هيا الغنيم: من الجري على نهر تشارلز إلى ريادة الملابس الرياضية المحتشمة
تكشف مؤسِّسة علامة الملابس الرّياضيّة المحتشمة القطريّة oola كيف أتاح لها التّوقف المؤقّت تحويل أسلوبها من البناء بعجلةٍ إلى البناء بوضوحٍ وتركيزٍ
ورد عن الفيلسوف اليوناني هيراقليطس قوله: "لا تعبر النّهر نفسه مرّتين، فالنّهر قد تغيّر، وكذلك أنت". اقتباسٌ يلقى صدىً عميقاً لدى رائدة الأعمال القطريّة هيا الغنيم، مؤسِّسة علامة الملابس الرّياضيّة المحتشمة "أولى" (oola)، وللفهم الكامل لذلك، يجدر تتبّع بداية رحلتها الرّياديّة.
في أواخر العشرينيّات من عمرها، كانت هيا طالبة في كلية سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في الولايات المتّحدة (MIT Sloan School of Management)، وكانت ترى بانتظامٍ عدّاءين يتدرّبون على طول نهر تشارلز القريب. مفتونةً بذلك، ولكن بلا خبرةٍ بالرّياضة التّنافسيّة، سرعان ما تحدّت هيا نفسها لارتداء حذاء الجري، وانتهى بها الأمر لتصبح رياضيّةً غير متوقّعةٍ. كما عبّرت هي: "ما بدأ تحدّياً شخصيّاً تحوّل بسرعةٍ إلى وسيلةٍ لاستعادة المساحة؛ جسديّاً وذهنيّاً وثقافيّاً".
ووفقاً لهيا، منحها الجري وضوحاً وانضباطاً وثقةً بالنّفس. لكنّه كشف لها أيضاً فجوةً واضحةً في سوق الملابس الرّياضيّة، ألا وهي: معدّات أداءٍ تُلبّي احتياجاتها التّقنيّة وفي الوقت نفسه تتوافق مع قيمها كامرأةٍ مسلمةٍ. علماً أنّ ذلك كان عام 2013، حين لم يكن مفهوم الملابس الرّياضيّة المحتشمة قد ظهر بعد في السّوق الرّئيسة. كانت البنية التّحتية ضعيفةً، والبيانات شحيحةً، ومفهوم السّوق ناقصاً على نطاقٍ واسعٍ، وقد أدركت هيا أنّ هذا الواقع يستدعي التّحرّك والعمل.
على مرّ السّنوات التّالية، تواصلت هيا مع عمالقة الملابس الرّياضيّة العالميّين، بما في ذلك "نايكي" (Nike) و"أديداس" (Adidas) و"لولوليمون" (Lululemon)، مقدّمةً لهم فكرة إطلاق خطوط ملابس رياضيّةٍ محتشمةٍ للنّساء. لكن العلامات التّجاريّة رفضت الاستجابة. وتقول هيا: "كانت الرّدود -حين أتت- متشابهةً: السّوق يُعتبر صغيراً جدّاً، متخصّصاً جدّاً، أو غير جذّابٍ تجاريّاً بما يكفي ليكون أولويّةً". وتابعت: "بعض المحادثات لم تتقدّم على الإطلاق، ممّا فرض عليّ أن أكون صادقةً مع نفسي. إذا لم تكن العلامات التّجاريّة الّتي تمتلك الموارد والحجم مستعدّةً للبناء للنّساء مثلي، فلا بدّ أن يقوم أحدٌ من داخل المجتمع بذلك؛ هذه القناعة أصبحت بذرة خلق "أولى"".
