قادة بلا تأمّل مستقبلي: هل يفوّتون أقوى أداة للقيادة الحديثة؟
لتأمّل ليس مرآةً للماضي وحده، بل بوابةٌ خفيّةٌ يعبر منها القادة نحو مستقبلٍ لم يُصَغ بعد؛ وحين يُهمَل أو يُحتكر، تخبو أعظم فرص التعلّم والتجدّد
أثمر بحثي لكتابٍ مرتقبٍ عن الأسئلة واحدةً من أكثر الرّؤى إثارةً وعمقاً: قوّة التّأمّل الكامنة الّتي لم تستثمر كما ينبغي ولم تقدّر حقّ قدرها. ولعلّ ما قالته روني رايتر-بالمون، أستاذة علم النّفس التّنظيميّ في جامعة نبراسك، لخّص الفكرة بوضوحٍ حاسمٍ: «إذا لم يتأمّل النّاس، فلن يتعلّموا الكثير». لم يكن تصريحها رأياً عابراً، بل خلاصة عقودٍ من البحث والعمل الميدانيّ مع القادة والمؤسّسات، حيث أكّدت مراراً أنّ القادة يدركون صحّة هذه الحقيقة، لكنّ المفارقة أنّهم نادراً ما يترجمون هذا الإدراك إلى ممارسةٍ منهجيّةٍ. بل والأكثر إثارةً للقلق أنّ من يمارسون التّأمّل يفعلونه في اتّجاهٍ واحدٍ فقط: ينظرون إلى الخلف، ويتجاهلون النّظر إلى الأمام، وبذلك يفقدون القيمة الأعمق الّتي يمنحها التّأمّل عندما يمارس بوصفه حركةً مزدوجة الاتّجاه.
قوة التأمل الثنائي: من مراجعة الماضي إلى صناعة المستقبل
تكمن قوّة التّأمّل، كما توضّح رايتر-بالمون، في طبيعته الثّنائيّة؛ إذ لا يقتصر على استرجاع ما حدث، بل يمتدّ ليهيّئ ما سيحدث. فمن جهةٍ، يكشف النّظر إلى الماضي أنـماطاً خفيّةً ودروساً غير مستخلصةٍ، ومن جهةٍ أخرى، يفتح النّظر إلى المستقبل مجالاً لإعادة التّشكيل والتّجريب. ومع ذلك، يخطئ كثيرٌ من القادة حين يختزلون التّأمّل في مجرّد تلخيصٍ أو مراجعةٍ ختاميّةٍ، وكأنّ مهمّته تنتهي عند ترتيب الوقائع. غير أنّ التّأمّل، في جوهره، ليس سرداً لما كان، بل تمهيداً لما سيكون؛ إذ يولّد أفكاراً جديدةً ويعيد تركيب المعطيات ليصوغ منها مساراتٍ مختلفةً للعمل. وهنا تحديداً تتجلّى ضرورته، خصوصاً في أزمنة الاضطراب وعدم اليقين، حيث لا يكفي الحفاظ على الأداء، بل يتعيّن إعادة ابتكاره.
وعلى خلاف الاعتقاد الشّائع بأنّ الأفكار الكبرى تولد فجأةً وبمعزلٍ عن السّياق، يثبت تاريخ الابتكار أنّ الأفكار تتراكم وتتفاعل وتتطوّر بمرور الزّمن. تبني فكرةٌ على أخرى، وتعيد صياغتها، ثمّ تدفعها خطوةً إضافيّةً إلى الأمام. صحيحٌ أنّ استرجاع الماضي قد يكشف «جواهر» مدفونةً في التّجربة، غير أنّ الاكتفاء بذلك يحوّل الجهد إلى تحسيناتٍ تجميليّةٍ أو ترقيعاتٍ مؤقّتةٍ. أمّا حين يضاف إلى هذا الاسترجاع تفكيرٌ مستقبليٌّ يعيد تخيّل الإمكانات، عندها فقط يتحوّل التّأمّل من أداة صيانةٍ إلى محرّك ابتكارٍ. ولهذا اختصرت رايتر-بالمون الفكرة بعبارةٍ دقيقةٍ: «ليس التّأمّل عملاً تلخيصيّاً فحسب، بل عملٌ تمهيديٌّ».
