الطعام الفائض يفتح أبواباً لفرص استثمارية جديدة
الطعام الفائض يتحول إلى فرصة استثمارية عبر إعادة التوزيع والتصنيع والتقنيات الذكية، ما يخلق مصادر دخل جديدة ويقلل الهدر الغذائي.
ظل الطعام الفائض لسنوات يُعامل باعتباره مشكلة تتطلب التخلص منها بأقل تكلفة ممكنة. كانت المطاعم والمتاجر والمزارع تدفع مقابل نقل المنتجات غير المبيعة إلى المكبات، بينما تُسجل الخسارة ضمن المصروفات التشغيلية من دون البحث عن القيمة التي لا تزال موجودة فيها.
لكن هذه النظرة بدأت تتغير. فالطعام الذي لم يُبع ليس عديم القيمة بالضرورة، بل قد يكون منتجاً صالحاً للاستهلاك يحتاج إلى قناة توزيع مختلفة، أو مادة أولية يمكن استخدامها في صناعة منتج جديد، أو مورداً عضوياً يصلح لإنتاج الأسمدة والطاقة.
ومع ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والنقل، بدأت الشركات والمستثمرون ينظرون إلى الفائض باعتباره سوقاً غير مستغلة. وتظهر حوله منظومة جديدة تضم منصات لبيع المنتجات المخفضة، وشركات لتحسين إدارة المخزون، ومرافق لإعادة التصنيع، وخدمات لنقل التبرعات، ومشروعات لتحويل البقايا العضوية إلى منتجات ذات قيمة.
حجم الهدر يكشف حجم السوق المحتملة
أنتج العالم نحو 1.05 مليار طن من نفايات الطعام خلال عام 2022 في المنازل والمطاعم ومتاجر التجزئة، بما يعادل 19% تقريباً من الغذاء المتاح للمستهلكين. وحدث 60% من هذا الهدر داخل المنازل، مقابل 28% في خدمات الطعام و12% في قطاع التجزئة.
ولا تمثل هذه الكميات خسارة غذائية فقط، بل تعني أيضاً هدر الأراضي والمياه والطاقة والعمالة المستخدمة في الزراعة والتصنيع والنقل والتبريد. ويُقدّر الأثر الاقتصادي العالمي لهدر الطعام بأكثر من تريليون دولار سنوياً، في حين ترتبط خسائر وهدر الغذاء بما يصل إلى 10% من انبعاثات غازات الدفيئة العالمية.
تكشف هذه الأرقام عن خلل اقتصادي واضح. فالشركات تنفق المال لإنتاج وشراء وتخزين طعام لا يحقق إيرادات، ثم تتحمل تكلفة إضافية للتخلص منه. ومن هنا تبدأ الفرصة الاستثمارية: منع الخسارة أولاً، ثم استعادة أكبر قدر ممكن من القيمة المتبقية.
المنصات الرقمية تنشئ سوقاً للطعام غير المباع
تفتح التطبيقات والمنصات الرقمية قناة جديدة لبيع الطعام الذي يقترب من نهاية فترة عرضه أو لم يجد طلباً بالسعر الأصلي. وتسمح هذه النماذج للمطاعم والمخابز والفنادق والمتاجر بعرض المنتجات المتبقية بأسعار مخفضة بدلاً من التخلص منها.
يستفيد التاجر من استرداد جزء من التكلفة، بينما يحصل المستهلك على سعر أقل، وتتقاضى المنصة عمولة مقابل إدارة الطلب والدفع وربط الطرفين. وكلما زاد عدد التجار والمستهلكين داخل الشبكة، أصبحت الخدمة أكثر قدرة على تحقيق حجم اقتصادي مستدام.
لكن نجاح هذه المنصات لا يعتمد على التطبيق وحده. فهي تحتاج إلى بيانات دقيقة عن الكميات المتاحة، وتوقيت العرض، وسلامة الغذاء، ومواقع الاستلام. كما تحتاج إلى تجربة سهلة تمنح المستهلك سبباً للشراء من دون أن يشعر بأنه يحصل على منتج غير موثوق.
التسعير الذكي يقلل الفائض قبل تكوّنه
تظهر فرصة استثمارية أخرى في البرمجيات التي تساعد المتاجر والمطاعم على التنبؤ بالطلب وإدارة المشتريات وتعديل الأسعار قبل انتهاء صلاحية المنتجات.