هكذا، في عام 2015، أقدمت هيا على خطوةٍ كبيرةٍ بإطلاق علامتها "أولى" في قطر، بعد أن جمعت حولها دائرةً صغيرةً من الرّياضيات والمصمّمين ومصانع الأقمشة، بهدف تطوير ملابس رياضيّةٍ محتشمةٍ لا تعامل -بحسب تعبيرها- التّغطية على أنّها تنازلٌ أو حلٌّ وسطٌ؛ فقد استندت في تصميمها إلى تجربتها الشّخصيّة، وكانت واضحةً منذ البداية بشأن الرّسالة الّتي تريد أن تحملها "أولى". كما تقول هيا: " في تلك المرحلة، كانت الملابس الرّياضيّة المحتشمة إمّا تصاميم مؤقّتة مرتجلة، تقتصر على تكديس الطّبقات دون اهتمامٍ بالحركة أو الأداء، أو ملابس تُصنّف ضمن الموضة اليوميّة بعيداً عن أيّ جديّةٍ تقنيةٍ. لم أرغب في أن أكتفي بتغطيةٍ شكليّةٍ عبر طبقاتٍ ثقيلةٍ، ولا في ارتداء أقمشةٍ لا تتحمّل الحركة الحقيقيّة. كنتُ أطمح إلى الجمع بين التّغطية الكاملة والأداء الفائق، وهو ما لم يقدّمه لي أحدُ حينها".
ومن هنا، لم يكن إطلاق "أولى" مجرّد محاولةٍ لتلبية حاجةٍ شخصيّةٍ، بل كان بداية انضمامها إلى جيلٍ من المؤسّسين الّذين يبنون فئاتٍ كاملةً من المنتجات قبل أن تكون السّوق جاهزةً لدعمها. وفعليّاً، تجاوزت الاستجابة لتجربتها كلّ توقّعاتها. وتتذكّر هيا ذلك قائلةً: "كنّا نستهدف النّساء المسلمات اللوّاتي يتدرّبن أو يتنافسن أو يسعين فقط للحفاظ على الحركة المستمرّة؛ نساءٌ يطالبن بمعدّاتٍ رياضيّةٍ تتحمّل الجهد وتوازي التزامهنّ الشّخصيّ. وقد فاجأتنا قوّة التّفاعل؛ فقد حازت "أولى" بسرعةٍ على اهتمامٍ إقليميٍّ ودوليٍّ، وارتُديت قطعنا في السّباقات، ونشأت حولها شبكةٌ قويّةٌ من التّجريب المستمرّ، والملاحظات البنّاءة، والمشاركة الفعّالة في الحركة، لتصبح تجربةً جماعيّةً تتجاوز المنتج ذاته".
قضت هيا السّنوات الخمس التّالية في تعزيز "أولى" وتوسيع المجتمع الّذي احتضن علامتها، ومع ذلك، في عام 2020، قرّرت التّوقّف مؤقّتاً، مبتعدةً عن إدارة "أولى" للتّركيز على أسرتها. وفي منظومةٍ رياديّةٍ تعتزّ بالزّخم المستمرّ والعمل المتواصل، قد يُساء تفسير هذا التّوقّف على أنّه تراجعٌ، لكن بالنّسبة لهيا، كان هذا التّوقّف بمثابة إعادة ضبط استراتيجيّةٍ غير مخطّطةٍ، دفعتها لإعادة التّفكير في مفهوم الوقت، والحجم، والتّحمّل. وتقول لمجلة "عربية Inc.": "يكمن الفرق الأكبر في السّياق والمنظور. قبل 10 سنواتٍ، كُنت أبني بسرعةٍ وغريزةٍ، مدفوعةً بالحاجة لإثبات أن هذه الفئة تستحقّ الوجود، واليوم أبني بعزمٍ وانضباطٍ أكبر، مشكّلةً ليس فقط من الخبرة المهنيّة المتراكمة، بل أيضاً من تجربة الأمومة الّتي صقلت رؤيتي وأسلوب عملي. وقد تزامن هذا التّوقّف مع مرحلة نموٍّ شخصيٍّ، شملت تربية أطفالي، ما أعاد تشكيل فهمي للوقت، والاستدامة، والإرث، وجعلني أكثر دقّةً فيما أبنيه ولماذا. "لم يعد النّجاح مجرّد انتشارٍ أو ظهورٍ؛ بل أصبح خلق شيءٍ أفخر بأن يكبر أولادي معه؛ شيء متجذّر بالقيم والانضباط والاهتمام".
