ضربات إيران تهزّ الأسواق: النفط إلى صعود قوي والأسهم تحت الضغط
ارتفاع حادّ في أسعار النفط وتراجع العقود الآجلة للأسهم مع تصاعد التوتّرات العسكريّة، فيما يراقب المستثمرون تداعيات التصعيد ومخاطر تعطّل إمدادات الطاقة العالميّة
قد تستعدّ وول ستريت (Wall Street) لبداية أسبوعٍ عاصفةٍ، بعدما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل انطلاق «عمليات قتاليّة كبرى» ضدّ إيران في وقتٍ مبكّرٍ من صباح السبت، وهو تطوّرٌ أعاد رسم توقّعات المستثمرين قبل افتتاح الأسواق.
وقد عكست العقود الآجلة للأسهم هذا القلق بوضوحٍ مساء الأحد؛ إذ أشارت التوقّعات إلى أنّ مؤشّر داو جونز الصناعي (Dow Jones Industrial Average) قد يفتتح جلسة الاثنين على انخفاضٍ يتجاوز 500 نقطة مقارنةً بإغلاق الجمعة، أي ما يعادل نحو 1%. وفي السياق ذاته، بدت العقود الآجلة لمؤشّر إس آند بي 500 (S&P 500) مرشّحةً للتراجع بنحو 65 نقطة، أي أقلّ بقليلٍ من 1%، في حين هبطت العقود الآجلة لمؤشّر ناسداك 100 (Nasdaq 100) بأكثر من 237 نقطة، أي ما يقارب 1% أيضاً، في إشارةٍ إلى موجة ضغطٍ واسعةٍ تمتدّ عبر مختلف قطاعات السوق.
وبالتوازي مع هذا التراجع، شهدت أسعار النفط ارتفاعاً حادّاً؛ إذ صعد خام الولايات المتحدة (US Crude) بنحو 8% خلال التداولات المبكّرة، متجاوزاً مستوى 72 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى يبلغه منذ أغسطس الماضي. وفي ذلك الوقت، كان متوسّط سعر البنزين يبلغ 3.16 دولارات للغالون، وفقاً لبيانات جمعيّة السيارات الأميركية (AAA)، بينما يبلغ المتوسّط الحالي نحو 2.98 دولاراً، ما يعكس هامشاً إضافيّاً لاحتمالات الارتفاع في حال استمرار التوتّر.
ومع ذلك، وكما هي الحال دائماً في تداولات العقود الآجلة، تبقى هذه الأرقام عرضةً لتقلّباتٍ حادّةٍ قبل افتتاح الأسواق رسمياً صباح الاثنين. فقد أظهرت المؤشّرات الأوّليّة خسائر أشدّ حدّةً في البداية، حيث أشارت التقديرات الأولى إلى احتمال تراجع داو جونز بأكثر من 1,100 نقطة، كما سجّلت أسعار النفط مكاسب أكبر في اللحظات الأولى، غير أنّ كِلا المؤشّرين شهدا قدراً من الاستقرار النسبيّ خلال النصف الأوّل من جلسة التداول المسائيّة يوم الأحد، في دلالةٍ على حساسيّة الأسواق الفوريّة لأيّ تطوّرٍ جديد.
ومع ذلك، لا ينصبّ القلق الحقيقيّ للمستثمرين على ما سيحدث يوم الاثنين وحده، بل يمتدّ إلى المسار الّذي قد تتّخذه الأحداث خلال الأيّام والأسابيع المقبلة، ولا سيّما فيما يتعلّق بأسعار النفط. وفي هذا السياق، تتّجه الأنظار إلى مضيق هرمز (Strait of Hormuz)، الّذي شهد عبور نحو 14.5 مليون برميل يوميّاً خلال عام 2025، مع توجّه الجزء الأكبر من هذه الكميّات إلى آسيا، مقابل 4% فقط إلى الأميركيتين، ما يعكس أهمّيّته المحوريّة في منظومة الطاقة العالميّة.
وتشير تقديرات بلومبرغ إيكونوميكس (Bloomberg Economics) إلى أنّ الإغلاق الكامل للمضيق قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع حتّى 108 دولارات للبرميل، أي بزيادةٍ تصل إلى 80%. وفي الوقت الراهن، يرى محلّلون أنّ حركة الملاحة عبر المضيق تكاد تتوقّف فعليّاً، بعدما سارعت شركات الشحن إلى اتّخاذ إجراءاتٍ احترازيّة. وفي هذا الإطار، أعلنت شركة ميرسك (Maersk)، عملاق الشحن الدنماركيّ، تعليق جميع رحلات سفنها عبر المضيق حتّى إشعارٍ آخر، وهو قرارٌ قد يؤدّي إلى تأخيراتٍ في الإمدادات ونقصٍ محتملٍ في الأسواق.
