لماذا التصعيد في إيران لن يؤدي إلى ارتفاع دائم في أسعار النفط؟
على الرّغم من تصاعد التّوتر في إيران وارتفاع أسعار النّفط مؤقتاّ، تشير المؤشّرات إلى أنّ السّوق لا يواجه صدمةً طويلة الأمد وأن الإمدادات العالميّة ما تزال مستقرّةً
بدأت تداعيات التصعيد في إيران تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع بالفعل، غير أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ الأسواق مقبلة على صدمة إمدادات طويلة الأمد. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلّق بغياب فعليّ للبراميل بقدر ما ترتبط بإعادة تسعيرٍ فوريّ للمخاطر.
قفزت أسعار الخام بنسبٍ مزدوجة خلال التداولات الليليّة، إلا أنّ هذه الحركة تبدو أقرب إلى «علاوة مخاطر» أضيفت بفعل التوتّر، لا دليلاً على نقصٍ حقيقيّ في المعروض. وما لم تتعرّض الصادرات، أو ممرّات الشحن، أو البنية التحتيّة في الخليج لضربةٍ مؤثّرة، فمن غير المرجّح أن يقود هذا الارتفاع المتقلّب إلى ترسيخ نظامٍ سعريٍّ جديد يتجاوز 100 دولار للبرميل.
فالأسواق تتفاعل مع اندلاعٍ مفاجئ للصراع، لا مع تدميرٍ مؤكّد للإمدادات. ووفق تقديرات محلّلي بلومبرغ إنتليجنس (Bloomberg Intelligence)، تُقدَّر القيمة العادلة لخام الولايات المتّحدة عند نحو 67 دولاراً للبرميل، ما يعني أنّ الحفاظ على مستوياتٍ أعلى يتطلّب عوامل تتجاوز العناوين غير المؤكّدة.
وفي هذا السياق، قال سليم يلماز، محلّل الطاقة لدى بلومبرغ إنتليجنس: "على الرغم من التوتّرات الجيوسياسيّة، لا تزال المخزونات العالميّة قويّة، سواء على اليابسة أو في البحر، كما أنّ السوق الفعليّة تتمتّع بإمداداتٍ كافية". ويُسهم هذا الواقع في تفسير سبب عدم تحوّل الارتفاع الحادّ حتى الآن إلى صدمة عرضٍ تقليديّة مكتملة الأركان.
كما أنّ مؤشّراتٍ أخرى لم تشهد انفلاتاً يُنبئ بضيقٍ في المخزونات، فيما لا يزال منحنى العقود الآجلة يعكس توقّعاتٍ سعريّة معتدلة للأشهر المقبلة. وبذلك، يبدو أنّ السيناريو الأساسيّ الّذي تتبنّاه الأسواق يفصل بين خطر التصعيد -وهو قائم- وبين تحقّق صدمة إمدادات مستدامة، وهو أمر مختلف تماماً.
فمن دون أضرارٍ تطال محطّات التصدير أو اضطراباتٍ مباشرة في مضيق هرمز، تميل أسعار النفط إلى العودة إلى مستوياتها المدفوعة بأساسيّات العرض والطلب، حيث تستعيد «الجاذبيّة» الاقتصاديّة حضورها بعد انقشاع موجة الذعر الأوّليّة.
ويحاكي هذا النمط سلوك الأسواق الأوسع في مواجهة الصدمات الجيوسياسيّة. إذ سجّل مؤشّر إس آند بي 500 (S&P 500) متوسّط عائدٍ بلغ 14.2% خلال الاثني عشر شهراً اللاحقة للنزاعات الكبرى منذ عام 1950، ما يعكس ميلاً تاريخيّاً إلى التعافي بعد مرحلة إعادة التقييم الأولى.
وغالباً ما يبادر المستثمرون -في أسواق النفط والأسهم على حدّ سواء- إلى إعادة ضبط توقّعاتهم سريعاً عندما يتّضح أنّ الأساسيات لم تتغيّر جذريّاً. وحتى الآن، تشير المعطيات التاريخيّة إلى أنّ ارتفاع أسعار الخام يعكس الحذر والتحوّط أكثر ممّا يعكس ندرةً هيكليّة في الإمدادات.
وبعبارةٍ أخرى، تراهن رؤوس الأموال الذكيّة على استمرار تدفّق البراميل، وأنّ موجة الصعود الراهنة ليست سوى استجابةٍ وقائيّةٍ لمرحلةٍ يسودها عدم اليقين، لا بداية تحوّلٍ طويل الأمد في سوق الطاقة.
نُشر هذا المقال، الذي كتبه فيل روزن، الشريك المؤسِّس ورئيس تحرير نشرة أوبنينغ بيل ديلي (Opening Bell Daily)، في الأصل على موقع Inc.com.