كذلك تشير هيا إلى أنّ عودتها إلى السّوق بعد اكتساب خبرةٍ أعمق منحتها قدرةً على النّظر إلى الأمور برؤيةٍ أكثر وضوحاً، وفهماً أدقّ لما تريد أن تمثّله "أولى"؛ فتقول: "تكمن أحد التّحديات الرئيسة في القدرة على التّمييز بين ما يستحقّ التّوسيع وما يجب تجاهله، مع معرفة الأماكن الّتي يُفضّل فيها الحفاظ على الحجم الصّغير بعنايةٍ. وتضيف: "يتمثّل التّحدّي الآخر في إعادة البناء بنزاهةٍ، بحيث تصمد أمام ضغوط الرّكض وراء الصّيحات العابرة على حساب الهدف والرّسالة". وترى هيا أنّ الفرصة تكمن في الوضوح، فلطالما كانت "أولى" قائمةً على المجتمع، لكن اليوم يمكنها إعادة بناء هذا المجتمع بعنايةٍ أكبر، باستخدام أدواتٍ أفضل، والاستماع بعمقٍ أكبر، لتصبح تجربة كلّ عضوٍ فيه أكثر ثراءً وارتباطاً بالمبادئ الّتي تأسّست عليها العلامة.
تماماً كما تغيّرت نظرة هيا إلى الطّريقة الّتي ترغب في بناء عملها من خلالها، شهدت سوق الملابس الرّياضيّة المحتشمة تغيّيراتٍ كبيرةً خلال فترة انقطاعها. إذ قالت "تتمثّل أبرز هذه التّغييرات في أنّ السوق أصبح يُعترف بها اليوم كفئةٍ مستقلّةٍ، بعد أن كان قبل 10 سنواتٍ سوقاً محدوداً وغالباً ما يُساء فهمه. وأضافت أنّ العلامات التّجاريّة العالمية أصبحت الآن تعترف بهذه الفئة، مع توفّر خياراتٍ أكثر بكثيرٍ، بينما زاد الإقبال أيضاً مع مشاركةٍ أوسع للنّساء في الرّياضة والسّباقات والصّالات الرّياضيّة والحركة في الهواء الطّلق، ولم تعد الفكرة السّائدة أنّ الحشمة تشكّل عائقاً أمام النّشاط الرّياضيّ. وأوضحت هيا مقارنةً بما كان عليه السّوق قبل 5 سنواتٍ، عندما كانت تبني الشّركة جنباً إلى جنبٍ مع المجتمع نفسه من النّساء النّشطات، لتؤكّد أنّ كلّ خطوةٍ في تطوّر الشّركة كانت مرتبطةً بالتّغير الاجتماعيّ والثّقافي في الوقت ذاته.
كما تشير هيا إلى أنّ مسار التّقدّم -على أهميّته- كشف عن تحدّياتٍ جديدةٍ؛ فتقول "رغم ازدياد توافر المنتجات في السّوق، لم يترافق ذلك دائماً مع تعمّقٍ حقيقيٍّ في الطّرح"، وهو ما انعكس في استمرار تعامل كثيرٍ من العلامات مع الاحتشام بوصفه إضافةً لاحقةً، لا إطاراً فكريّاً يقود عمليّة التّصميم من أساسها. ونتيجةً لذلك، يتشكّل مشهدٌ سوقيٌّ أكثر ازدحاماً وارتفاعاً في الصّوت، لكنّه لا يزال يفتقر إلى منتجاتٍ تُبنى على الأداء الفعليّ، وتنطلق من فهمٍ واقعيٍّ للمجتمع الّذي تتوجّه إليه.
ومن هذا الواقع، تبيّن هيا أنّ التّحوّل لم يقتصر على طبيعة المنتجات، بل امتدّ ليشمل آليّات الوصول إلى السّوق نفسها؛ فالتّوسّع السّريع في قنوات التّجارة الإلكترونية غيّر ليس فقط ما يُقدَّم، بل كيف يُقدَّم. وتوضّح في هذا السّياق أنّ "التّحوّل على مستوى التّوزيع كان عميقاً"، مستعيدةً مرحلة الإطلاق الأولى، حين كان الاعتماد الأكبر على المتاجر المؤقّتة، والتّوصية الشّفويّة، والتّواصل المباشر مع المجتمع. أمّا اليوم، فقد أصبحت التّجارة الإلكترونيّة عنصراً أساسيّاً وبات العملاء يتوقّعون تجربةً متكاملةً عبر قنواتٍ متعدّدةٍ. وفي هذا الإطار، ترى أنّ إعادة إطلاق علامة "أولى" تستفيد من هذا التّنويع، إذ يتيح الجمع بين البناء الرّقميّ والتّفعيل الفيزيائيّ، والوصول إلى العملاء في المساحات الّتي يوجدون فيها بالفعل، دون الحاجة إلى البدء من نقطةٍ تعريفيّةٍ جديدةٍ.