ومن الناحية النظريّة، تستطيع الحكومة الأميركيّة الحدّ من أيّ ارتفاعٍ حادّ في أسعار الوقود عبر السحب من الاحتياطيّ النفطيّ الاستراتيجيّ للولايات المتحدة (US Strategic Petroleum Reserve)، غير أنّ صحيفة فايننشال تايمز (Financial Times) أفادت، يوم السبت، بعدم وجود خططٍ حاليّة للإفراج عن أيّ كميّاتٍ منه، ما يترك الأسواق في مواجهةٍ مباشرةٍ مع ديناميكيّات العرض والطلب.
هل ستتعافى الأسهم؟
لا تُعدّ هذه المرّة الأولى الّتي تأمر فيها إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب (Donald Trump) بشنّ هجومٍ على إيران، كما أنّ ردّة فعل الأسواق في مثل هذه الظروف لا تسير دائماً في اتّجاهٍ واحد. ففي الثاني والعشرين من يونيو من العام الماضي، أمر ترامب بتنفيذ ضرباتٍ استهدفت ثلاثة مواقع نوويّة إيرانيّة، غير أنّ مؤشّر داو جونز أنهى أوّل جلسة تداولٍ لاحقةٍ مرتفعاً بمقدار 375 نقطة، فيما صعد ناسداك 184 نقطة، وارتفع إس آند بي 500 بمقدار 57 نقطة، في مفارقةٍ تعكس قدرة الأسواق على إعادة تسعير المخاطر بسرعة.
واليوم، تقف المؤشّرات الرئيسة عند مستوياتٍ أعلى بكثيرٍ ممّا كانت عليه آنذاك؛ إذ ارتفع كلٌّ من داو جونز وناسداك بنسبة 15%، بينما سجّل إس آند بي 500 مكاسب إضافيّة بلغت 14%، ما يؤكّد أنّ الأثر الفوريّ للأحداث الجيوسياسيّة لا يحدّد بالضرورة المسار الطويل للأسواق.
ولا يُعدّ هذا النمط استثناءً؛ إذ غالباً ما تتراجع الأسهم عقب الأحداث العالميّة الكبرى بفعل حالة عدم اليقين، غير أنّها تميل إلى التعافي سريعاً والحفاظ على مكاسبها لاحقاً. فعلى سبيل المثال، لم تترك الضربة العسكريّة الّتي استهدفت فنزويلا في يناير أثراً دائماً، حيث ارتفع داو جونز بمقدار 595 نقطة، فيما صعد إس آند بي 500 بنحو 44 نقطة، في إشارةٍ إلى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات قصيرة الأجل.
وعلى نحوٍ مشابه، عندما قتلت الولايات المتحدة الجنرال الإيرانيّ قاسم سليماني (Qasem Soleimani) عبر ضربةٍ بطائرةٍ مسيّرةٍ في يناير 2020، تراجع مؤشّر إس آند بي 500 بنسبة 0.7%، غير أنّه استعاد عافيته خلال ستّة أيّامٍ فقط، قبل أن يواصل الصعود مسجّلاً مكاسب تراكميّة بلغت 113% في السنوات اللاحقة. أمّا هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 (September 11 attacks)، فقد تسبّبت في تراجعٍ يوميّ بلغ 4.9 في المئة، لكنّ السوق تعافى بالكامل خلال 31 يوماً، في دليلٍ إضافيّ على مرونة الأسواق الماليّة.
ومع ذلك، تبقى العمليّات العسكريّة واسعة النطاق في الشرق الأوسط، ولا سيّما تلك الّتي تحمل تبعاتٍ طويلة الأمد أو تؤثّر في إمدادات النفط، مصدر قلقٍ أكبر للمستثمرين. فعندما غزا العراق الكويت عام 1990، تراجع مؤشّر إس آند بي 500 بنسبة 1.1% في البداية، غير أنّه واصل الهبوط على مدى 71 يوماً، ليفقد في نهاية المطاف 16.9% من قيمته.
غير أنّ هذا التراجع لم يكن دائماً؛ إذ استعاد المؤشّر كامل خسائره خلال 189 يوماً، في تذكيرٍ واضحٍ بأنّ الأسواق، مهما اشتدّت اضطراباتها، تمتلك قدرةً متكرّرةً على التعافي، مدفوعةً بقوّة الاقتصاد على المدى الطويل، وبمرونة رؤوس الأموال في مواجهة الأزمات.