتطريزٌ تقليديٌّ يُعاد تفسيره بأسلوبٍ معاصرٍ يمكن للمرأة أن ترتديه وتعيشه اليوم. يجب أن تكون الفخامة العربيّة معروفةً فوراً، ليس بسبب شعارٍ، بل بسبب اللّغة الثّقافيّة الّتي تعبّر عنها، والأشكال، والتّفاصيل، والخامات، والفخر الّذي تحمله؛ إنّها فخامةٌ ترفض الصّور النّمطيّة، وتقدّم صورة المرأة العربيّة الحديثة القويّة، الأنيقة، المبدعة، والواثقة تماماً على السّاحة العالميّة. بالنّسبة لنا، تمزج الفخامة العربيّة الحقيقيّة بين الطّابع الخالد والملاءمة العصريّة في آنٍ واحدٍ، فتخاطب الأذواق الدّوليّة مع الحفاظ على أصالتها الجذريّة".
قد أثمرت استراتيجيّة الشّقيقتين في ربط الطّموح العالميّ لعلامة "أختين" بتراثٍ إقليميٍّ مميّزٍ، حيث افتتحت الشّقيقتان أوّل متجرٍ رئيسيٍّ لهما في القاهرة عام 2020، ولاحقاً أطلقا خطّ مجوهراتٍ فاخرةً يعكس الطّابع المميّز للعلامة في مجموعةٍ من الخواتم والأقراط والقلائد والأساور المصمّمة من الذّهب الأصفر والأبيض المرصّع بالأحجار الكريمة. ومع توسّع علامة "أختين" خارج مصر، افتتحت أوّل بوتيك لها في دول مجلس التّعاون الخليجيّ بمول دبي سيتي ووك عام 2024، وتبعتها في 2025 بافتتاح متجرها الرّئيسيّ في المملكة العربيّة السّعوديّة بمول كينغدوم بالرياض. كما أطلقت العلامة بوتيكاً في المتحف المصريّ الكبير الّذي افتتح أبوابه في مصر عام 2025.
تم تعزيز مكانة الشّقيقتين مُناز وآية مع علامتهما "أختين" بشكلٍ أكبر في عام 2021، حين حصلت العلامة على استثمارٍ من صندوق "بداية" (Bidayat)، وهو صندوقٌ استثماريٌّ يركز على منطقة البحر المتوسّط ويعدّ صندوقاً فرعيّاً تابعاً لـ " مجموعة ألسارا للاستثمار " Alsara Investment Group، الّتي يديرها وزير التّجارة والصّناعة المصريّ السابق رشيد محمد رشيد، الّذي يشغل أيضاً منصب رئيس مجالس إدارة علامات أزياء عالميّة مثل: "فالنتينو" (Valentino)، و"بالمان" (Balmain)، بالإضافة إلى كونه الرّئيس التّنفيذيّ لجهة الاستثمار في السّلع الفاخرة القطريّة "ميهولا" (Mayhoola). شكّل هذا الاستثمار نقطةً محوريّةً للعلامة، حيث دفع الشّقيقتين للتّفكير بشكلٍ أوسع ومنحهما وصولاً غير مسبوقٍ إلى شبكةٍ واسعةٍ من خبراء الفخامة الدّوليّة.
تقول الشّقيقتان من خلال "بداية"، تمكنّا من التّواصل مع خبراء لديهم فهمٌ عميقٌ لعالم الفخامة العالميّ، سواء من المشترين أو الشّركاء أو المرشدين في أوروبا والمنطقة؛ هذا النّوع من الانكشاف والخبرة يستغرق سنواتٍ طويلةً لبنائه، وساعدنا بشكلٍ كبيرٍ على صقل استراتيجيّتنا الدّوليّة."
وتضيفان: "كان التّأثير الثّاني على الصّعيدين الاستراتيجيّ والتّشغيليّ؛ فقدّم لنا صندوق بداية دعماً مباشراً ومتعّمقاً، وليس مجرّد نصائح عن بُعدٍ. أتيح لنا الوصول مباشرةً إلى خبرات أشخاصٍ عملوا مع دور أزياءٍ أوروبيّةٍ راسخةٍ مثل "فالنتينو" وبالمين"، الّذين يمتلكون معرفةً شاملةً بدءاً من تحديد موقع العلامة وحتّى تنفيذ عمليّات البيع بالتّجزئة ودخول الأسواق الجديدة. وقد تُرجم هذا كلّه إلى توجيهاتٍ عمليّةٍ دقيقةٍ تساعدنا على النّمو بشكلٍ منظّمٍ، مع الحفاظ على جوهر هويّتنا الأصيلة".
ومن النّاحية الجوهريّة، تؤكّد الشّقيقتان أنّ علامة "أختين" لم تُبْنَ حصريّاً لجمهورٍ عربيٍّ، وقد تحقّق إيمانهما بالانتشار العالميّ للعلامة حين لاحظت وسائل الإعلام المشاهير الدّوليّين مثل بيونسيه (Beyoncé)، وجيجي حديد (Gigi Hadid)، وعائلة كارداشيان (Kardashians)، وهم يرتدون حقائب اليد الخاصّة بهنّ؛ فتقول الشقيقتان: "على المستوى الشّخصيّ، كان هذا اعترافاً جميلاً بأنّنا نسير على الطّريق الصّحيح. عندما بدأنا في 2014، كان من النّادر جدّاً رؤية علامةٍ تجاريّةٍ مصريّةٍ يتمّ اعتمادها في هوليوود؛ لذا شعرنا حينها بلحظةٍ رياديّةٍ، ليس فقط بالنّسبة لنا، بل أيضاً لما يمكن أن تمثّله علامةٌ مصريّةٌ على المستوى العالميّ."