قد يبدأ المتجر بتخفيض سعر المنتج بصورة تدريجية كلما اقترب تاريخ انتهاء صلاحيته، بدلاً من الانتظار حتى يصبح غير قابل للبيع. كما تستطيع أنظمة التحليل ربط المبيعات بالطقس والمواسم والعروض والفعاليات المحلية، لتحديد الكميات المناسبة لكل فرع.
القيمة هنا لا تأتي من بيع الفائض فقط، بل من منع تكوّنه. فكل طلب شراء جرى تعديله بدقة يحرر رأس مال كان سيتحول إلى مخزون راكد. ولهذا تشمل حلول الحد من الهدر أدوات لقياس النفايات، وتحسين التنبؤ، وإدارة المخزون، والتسعير الديناميكي، وتطوير عمليات الإنتاج. وتشير تقديرات ReFED للسوق الأميركية إلى أن استثماراً سنوياً بقيمة 16 مليار دولار في حلول خفض هدر الطعام يمكن أن ينتج منفعة مالية صافية سنوية تبلغ 62 مليار دولار، أي عائداً يقترب من أربعة أضعاف الاستثمار.
إعادة التوزيع تحتاج إلى خدمات لوجستية متخصصة
جزء كبير من الطعام الفائض قد يكون صالحاً للاستهلاك، لكن نقله إلى المستفيد المناسب يحتاج إلى تنسيق سريع. فالمنتجات الطازجة لا تستطيع الانتظار أياماً حتى يكتمل جمعها وتوزيعها.
يفتح ذلك المجال أمام شركات متخصصة في الخدمات اللوجستية للفائض، تشمل الجدولة الرقمية، والاستلام من مواقع متعددة، والتخزين المبرد، وفرز المنتجات، وربط الشركات ببنوك الطعام والجمعيات.
يمكن لهذه الشركات العمل من خلال عقود مع المتاجر والفنادق والمصانع، بدلاً من الاعتماد على التبرعات العشوائية. وقد تقدم أيضاً تقارير توضح الكميات المستعادة وقيمتها والوجبات التي ساعدت على توفيرها، ما يمنح الشركات بيانات قابلة للاستخدام في تقارير الاستدامة والمسؤولية الاجتماعية.
لكن هذا النشاط يحتاج إلى معايير واضحة للسلامة والتتبع. فالاستفادة الاقتصادية لا ينبغي أن تأتي على حساب جودة الغذاء، خصوصاً أن النماذج الدائرية قد تخلق مخاطر مرتبطة بالتلوث أو سوء التخزين عندما لا تُدار بصورة سليمة.
بقايا الطعام تصبح مكونات لمنتجات جديدة
لا يقتصر الاستثمار على الطعام القابل للبيع أو التبرع. إذ يمكن تحويل أجزاء كانت تُستبعد من سلاسل الإنتاج إلى مكونات غذائية جديدة.
قد تستخدم الشركات قشور الفاكهة والحبوب المتبقية من عمليات التصنيع في إنتاج المخبوزات أو المشروبات أو الوجبات الخفيفة. كما يمكن معالجة المنتجات التي لا تطابق المعايير الشكلية، لكنها سليمة من الناحية الغذائية، وتحويلها إلى عصائر وصلصات ومساحيق ومكونات صناعية.
يُعرف هذا الاتجاه بإعادة التدوير التصاعدي للغذاء، حيث تُستخدم المنتجات الثانوية أو المكونات التي لم تكن ستدخل السلسلة الغذائية لإنتاج سلع أعلى قيمة. وتضع مبادئ التصميم الدائري للغذاء الاستفادة من المنتجات الثانوية ضمن الأدوات التي تساعد الشركات على بناء سلاسل أكثر مرونة وتقليل تعرضها لمخاطر المواد الخام.
تحتاج هذه المشروعات إلى البحث والتطوير، واختبارات الجودة، وتصميم منتجات يقبلها المستهلك. لكنها تمنح الشركات فرصة للحصول على مواد أولية منخفضة التكلفة، مع تقديم قصة اقتصادية وبيئية يمكن قياسها.
البقايا غير الصالحة تتحول إلى سماد وطاقة
عندما لا يعود الطعام صالحاً للاستهلاك البشري، يمكن الانتقال إلى استخدامات أخرى مثل الأعلاف والأسمدة العضوية والغاز الحيوي.