تقييد التأمل يبدد أثره: من أداة تكيف مرنة إلى إجراء بيروقراطي جامد
ومع أنّ التّحسين والتّكيّف عنصران دائمان للنّجاح في بيئاتٍ متقلّبةٍ، يعامل كثيرٌ من القادة التّأمّل كما لو كان نشاطاً موسميّاً أو استجابةً ظرفيّةً. بل وحتّى حين تخصّص المؤسّسات وقتاً للتّأمّل، تثقله بإجراءاتٍ جامدةٍ وقوالب صارمةٍ، فتفقده روحه الاستكشافيّة. والحقيقة أنّ التّأمّل، في أبسط صوره، ليس إلّا حواراً مفتوحاً يستكشف الاحتمالات بقدر ما يراجع الوقائع. وكلّما مورس بخفّةٍ ومرونةٍ، تضاعفت عوائده. يشبه الأمر نصيحة المدرّبين للرّياضيّين حين يمسكون مضرباً أو عصاً: شدّ القبضة أكثر ممّا ينبغي يضعف الضّربة بدلاً من أن يقوّيها. كذلك التّأمّل؛ إذ قد تساعده بنيةٌ خفيفةٌ وغايةٌ واضحةٌ، لكنّ الإفراط في ضبطه يحوّله إلى تمرينٍ بيروقراطيٍّ يحدّ من أثره بل وينفّر المشاركين منه.
ومع ذلك، لا يكمن التّحدّي في اتّجاه التّأمّل فحسب، بل فيمن يسمح له بممارسته. إذ يغفل كثيرٌ من القادة عن دعوة الآخرين إلى التّأمّل وتمكينهم منه، وكأنّ التّفكير العميق امتيازٌ قياديٌّ لا ممارسةٌ جماعيّةٌ. غير أنّ العامل الحاسم الحقيقيّ لا يتمثّل في التّأمّل إلى الخلف أو إلى الأمام فحسب، بل في تعميمه على الفريق بأكمله. وهنا تحديداً يتسلّل القلق إلى بعض القادة؛ إذ يخشون فقدان السّيطرة حين تتّسع دائرة الصّوت والتّفكير.
عندما يحتكر التأمل: درس قيادي من ملاعب الطفولة
لفهم هذا القلق، يمكن استحضار مشهدٍ يتكرّر كثيراً في البيئات التنافسية المبكرة. ينسحب كثيرون في سنٍ صغيرة من أنشطةٍ يفترض أنها تبني الثقة والمهارة، لا بسبب الخسارة بحد ذاتها، بل بسبب الطريقة التي تُدار بها لحظات المراجعة بعد انتهاء التجربة. فبدل أن تُمنح لهم مساحة هادئة لاستيعاب ما حدث والتفكير فيه بطريقتهم الخاصة، تُفرض عليهم جلسات تقييم مباشرة تُثقلهم بأسئلةٍ تحليلية في وقتٍ يكونون فيه مستنزفين جسدياً وعاطفياً. وهكذا، تتحول المراجعة من فرصةٍ للتعلم إلى عبءٍ إضافي، لا لأن النية سيئة، بل لأن مساحة التأمل الذاتي تُنتزع منهم. هنا يتضح المعنى الأعمق: حين يُدار التأمل بصورةٍ فوقية ويُحتكر توجيهه، يفقد أثره التعليمي ويتحوّل إلى ضغطٍ يطفئ الدافعية بدل أن يعززها.
تكشف هذه الصّورة درساً قياديّاً بالغ الأهمّيّة: حين يحتكر القائد التّأمّل، يفقد الفريق دافعيّته وملكيّته للتّعلّم. أمّا حين يفسح المجال للتّفكير الذّاتيّ والحوار المفتوح، يتضاعف الأثر ويتحوّل التّأمّل إلى طاقةٍ جماعيّةٍ. ومن اللّافت أنّ بعض المؤسّسات تسمّي جلسات التّأمّل «تشريحاً بعد الوفاة»، وهو مصطلحٌ يوحي بأنّنا نفحص شيئاً مات بالفعل. غير أنّ التّأمّل، في حقيقته، ليس بحثاً عن سبب الوفاة، بل بحثٌ عن بذور الحياة المقبلة.
الخلاصة
لذلك، إن اقتصر تأمّلك على الماضي وحده، أو احتكرته لنفسك دون فريقك، فثمّة فرصةٌ مهدورةٌ تنتظرك. ومع أنّ أسباب تبنّي التّأمّل متعدّدةٌ، يبقى السّبب الأهمّ أنّه لا يكلّف شيئاً تقريباً، لكنّه يمنح ما تسعى إليه كلّ مؤسّسةٍ في عالمٍ متغيّرٍ: قدرةً مستمرّةً على التّكيّف، وتجدّداً دائماً في التّفكير، واستعداداً واعياً للمرّة القادمة قبل أن تحين.