في الواقع، كما تعترف المؤسِّسات أنفسهن،ّ يميل جمهور "أختين" العالميّ إلى الانتماء لأحد مجموعتين: العرب الّذين يفتخرون بثقافتهم ويرغبون في ارتداء شيءٍ يعكسها، والعملاء الدّوليّون الفضوليّون والرّاغبون في استكشاف المزيد عن منطقتنا. تضيف الشّقيقتان: "من خلال "أختين"، نشعر أنّ هناك تبادلاً ثقافيّاً جميلاً يحدث؛ إذ يتفاعل النّاس مع التّصميم العربيّ، والتّاريخ، والحرفيّة من خلال وسيط الأزياء، وهذا الحوار يحمل معنىً عميقاً بالنّسبة لنا".
مع نموّ علامة أختين وتزايد اهتمام الجمهور الدّوليّ بها، تغيّرت أيضاً طريقة إدراك العملاء للعلامة في المنطقة؛ فتقول الشّقيقتان: "لطالما آمنّا بأنّ علامةً مصريّةً ذات هويّةٍ متجذّرةٍ يمكن أن تتواصل مع النّساء في كلّ مكانٍ، قبل أن تحدث هذه اللّحظات؛ فما فعلته هذه اللّحظات بالفعل هو تغيير الطّريقة الّتي يرى بها الناس "أختين" من الخارج. بالنّسبة للبعض، كنّا مجرّد علامةٍ محليّةٍ أخرى حتّى رأوا تصميماتنا على المنصّة الدّوليّة، وفجأةً أصبح واضحاً أنّ علامةً مصريّةً تحمل هويّةً عربيّةً يمكنها أن تنافس بثقةٍ الأسماء العالميّة. وقد أكّدت هذه التّجربة أنّ رحلة حقيبةٍ تبدأ في القاهرة لا يجب أن تتوقّف عند الحدود الإقليميّة، بل يمكن أن تجد مكانها في خزائن الملابس حول العالم".
من مؤسِّس إلى مؤسِّس
تشارك آية ومُناز عبد الرؤوف استراتيجيّاتهما لبناء علامةٍ تجاريّةٍ عالميّةٍ من الشّرق الأوسط؛ فتقولا:
"ابدأ من ثقافتك الخاصّة، لا من الاتّجاهات السّائدة؛ فلا تبنِ علامتك التّجاريّة من خلال تقليد ما تراه في الأسواق الأوروّبيّة أو الدّوليّة. اقضِ وقتك مع القصص والحرف اليدويّة وتاريخ بلدك أو منطقتك. كلّما كنت محدّداً وصادقاً أكثر حول جذورك وأصلك، أصبح عملك أكثر قدرةً على التّواصل مع العالم بأسره.
ثم تأتي الجودة؛ فسواء كنت تعمل في صناعة السّلع الجلديّة، الملابس، أو المجوهرات، إنّك بحاجةٍ إلى سلسلة إمدادٍ موثوقةٍ وقاعدةٍ قويّةٍ من الحرفيّين المهرة، إذ يتذكّر العملاء الدّوليّون العلامات التّجاريّة الّتي تتميّز بالاتّساق والإتقان في الصّنع، وليس فقط ما يبدو جميلاً في الحملات الإعلانيّة أو على وسائل التّواصل الاجتماعيّ.
وأخيراً، نعود دائماً إلى الهدف والغرض؛ فالعلامة التّجاريّة الإقليميّة الّتي تسعى للوصول إلى العالميّة لا يمكنها الاكتفاء بالمظهر الجماليّ وحده. فهي تحتاج إلى قصّةٍ واضحةٍ ومجموعةٍ من القيم الّتي يمكن للنّاس الارتباط بها بغضّ النّظر عن مكانهم في العالم.
أمّا بالنّسبة لما يجب تجنّبه، فهو عدم تخفيف هويّتك الثّقافيّة لمجرّد الشّعور بأنّك أكثر عالميّةً. محاولة التخفيف من جذورك وأصلك عادةً تجعل العلامة التّجاريّة أقلّ إثارة للاهتمام، لا أكثر سهولة في الوصول إليها؛ جذورك هي قوّتك.
لا تتجاهل جانب العمل التّجاري أيضاً؛ فمن السّهل جداً الانغماس في التّصميم وحماس إطلاق المجموعات الجديدة، ونسيان إدارة المخزون، والتّدفّق النّقديّ، والهوامش، والعمليّات التّشغيليّة، لكن الجانب الإبداعيّ يحتاج إلى هيكلٍ قويٍّ ومستدامٍ لكي ينجو.
وأخيراً، لا تتعامل مع وسائل التّواصل الاجتماعيّ كقناة مبيعاتٍ فقط؛ فإذا كانت كلّ منشوراتك مجرّد ترويجٍ للمنتجات، سيفقد النّاس اهتمامهم سريعاً. لذلك، استخدم منصّاتك لسرد قصّةٍ أعمق، لمشاركة عمليّتك الإبداعيّة، ومراجعك، وعالمك الخاصّ؛ فعندما يشعر النّاس بصدق هذه القصّة، ستأتي المبيعات تلقائيّاً.