تستطيع منشآت الهضم اللاهوائي معالجة البقايا العضوية لإنتاج الغاز الذي يُستخدم في توليد الكهرباء أو الحرارة، إلى جانب مواد يمكن الاستفادة منها في تحسين التربة. كما يمكن لمرافق التسميد تحويل النفايات إلى منتج يباع للمزارع ومشروعات تنسيق الحدائق.
وتوضح تجارب أسواق الجملة في آسيا أن تقنيات مجدية مالياً بدأت تحول النفايات العضوية إلى سماد وطاقة نظيفة وأسمدة حيوية ومنتجات أخرى ذات قيمة. وتكتسب هذه الفرص أهمية خاصة في الأسواق الكبيرة التي ترسل يومياً عشرات الأطنان من المخلفات العضوية غير المعالجة إلى المكبات.
تحتاج هذه المشروعات إلى كميات منتظمة من المواد ومواقع مناسبة وعقود شراء للطاقة أو المنتجات النهائية. ولذلك قد يكون الاستثمار أكثر جدوى عندما يرتبط بأسواق مركزية أو مصانع غذاء أو تجمعات كبيرة من المطاعم والفنادق.
التمويل يحتاج إلى التمييز بين الحلول
رغم ضخامة المشكلة، لا يعني ذلك أن كل مشروع يعالج الطعام الفائض يمثل استثماراً ناجحاً. فقد ترتفع تكاليف النقل والفرز والتبريد إلى مستوى يتجاوز قيمة المنتجات المستعادة، خصوصاً عندما تكون المصادر متباعدة والكميات صغيرة.
يحتاج المستثمر إلى دراسة موقع الفائض وتوقيته ونوعه، إضافة إلى الجهة المستعدة للدفع مقابل الحل. هل يدفع المتجر لتقليل رسوم التخلص؟ هل يحصل المشروع على عمولة من عملية البيع؟ هل يبيع المنتج المعاد تصنيعه؟ أم يعتمد على منح لا تضمن الاستمرار؟
كما يجب قياس كمية الطعام التي يمنع المشروع هدرها فعلياً، لا الاكتفاء بعدد المستخدمين أو عمليات التنزيل. فالاستثمار القابل للتوسع هو الذي يجمع بين أثر واضح واقتصاديات وحدة منضبطة، بحيث تتحسن الهوامش كلما زاد حجم العمليات.
الفائض يتحول من عبء إلى أصل
يبدأ بناء هذا الاقتصاد عندما تتوقف الشركات عن وضع جميع البقايا ضمن فئة واحدة تسمى «النفايات». فالطعام الصالح للبيع يحتاج إلى تسعير وقناة توزيع، والطعام الصالح للتبرع يحتاج إلى خدمات نقل وتنسيق، والمنتجات الثانوية تحتاج إلى تصنيع، أما المواد غير الصالحة للاستهلاك فتحتاج إلى مسار للطاقة أو السماد.
كل مسار من هذه المسارات يخلق سوقاً مختلفة، بعملاء وتقنيات ونماذج إيرادات خاصة به. كما يفتح فرصاً أمام الشركات الناشئة والمستثمرين والبلديات والمؤسسات الغذائية للعمل ضمن منظومة واحدة.
الفرصة الحقيقية لا تكمن في إدارة الطعام بعد أن يصبح نفايات فقط، بل في إعادة تصميم السلسلة كاملة بحيث يُمنع الفائض، ثم يعاد بيعه أو توزيعه أو تحويله إلى أعلى قيمة ممكنة.
وعندما تُبنى البنية المناسبة، لن يبقى الطعام الفائض مجرد تكلفة بيئية واجتماعية. سيتحول إلى مادة أولية لنشاط اقتصادي جديد، يجمع بين تخفيض الخسائر وتحقيق العائد وابتكار أسواق لم تكن موجودة في النموذج الغذائي التقليدي.
-
الأسئلة الشائعة
- 1. كيف يمكن تحويل الطعام الفائض إلى فرصة استثمارية؟ يمكن الاستفادة منه عبر إعادة بيعه، أو التبرع به، أو تحويله إلى منتجات غذائية جديدة، أو استخدامه في إنتاج الأسمدة والغاز الحيوي، مما يخلق مصادر دخل إضافية.
- 2. ما أبرز القطاعات المستفيدة من اقتصاد الطعام الفائض؟ تشمل المنصات الرقمية، وشركات الخدمات اللوجستية، ومصانع إعادة التصنيع الغذائي، ومشروعات إنتاج الأسمدة والطاقة الحيوية، وحلول إدارة المخزون والتنبؤ بالطلب.