الرئيسية الريادة الانشغال لا يعني الإنتاجية: كيف يصنع الهدوء قائداً أكثر تأثيراً؟

الانشغال لا يعني الإنتاجية: كيف يصنع الهدوء قائداً أكثر تأثيراً؟

الصمت ليس ضعفاً في القيادة، بل أداة لتعزيز التّفكير واتّخاذ قراراتٍ أفضل؛ فالقادة الذين يمنحون أنفسهم مساحةً للهدوء يقودون بوضوحٍ ووعيٍ أكبر

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

تخيّل أن تفاجئ فريق القيادة في اجتماعك القادم بقولك: «أعمل حاليّاً على تخصيص وقتٍ أكبر للصّمت». وما إن تقل ذٰلك، حتّى تتّجه إليك النّظرات المتسائلة، ويبدأ البعض في السّؤال عمّا إذا كان كلّ شيءٍ على ما يرام. وهنا تتجلّى المفارقة؛ فما يعدّ في نظرهم أمراً غير مألوفٍ، هو في الحقيقة ما يفتقده معظم القادة دون أن يدركوا.

يعيش معظم القادة وسط تدفّقٍ لا ينقطع من المدخلات والنّشاط؛ فتتزاحم الاجتماعات مع الرّسائل، وتتداخل الأخبار مع التّنبيهات، وتتراكم الآراء والمطالب، وفوق ذٰلك كلّه تبقى هناك مهمّةٌ أخرى «عاجلةٌ» يجب إنجازها قبل نهاية اليوم. ومع تكرار هٰذا الإيقاع المتعب، يبدو الأمر طبيعيّاً، بل ويتحوّل إلى ما يشبه الضّرورة؛ ولٰكنّ الحقيقة أنّ هٰذا الشّعور مضلّلٌ.

لا تخلط أبداً بين عقلٍ منشغلٍ وعقلٍ منتجٍ؛ فالعقل، بطبيعته، يسعى إلى ملء الفراغ. فإذا سكت الحوار في اجتماعٍ، بادرت إلى الكلام، وإذا فتح الجدول مساحةً، أسرعت لملئها، وإذا هدأت الأفكار، امتدّت يدك إلى هاتفك دون وعيٍ. ورغم أنّ هٰذه الاستجابات تبدو بريئةً، إلّا أنّها، مع تكرارها، تصنع ضجيجاً داخليّاً يعيق الوضوح.

ولتغيير هٰذا النّمط، يتطلّب الأمر انتباهاً متعمّداً ونيّةً واضحةً؛ فالصّمت لا يحدث عرضاً، بل يمارس. ومهما بدا الأمر صعباً في البداية، فإنّ تحويله إلى عادةٍ ممكنٌ، وفوائده عميقةٌ؛ فعندما تتسع مساحة الهدوء، تتحسّن القرارات، ويتعمّق الإنصات، وتتوقّف عن مجرّد التّفاعل التّلقائيّ مع كلّ فكرةٍ عابرةٍ.

وفي لحظةٍ قياديّةٍ بسيطةٍ، أغمض عينيك، وخذ نفساً بطيئاً، ثمّ ارفع نظرك وتأمّل المكان من حولك؛ ستكتشف شيئاً لم تلحظه من قبل. ومن هنا، يبدأ الوعي بالتّفاصيل الّتي كانت تضيع في زحام الضّجيجوعندما تتأمّل أعمق، اسأل نفسك: متى سمحت آخر مرّةٍ بوجود الهدوء في يومك؟ وكيف تتصرّف عندما تبطؤ الأمور؟ فالإجابات عن هٰذه الأسئلة تظهر أين يكمن خلل الإيقاع الّذي تعيشه.

على صعيدٍ آخر، يتعمّد قادةٌ ناجحون صنع مساحاتٍ للصّمت داخل جداولهم. فعندما كان جيف وينر يدير لينكد إن، كان يفرغ فتراتٍ كاملةً من أيّ اجتماعٍ، لأنّه أدرك أنّ التّنقّل المستمرّ بين اللّقاءات يسلبه فرصة التّفكير فيما سمع. وبالمثل، كان بيل غيتس يعتزل في «أسابيع التّفكير»، حيث يقرأ ويتأمّل، ومن تلك اللّحظات الهادئة ولدت أفكارٌ كبرى لـ مايكروسوفت. أمّا راي داليو، فيجعل من التّأمّل أداةً لتثبيت اتّزانه عند اتّخاذ قراراتٍ ضاغطةٍ، فلا يبحث عن الرّاحة، بل عن رؤيةٍ صافيةٍ للواقع.

ورغم اختلاف الطّرق، يبقى الجوهر واحداً؛ فالقادة الّذين يتميّزون حقّاً لا ينتظرون الهدوء، بل يصنعونه عن قصدٍ. وتؤكّد الدّراسات هٰذا التّوجّه، إذ تظهر أنّ فترات الصّمت القصيرة تساعد الدّماغ على ترتيب المعلومات وتثبيتها، كما أثبت باحثون في هارفرد أنّ من يتوقّف للتّأمّل يحقّق أداءً أفضل ممّن يواصل العمل دون توقّفٍ.

ولكي تبني هٰذه العادة، ابدأ بخطواتٍ بسيطةٍ؛ خصّص دقيقةً واحدةً يوميّاً للصّمت، ثمّ وسّع المساحة تدريجيّاً، وأدرج فتراتٍ خاليةً من الأجهزة، وتعمّد التّوقّف قبل الرّدّ، وراقب ميلك للهروب من الهدوء. فمن خلال هٰذه المحاولات الصّغيرة، يتغيّر إيقاعك بشكلٍ أعمق ممّا تتوقّع.

وفي النّهاية، لا تحتاج إلى مزيدٍ من الاجتماعات أو الرّسائل، بل تحتاج إلى مساحةٍ بينها. جرّب أن تصنع الصّمت عن قصدٍ، واستفد من لحظات الهدوء حيثما وجدت، فعندها فقط ستدرك كيف يمكن لقليلٍ من السّكون أن يغيّر طريقة قيادتك كلّيّاً.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 3 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: