الإمارات تجاوزت الأسواق الناشئة.. ماذا يعني هذا للمستثمرين؟
قرار جيه بي مورغان لا يعيد تصنيف الإمارات فحسب، بل يكرّس تحوّلها إلى اقتصادٍ ناضجٍ يجذب رؤوس الأموال بثقةٍ ويقترب بثباتٍ من مصافّ الأسواق المتقدّمة عالميّاً
أعلن بنك جيه بي مورغان تشيس عزمه إخراج دولة الإمارات العربيّة المتّحدة من مؤشّرات سندات الأسواق النّاشئة التّابعة له بحلول يونيو المقبل، بعد أن تجاوزت الدّولة معايير التّصنيف المعتمدة لدى البنك للعام الثّالث على التّوالي. ويأتي القرار استناداً إلى مستويات الدّخل والثّروة وتكاليف المعيشة، الّتي باتت ـ وفق تقييم البنك ـ أقرب إلى مثيلاتها في الأسواق المتقدّمة منها إلى الاقتصادات النّاشئة.
يمثّل هذا الإعلان محطّةً جديدةً في مسار الاقتصاد الإماراتيّ، ويعكس تحوّلاً تدريجيّاً تراكم عبر سنواتٍ من إعادة هيكلة النّموذج الاقتصاديّ وتعزيز الاستقرار الماليّ. فبحسب ما نقلته وكالة بلومبرغ عن تقرير البنك، ستستبعد الإمارات من مؤشّر السّندات العالميّة المتنوّعة للأسواق النّاشئة على أربع مراحل متساويةٍ تبدأ في 31 مارس، كما ستغادر في التّاريخ نفسه مؤشّر السّندات المقوّمة باليورو.
وتبلغ حصّة الإمارات حاليّاً نحو 4.1% من الوزن الإجماليّ لمؤشّر السّندات العالميّة المتنوّعة للأسواق النّاشئة التّابع لجيه بي مورغان، ونحو 1% من مؤشّر السّندات المقوّمة باليورو، ما يجعل عمليّة الخروج ذات أثرٍ تقنيٍّ ملحوظٍ على تركيبة المؤشّرات، وإن كان الأثر الفعليّ على السّوق محدوداً نسبيّاً.
اعتراف دولي بنضج الاقتصاد
يعكس القرار، في جوهره، اعترافاً دوليّاً بنضج الاقتصاد الإماراتيّ وانتقاله إلى مستوى أقرب للأسواق المتقدّمة. ويأتي ذلك في سياق أداءٍ اقتصاديٍّ متوازنٍ، خاصّةً على صعيد الاقتصاد غير النّفطيّ. فقد أشارت مديرة صندوق النّقد الدّوليّ كريستالينا غورغييفا، في تصريحاتٍ سابقةٍ لـ«سكاي نيوز عربيّة»، إلى أنّ رفع مساهمة الاقتصاد غير النّفطيّ إلى نحو 80% يمثّل إنجازاً مهمّاً في مسار الابتعاد التّدريجيّ عن الاعتماد على الهيدروكربونات.
وأكّدت غورغييفا أنّ هذا التّحوّل لا يوسّع قاعدة النّشاط الاقتصاديّ فحسب، بل يعزّز أيضاً مرونة الاقتصاد ويمنح أسواق المال حصانةً أكبر تجاه تقلّبات أسعار الطّاقة. ويتّسق هذا التّقييم مع بياناتٍ رسميّةٍ أظهرت نموّ الاقتصاد غير النّفطيّ في الإمارات بنسبة 6.1% خلال الأشهر التّسعة الأولى من العام، بحسب تقارير حكوميّةٍ نقلتها وسائل إعلامٍ محلّيّةٌ.
وتدعم هذه المؤشّرات قراءةً أوسع لمسارٍ اقتصاديٍّ يعتمد على التّنويع، وتطوير قطاعاتٍ مثل السّياحة والخدمات الماليّة والتّكنولوجيا والاقتصاد الرّقميّ، إلى جانب بيئةٍ تنظيميّةٍ توصف بأنّها من الأكثر مرونةً في المنطقة.
معايير التصنيف وأرقام الدخل
أوضح جيه بي مورغان أنّ قرار إعادة التّصنيف يستند إلى معايير موضوعيّةٍ تتعلّق بمستويات دخل الفرد وتكاليف المعيشة، وهي عناصر أساسيّةٌ في تحديد ما إذا كانت الدّولة تندرج ضمن فئة الأسواق النّاشئة أو المتقدّمة. وتظهر بياناتٌ جمعتها بلومبرغ أنّ النّاتج المحلّيّ الإجماليّ للفرد في الإمارات بلغ نحو 54 ألف دولارٍ في عام 2024، وهو مستوى يضعها ضمن شريحة الاقتصادات ذات الدّخل المرتفع وفق تصنيفات المؤسّسات الدّوليّة.
