اضطراب عالمي واسع: هل نحن أمام بداية حرب طويلة الأمد؟
تحذيرٌ من تصاعد الصّراعات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة عالميّاً، مع تزايد ترابط الأزمات الدّوليّة واصطفاف القوى الكبرى في تكتلاتٍ متنافسةٍ قد تعيد تشكيل النّظام العالميّ بالكامل
قدّم راي داليو (Ray Dalio)، الملياردير ومؤسس "بريدج ووتر أسوشيتس" (Bridgewater Associates)، أحد أكبر صناديق التحوط في العالم، رؤية حادة للمشهد العالمي الراهن.
وفي أحدث نسخة من نشرته "برينسيبلد بيرسبكتيفز" (Principled Perspectives)، أعلن داليو أن الحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران "جزء من حرب عالمية نعيشها بالفعل، ولن تنتهي في وقت قريب".
ورغم أن داليو كان قد طرح هذه الفرضية قبل وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين الذي أُعلن في الحرب يوم الخميس 2 أبريل 2026، فإنه أعاد التأكيد على هذا الرأي في مقال لاحق نشرته مجلة "تايم" (TIME)، مشيراً إلى أن المسار الجيوسياسي الأوسع لا يزال دون تغيير. وكتب قائلاً: "أعتقد أن الصراع في إيران ليس سوى جزء من حرب عالمية محتملة أوسع، حيث تقف دول مثل الصين وروسيا وإيران في جانب، بينما تقف الولايات المتحدة والدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية في الجانب الآخر. أتمنى ألا يكون ذلك صحيحاً، لكنني أخشى أننا ندخل حرباً عالمية".
ولدعم حجته، استند داليو إلى أنماط تاريخية، مشيراً إلى أن الحروب العالمية لا تُعرّف بحدث واحد، بل بمزيج من الصراعات التي تصبح مترابطة بشكل متزايد؛ وهو واقع، بحسب رأيه، بدأ يتشكل بالفعل. ولتوضيح ذلك، أشار إلى عدة جبهات نشطة خارج الشرق الأوسط، بما في ذلك الحرب في أوكرانيا، إلى جانب التنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين القوى الكبرى، معتبرًا إياها جزءًا من صراع أوسع على مستوى النظام العالمي. وكما قال داليو: "مجتمعة، تشكّل هذه الصراعات حرباً عالمية كلاسيكية للغاية تشبه الحروب العالمية السابقة".
وبُعد آخر من هذا التحول، بحسب داليو، يتمثل في الطريقة التي تعيد بها الدول الاصطفاف فيما بينها؛ فبدلاً من نظام عالمي موحد، يتجه العالم نحو تكتلات متنافسة ذات مصالح استراتيجية مشتركة. وقال: "إن فهم كيفية اصطفاف الأطراف وعلاقاتها ببعضها أمر بالغ الأهمية". ووفقاً له، تبدو الصين وروسيا "الفائزين النسبيين اقتصادياً وجيوسياسياً من هذه الحرب"، في حين تظل الولايات المتحدة، بوصفها دولة مصدّرة للطاقة، في موقع متميز نسبياً من حيث اقتصاديات الطاقة العالمية.
كما أشار داليو إلى أن دولاً أخرى تراقب الديناميكيات الحالية بين الولايات المتحدة وإيران قد تعيد حساباتها وتغير سلوكها بطرق قد تعيد تشكيل النظام العالمي. وقال: "على سبيل المثال، من المنطقي أن يتعلم قادة الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية وتنتظر من الولايات المتحدة الدفاع عنها دروساً، وأن يغيروا سلوكهم بناءً على ما سيحدث لتلك الدول في الشرق الأوسط التي تعتمد على الولايات المتحدة في الدفاع عنها". وأضاف: "وبالمثل، يمكن الاستنتاج أن أي دولة تقع قرب مضيق استراتيجي مهم، أو تستضيف قواعد أمريكية في منطقة قد تشهد صراعاً كبيراً -مثل آسيا حيث قد ينشأ صراع بين الولايات المتحدة والصين-ستراقب وتستخلص الدروس مما يحدث في الحرب الإيرانية".
وإلى جانب تغيّر التحالفات، أشار داليو أيضًا إلى أوجه تشابه هيكلية بين البيئة العالمية الحالية والفترات التي سبقت الحروب العالمية السابقة. وقال: "لدي العديد من المؤشرات التي تشير إلى أن النظام النقدي، وبعض الأنظمة السياسية الداخلية، والنظام الجيوسياسي العالمي، كلها تتفكك". وأضاف: "تشير هذه المؤشرات إلى أننا نمر بمرحلة انتقالية من مرحلة ما قبل القتال إلى مرحلة القتال، وهو ما يشبه تقريباً فترتي 1913-1914 و1938-1939".
وفي الوقت نفسه، أوضح داليو أنه "لا يوجد شيء دقيق تمامًا بشأن هذه المؤشرات أو الصورة التي ترسمها أو توقيتها الدقيق". ومع ذلك، أشار أيضاً إلى أن "الصراعات الاقتصادية والمالية والعسكرية تنشأ عادة قبل إعلان الحروب بشكل واضح". وبمجملها، تسلط تصريحات داليو الضوء على مدى الترابط المتزايد بين الديناميكيات الجيوسياسية والاقتصادية والمالية؛وهي بيئة يجدر بالشركات العاملة عبر الأسواق أن تراقبها عن كثب.