هذه العادة في التمرين قد تطيل حياتك: كيف تبدأ اليوم؟
تكشف دراسة من هارفارد أن تنوع التمارين لا شدتها فقط يخفض خطر الوفاة المبكرة بنسبة 19% ويعزز فرص العيش بصحة أطول مدى
تشكّل ممارسة الرّياضة ركيزةً أساسيّةً في الحفاظ على الصّحّة وإبطاء مظاهر التّقدّم في العمر، غير أنّ دراسةً حديثةً نشرت في يناير ذهبت أبعد من ذٰلك؛ إذ لم تكتف بالتّأكيد على أهمّيّة الحركة بحدّ ذاتها، بل كشفت أنّ تنوّع الرّوتين الرّياضيّ يلعب دوراً حاسماً في خفض خطر الوفاة المبكّرة. وبمعنًى أدقّ، لا يكفي أن نمارس الرّياضة فحسب، بل ينبغي أن ننوّعها كي نجني أقصى فائدةٍ ممكنةٍ منها.
أجرى باحثون من "كلّيّة هارڤارد تي إتش تشان" (Harvard T.H. Chan School) للصّحّة العامّة هٰذه الدّراسة، ثمّ نشروا نتائجها في دوريّة BMJ Medicine بعد أن حلّلوا بيانات أكثر من 111 ألف بالغٍ على امتداد ثلاثة عقودٍ كاملةٍ. ومن خلال هٰذا الامتداد الزّمنيّ الطّويل والحجم الكبير للعيّنة، اكتسبت النّتائج وزناً علميّاً لافتاً، لا سيّما أنّ عدداً محدوداً من الدّراسات سبق أن تناول تأثير تنوّع التّمارين على معدّلات الوفاة بهٰذا العمق.
وخلال سنوات المتابعة، طلب الباحثون من المشاركين أن يتتبّعوا بدقّةٍ الوقت الّذي يقضونه أسبوعيّاً في ممارسة الأنشطة البدنيّة، ثمّ أن يصنّفوا تلك الأنشطة وفق أنواعها. فسجّل المشاركون ساعات المشي والرّكض وركوب الدّرّاجات والتّجديف، كما دوّنوا الوقت المخصّص لرياضات المضرب ورفع الأثقال وتمارين المقاومة واليوغا والأنشطة منخفضة الشّدّة، إضافةً إلى الأعمال الخارجيّة المتوسّطة إلى الشّاقّة. وبذٰلك لم تقتصر البيانات على حجم النّشاط فحسب، بل شملت طبيعته وتنوّعه أيضاً.
وبعد جمع هٰذه المعطيات، قيّم الباحثون المشاركين وفق معيارين متكاملين: مستوى النّشاط البدنيّ من جهةٍ، ودرجة تنوّعه من جهةٍ أخرى. ثمّ حلّلوا النّتائج الصّحّيّة لكلّ مجموعةٍ، مع ضبط العوامل المرتبطة بنمط الحياة والحالة الصّحّيّة العامّة لتفادي أيّ تأثيراتٍ مربكةٍ. وهنا برزت النّتيجة الأهمّ؛ إذ انخفض خطر الوفاة المبكّرة بنسبة 19% لدى الأشخاص الّذين اتّسمت برامجهم الرّياضيّة بأعلى درجات التّنوّع، مقارنةً بأولٰئك الّذين التزموا بأنماطٍ محدودةٍ ومتكرّرةٍ من التّمارين.
والأكثر إثارةً للاهتمام أنّ هٰذه النّتيجة لم ترتبط بشدّة التّمرين كما قد يتوقّع البعض. فلم يكن العامل الحاسم هو القسوة البدنيّة أو عدد السّاعات الطّويلة، بل كان التّنوّع بحدّ ذاته هو العنصر الفارق. وبالتّالي، أثبتت الدّراسة أنّ إدخال أنشطةٍ متعدّدةٍ إلى الرّوتين الأسبوعيّ يعزّز فرص العيش لفترةٍ أطول، سواءٌ أكانت التّمارين خفيفةً أم متوسّطةً أم حتّى عالية الشّدّة.
ومن هنا، تتغيّر النّظرة التّقليديّة إلى الرّياضة؛ إذ لم يعد السّؤال يقتصر على «كم نتمرّن؟»، بل بات يشمل أيضاً «كيف نتمرّن؟». فحين ننتقل بين المشي ورفع الأثقال، أو نزاوج بين تمارين المقاومة واليوغا، فإنّنا لا ننشّط مجموعاتٍ عضليّةً مختلفةً فحسب، بل نحفّز أنظمةً جسديّةً متعدّدةً، وهو ما قد يفسّر الأثر التّراكميّ الإيجابيّ على الصّحّة العامّة وطول العمر.
وفي تعليقٍ على النّتائج، أوضح يانغ هو، مؤلّف الدّراسة وعالم الأبحاث في قسم التّغذية بجامعة هارڤارد، أنّ النّاس بطبيعتهم يغيّرون أنشطتهم مع مرور الوقت تبعاً لتفضيلاتهم وظروفهم الصّحّيّة. وأضاف موصياً بأنّه عند اختيار نمط التّمرين، ينبغي ألّا يختزل القرار في نشاطٍ واحدٍ مألوفٍ، بل يستحسن إدماج أنواعٍ متعدّدةٍ من النّشاط البدنيّ لتحقيق فوائد صحّيّةٍ إضافيّةٍ قد لا يوفّرها الاعتماد على نمطٍ منفردٍ.
ومع ذٰلك، لم يغفل الباحثون الإشارة إلى القيود المنهجيّة للدّراسة؛ إذ شكّل المهنيّون الصّحّيّون البيض النّسبة الأكبر من العيّنة، وهو ما قد يحدّ من قابليّة تعميم النّتائج على جميع الفئات السّكّانيّة. كما اعتمدت البيانات على تقارير ذاتيّةٍ من المشاركين، الأمر الّذي يفتح الباب لاحتمال وجود أخطاءٍ في التّقدير أو التّذكّر. غير أنّ طول مدّة الدّراسة وضخامة حجمها منحا النّتائج قدراً معتبراً من الموثوقيّة، ما يعزّز الثّقة بأنّ تنوّع الحركة ليس تفصيلاً ثانويّاً، بل عاملاً جوهريّاً في معادلة الصّحّة وطول العمر.
شاهد أيضاً: العلوم العصبية تُؤكّد: الرياضة تُعزّز ذكاءك