ويأتي هذا التّحرّك بعد خطوةٍ مماثلةٍ اتّخذها البنك العام الماضي بإخراج قطر والكويت من مؤشّرات الأسواق النّاشئة، ما يعكس تسارع التّحوّلات الاقتصاديّة في عددٍ من دول الخليج مقارنةً بتصنيفاتها التّقليديّة السّابقة.
تأثير محدود على سوق السندات
رغم أهمّيّة القرار من النّاحية الرّمزيّة، يتوقّع محلّلو مؤشّرات جيه بي مورغان أن يكون الأثر الفنّيّ على سوق السّندات محدوداً. فقد أشاروا إلى أنّ خروج الإمارات قد يؤدّي إلى اتّساع الفارق السّعريّ لمؤشّر سندات الأسواق النّاشئة العالميّة المتنوّعة بنحو 10 نقاط أساسٍ عند اكتمال عمليّة الخروج. ويبلغ هذا الفارق حاليّاً نحو 247 نقطة أساسٍ، في حين لا يتجاوز الفارق على السّندات الإماراتيّة 65 نقطة أساسٍ، ما يعكس قوّة مركزها الائتمانيّ مقارنةً بمتوسّط الأسواق النّاشئة.
وسجّلت السّندات الدّولاريّة الإماراتيّة أداءً قويّاً منذ بداية العام، محقّقةً عوائد إجماليّةً تقارب 1.5 بالمئة، مدعومةً بتصنيفاتٍ ائتمانيّةٍ مرتفعةٍ. وتحمل الإمارات تصنيف Aa2 من وكالة موديز، وAA من ستاندرد آند بورز، وAA- من فيتش، وهي من أعلى التّصنيفات الّتي تحقّقها دولةٌ كانت مصنّفةً سابقاً ضمن الأسواق النّاشئة.
ويعني ذلك أنّ جودة الائتمان الإماراتيّ باتت أقرب إلى معايير الاقتصادات المتقدّمة، وهو ما يقلّل من احتمالات تعرّض السّندات لضغوطٍ بيعيّةٍ حادّةٍ نتيجة الخروج من المؤشّر.
مستثمرون جدد وإعادة تموضع
يشير التّقرير إلى أنّ إعادة التّصنيف قد تفتح الباب أمام فئةٍ جديدةٍ من المستثمرين، خصوصاً أولئك الّذين يركّزون على جودة الائتمان العالية ويستبعدون في سياساتهم الاستثمار في الأسواق النّاشئة. ومن المرجّح أن يجذب ذلك مستثمرين من الشّرق الأوسط وآسيا، ممّن يمنحون أولويّةً للتّصنيفات المرتفعة والاستقرار الماليّ.
ويتزامن هذا التّطوّر مع أداءٍ قويٍّ للأسهم الإماراتيّة، حيث سجّل المؤشّر القياسيّ في دبي بدايةً قويّةً للعام تعدّ الأفضل منذ عام 2014، وفق بيانات بلومبرغ. ويعكس ذلك موجة إعادة تقييمٍ إيجابيّةٍ مدفوعةً بتحسّن الأرباح، وتوسّع قطاعاتٍ رئيسيّةٍ، وزيادة الثّقة في البيئة الاستثماريّة.
ولا تقتصر الجاذبيّة على الأسواق الماليّة فحسب، بل تمتدّ إلى الاقتصاد الحقيقيّ. فقد أصبحت الإمارات، ولا سيّما دبي وأبوظبي، وجهةً رئيسيّةً للشّركات العالميّة في قطاعات التّكنولوجيا والابتكار. وفي هذا السّياق، وصفت ستيلا لي، نائبة الرّئيس التّنفيذيّ لشركة BYD العالميّة، دبي بأنّها «وادي السّيليكون العالميّ الجديد» في حديثٍ لـ«سكاي نيوز عربيّة»، مشيرةً إلى أنّ بيئة الأعمال فيها توفّر مزايا تنافسيّةً استثنائيّةً.
تحول هيكلي طويل الأمد
يعكس خروج الإمارات من مؤشّرات الأسواق النّاشئة تحوّلاً هيكليّاً يتجاوز كونه خطوةً فنّيّةً في عالم المؤشّرات. فهو نتيجة مسارٍ طويلٍ من السّياسات الاقتصاديّة الّتي ركّزت على تنويع مصادر الدّخل، وتعزيز الانضباط الماليّ، وتطوير البنية التّحتيّة، واستقطاب الكفاءات والاستثمارات الأجنبيّة.
وفي ضوء المعايير الّتي يعتمدها جيه بي مورغان، ومع تصنيفاتها الائتمانيّة المرتفعة وأدائها الاقتصاديّ المستقرّ، تقترب الإمارات أكثر من موقع الأسواق المتقدّمة، حتّى وإن لم تدرج رسميّاً بعد ضمن جميع مؤشّرات تلك الفئة.
شاهد أيضاً: شراكةٌ جديدةٌ لدعم الشركات الناشئة في الإمارات