وفي امتدادٍ منطقيٍّ لهذا التّحوّل، توضّح هيا أنّ تطوّرها الشخصي والمهني يشكّل أحد مرتكزات المرحلة الجديدة للعلامة؛ فتقول: "لستُ المؤسِّسة نفسها التي كنتُها قبل 10 سنوات، وهذا تطوّرٌ إيجابيٌّ". مشيرةً إلى أنّ فترة التّوقّف أتاحت لها نموّاً مهنيّاً من خلال أدوارٍ قياديّةٍ عزّزت تفكيرها الاستراتيجيّ، وفهمها للحوكمة، ورؤيتها لبناء القيمة على المدى الطّويل. فبينما كانت "أولى" قبل 10 سنواتٍ تُدار بالشّغف والحدس، باتت اليوم تجمع بين هذين العنصرين بأهدافٍ واضحةٍ ونتائج قابلةٍ للقياس.
وعلى الصّعيد الشّخصيّ، توضّح أنّ الأمومة غيّرت علاقتها بالطّموح، وعمّقت إدراكها لأهميّة الصّبر وبناء أنظمةٍ قادرةٍ على الاستمرار. ومن هنا، تؤكّد أنّ النّسخة الثّانية من "أولى" أقلّ انشغالاً بإثبات فكرةٍ، وأكثر تركيزاً على بناء مشروعٍ طويل الأمد، برؤيةٍ أكثر تحديداً تقوم على عددٍ أقلّ من المنتجات المصمّمة بعنايةٍ أكبر، ونموٍّ أبطأ يستند إلى أسسٍ أقوى، ونموذج أعمالٍ يراعي كلاًّ من العميل والمؤسِّسة خلف العلامة. وبهذا المعنى، لا تُقدَّم "أولى" اليوم بوصفها مجرّد علامةٍ تجاريّةٍ، بل باعتبارها مقاربةً أكثر وعياً للحركة، والتّصميم، وبناء المجتمع.
من مؤسِسة إلى مؤسِسة
لروّاد الأعمال الذين يفكّرون في العودة أو إعادة ابتكار مسارهم بعد فترة ابتعادٍ، تقدّم هيا الغنيم نصيحةً تناقض السّرديّة الشّائعة الّتي تمجّد التّسارع الدائم.
س: لروّاد الأعمال الآخرين الّذين يعودون -مثلكِ- إلى مساحة الشّركات النّاشئة في «جولةٍ ثانيةٍ»، ما النّصيحة الّتي تقدّمينها لهم؟
ج: "اسمحوا لأنفسكم بأن تبنوا على نحوٍ مختلفٍ؛ فالحياة تتغيّر -المسارات المهنيّة، والعائلات، والأولويّات- ومن الطّبيعيّ أن يُسمَح للأعمال بأن تتطوّر بالتّوازي مع هذا التّغيّر. وبالنّسبة إلى الأمّهات على وجه الخصوص، من المهمّ إدراك أنّ القيود الّتي تتعاملن معها لا تُضعف الحكم، بل غالباً ما تُحدّده وتُصقله. لستم مُلزَمين تجاه السّوق بالوتيرة نفسها، ولا بالحجم ذاته، ولا حتّى بالسّردية عينها. فالعودة الثّانية لا تتعلّق بالسّرعة، بقدر ما تتعلّق بالاتّجاه. وحين يُصغى بعمقٍ، إلى الذّات وإلى العملاء معاً، تغدو حالة عدم اليقين أقلّ ما يُخشى، وأكثر ما يمكن البناء والتّصميم في إطاره".