شركة Domyn المدعومة من G42 تخطط لنموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر في أوروبا
تخطط شركة Domyn المدعومة من G42 لإطلاق نموذج ذكاء اصطناعي مفتوح المصدر في أوروبا، لتعزيز السيادة الرقمية ودعم الابتكار الأوروبي.
تتحرك أوروبا في سباق الذكاء الاصطناعي من موقع الدفاع إلى محاولة بناء بديلها الخاص. فبعد سنوات من الاعتماد الكبير على نماذج أميركية وصينية، بدأت القارة تبحث عن أدوات تمنحها قدراً أكبر من السيادة الرقمية، خصوصاً في القطاعات الحكومية والمالية والصناعية التي لا تستطيع التعامل مع الذكاء الاصطناعي كخدمة مستضافة في الخارج فقط.
ضمن هذا السياق، أعلنت شركة Domyn الإيطالية، المدعومة من G42 في أبوظبي، عن خطة لإطلاق نموذج ذكاء اصطناعي متقدم ومفتوح المصدر بالكامل خلال عام واحد. المشروع لا يبدو مجرد محاولة أوروبية جديدة للحاق بركب الشركات الكبرى، بل يعكس تحوّلاً أوسع في فهم الذكاء الاصطناعي: من منتج تقني يباع عبر السحابة، إلى بنية استراتيجية يجب أن تمتلكها الدول والمؤسسات وتديرها محلياً.
أوروبا تبحث عن استقلالها الرقمي
التحرك الأوروبي يأتي في توقيت حساس. فالشركات الأميركية الكبرى ما زالت تقود معظم سباق النماذج المتقدمة، بينما تفرض الشركات الصينية حضوراً قوياً في النماذج المفتوحة المصدر. وبين هذين القطبين، تجد أوروبا نفسها أمام سؤال صعب: هل يمكنها بناء ذكاء اصطناعي متقدم يعكس احتياجاتها وقوانينها ولغاتها وقيمها؟
هذا السؤال لم يعد نظرياً. فقد دفعت القيود الأميركية على بعض نماذج الذكاء الاصطناعي، والمخاوف من الاعتماد على أنظمة مستضافة خارج أوروبا، الحكومات والشركات إلى البحث عن نماذج يمكن تشغيلها داخل البنية التحتية المحلية. وفي قطاعات مثل الحكومة والتمويل والصناعة الثقيلة، لا تكفي قوة النموذج وحدها، بل تصبح السيطرة على البيانات ومكان التشغيل وطريقة التدريب جزءاً من القرار الاستراتيجي.
هنا تدخل Domyn إلى المشهد. الشركة، التي كانت تُعرف سابقاً باسم iGenius، تأسست في ميلانو عام 2016، وركزت خلال السنوات الماضية على تطوير نماذج متخصصة للقطاعات المنظمة مثل التمويل والحكومة والصناعة. وهذا يمنحها موقعاً مختلفاً عن شركات الذكاء الاصطناعي التي تبدأ من تطبيقات المستهلكين أو روبوتات المحادثة العامة.
نموذج مفتوح المصدر بحجم ضخم
الخطة الجديدة تقوم على إطلاق نموذج يتجاوز 400 مليار معامل، ويتم تدريبه من الصفر. هذا الحجم يضع المشروع، إذا تحقق كما هو مخطط له، بين أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي المفتوحة المصدر حتى الآن. لكن أهمية الرقم لا تكمن في الحجم وحده، لأن عدد المعاملات لا يضمن بالضرورة جودة الأداء أو القدرة على منافسة أفضل النماذج العالمية.
الأهم هو طبيعة النموذج نفسه. فبحسب تصريحات الشركة، سيكون النموذج مفتوح المصدر وقابلاً لإعادة الإنتاج، ما يعني أن الحكومات والشركات تستطيع تشغيله على بنيتها التحتية الخاصة دون الاعتماد على مزود خارجي. هذه النقطة تحديداً تمثل جوهر الرهان الأوروبي، لأنها تنقل الذكاء الاصطناعي من خدمة بعيدة إلى أصل تقني يمكن امتلاكه وتشغيله والتحكم به.
هذا النوع من النماذج قد يكون جذاباً للمؤسسات التي تتعامل مع بيانات حساسة، أو تخضع لقواعد صارمة حول الخصوصية والسيادة الرقمية. فالبنوك، والجهات الحكومية، وشركات الطاقة، والمؤسسات الصحية، لا تريد دائماً إرسال بياناتها إلى نماذج مغلقة تعمل خارج نطاق سيطرتها المباشرة.
دور G42 في القصة الأوروبية
وجود G42 ضمن داعمي Domyn يضيف بعداً خليجياً مهماً للقصة. فالشركة الإماراتية أصبحت خلال السنوات الأخيرة من أبرز اللاعبين في مشهد الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، وتحركها عبر الاستثمار في شركة أوروبية متخصصة يكشف أن أبوظبي لا تريد أن تبقى فقط مستوردة للتكنولوجيا، بل شريكاً في تشكيل مراكز القوة الجديدة حول العالم.
هذا الدعم لا يعني أن المشروع إماراتي بالكامل، لكنه يعكس موقع رأس المال الخليجي في مرحلة جديدة من الذكاء الاصطناعي. فالدول والشركات التي تستثمر اليوم في النماذج والبنية التحتية والبيانات، لا تراهن على تطبيق واحد، بل على الطبقة التي ستبنى فوقها قطاعات كاملة خلال السنوات المقبلة.
بالنسبة إلى أوروبا، وجود مستثمرين مثل G42 يمكن أن يساعد في تمويل مشاريع مكلفة وطويلة الأمد. وبالنسبة إلى الخليج، يمنح هذا النوع من الاستثمارات حضوراً في مراكز الابتكار العالمية، ويحول المنطقة من سوق استهلاكية للتقنيات الجديدة إلى لاعب في سلاسل القيمة العميقة.
مشروع EUROPA واللغات الأوروبية
Domyn لا تتحرك وحدها. فمشروعها يأتي ضمن كونسورتيوم EUROPA، الذي تقوده الشركة بالتعاون مع معهد Fraunhofer-Gesellschaft الألماني. وقد اختارت المفوضية الأوروبية هذا الكونسورتيوم ضمن تحدي Frontier AI Grand Challenge، بهدف بناء نموذج ذكاء اصطناعي أوروبي مفتوح المصدر يغطي اللغات الرسمية الـ24 في الاتحاد الأوروبي.
هذه النقطة مهمة جداً. فالكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي القوية تتركز حول اللغة الإنجليزية أولاً، ثم تدعم لغات أخرى بدرجات متفاوتة. أما النموذج الأوروبي المقترح، فيحاول أن يبدأ من تنوع أوروبا اللغوي نفسه، ما قد يمنحه قيمة أكبر للمؤسسات العامة والشركات التي تعمل عبر أسواق متعددة داخل الاتحاد الأوروبي.
البعد اللغوي هنا ليس تفصيلاً ثقافياً فقط. اللغة جزء من الاقتصاد. عندما يصبح النموذج قادراً على التعامل بكفاءة مع لغات الاتحاد الأوروبي، يمكن استخدامه في الخدمات الحكومية، والامتثال القانوني، والتعليم، وخدمة العملاء، والبحث العلمي، والوثائق المؤسسية، دون الاعتماد الكامل على نماذج بُنيت أساساً لأسواق أخرى.
التحدي الأكبر ليس الإعلان
رغم أهمية المشروع، يبقى الطريق صعباً. تدريب نموذج ضخم من الصفر يحتاج إلى بيانات عالية الجودة، وبنية حوسبة قوية، وفريق بحثي متقدم، وتمويل مستمر، وقدرة على قياس الأداء بموضوعية. كما أن فتح المصدر لا يكفي وحده إذا لم يكن النموذج عملياً، آمناً، وقادراً على المنافسة في الاستخدامات الحقيقية.
الشركة تراهن على البنية الأوروبية للحوسبة الفائقة EuroHPC، وعلى شراكات مع مؤسسات حكومية لتوفير البيانات. لكن نجاح المشروع سيتوقف على قدرته على تجاوز مرحلة النموذج البحثي إلى منتج يمكن للشركات والحكومات استخدامه فعلاً. فالسوق لا يكافئ النوايا الاستراتيجية فقط، بل يكافئ الأداء، والتكلفة، وسهولة التشغيل، والثقة.
مع ذلك، فإن أهمية الخطوة تكمن في أنها تعكس تغيراً في المزاج الأوروبي. أوروبا لا تريد فقط تنظيم الذكاء الاصطناعي القادم من الخارج، بل تريد أيضاً بناء جزء من هذا المستقبل بنفسها. وإذا نجحت Domyn وشركاؤها في تقديم نموذج قوي ومفتوح وقابل للتشغيل المحلي، فقد تصبح أوروبا أقل اعتماداً على النماذج المستضافة خارج حدودها.