الرئيسية الريادة رحلة كريم عبد الرحمن: كيف نجح في توسيع تجربة العشاء الخاص مع الحفاظ على الجودة؟

رحلة كريم عبد الرحمن: كيف نجح في توسيع تجربة العشاء الخاص مع الحفاظ على الجودة؟

استراتيجيات تحويل مشروعٍ فرديٍّ قائمٍ على الحرفيّة والتّجربة الشّخصيّة إلى عملٍ تجاريٍ مستدامٍ مع الحفاظ على سحره وجودته الفريدة في كلّ مرّةٍ

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

في عصرٍ أصبح فيه التّوسّع والقدرة على النّموّ عنصراً فاصلاً بين النّجاح والفشل، يُطرح سؤالٌ جوهريٌّ: كيف يمكن تطوير مشروعٍ تجاريٍّ يعتمد في جوهره على شخصٍ واحدٍ؟ الشّيف ورائد الأعمال كريم عبد الرحمن يمتلك الإجابة، إذ أسّس عمله الأساسيّ على تجربة تناول طعامٍ خاصّةٍ وغنيّةٍ بالتّفاصيل، عبر مشروعه "أڤيك كريم" (Avec Karim)، قبل أن يوسّع نطاقه ليشمل مجموعةً من منتجات الطّعام الفاخرة، إضافةً إلى تعاوناتٍ راقيةٍ مع مجموعة فنادق الفور سيزونز في القاهرة والبحرين.

ويشرح كريم في مقابلةٍ مع "عربيةInc. " قائلاً: "كوني شخصاً لا يقبل التّنازلات يجعل الأمر صعباً للغاية. السّؤال الأساسيّ هنا: كيف تُهيكل العمل ليظلّ خاضعاً لهدفه الأساسيّ؟ فالانحراف عن هذا الهدف أمرٌ سهلٌ، خاصّةً عندما يكون الطّلب عليك مرتفعاً، وقد تسيطر الأرقام على العمليّة بسهولةٍ. لكن حينها، تخاطر بفقدان السّحر الحقيقيّ لما تقوم به".

لحسن الحظّ، فقد اختار كريم -الّذي بدأت مسيرته في عالم الطّهي منذ سنٍّ مبكّرةٍ- أن يوجّه كل مساعيه الرّياديّة عبر شغفه العميق بالطّعام. وقد أضاف إلى ذلك تعليمه في "مدرسة دوكاس" (Ecole Ducasse) في باريس، وتجربته كطاهٍ في مطاعم حائزةٍ على نجمة ميشلان في المدينة نفسها، ممّا وفّر له الخبرة والثّقة اللّازمتين لإطلاق مشروعه الحاليّ في مصر بطريقةٍ تكاد تكون غير مقصودةٍ.

ويستذكر كريم أنّ أوّل تجربةٍ لتقديم وجباتٍ خاصّةٍ له في عام 2019 كانت بمحض الصّدفة؛ فيقول: "كنتُ قد عدت لتوّي من باريس، وكنتُ أسافر في أرجاء مصر، ألتقي بالنّاس من مختلف المناطق، وأستكشف المكوّنات المحليّة". ويتابع: "في ذلك الوقت، اتّصل بي شخصٌ وطلب منّي إعداد عشاءٍ خاصٍّ، ولم يكن هذا ضمن نشاطي المعتاد حينها. لكنّني فكّرت: لديّ المكوّنات، ويمكنني التّحضير في المنزل، واستخدام مطابخ الآخرين، ’لديهم جميع هذه الأطباق والأدوات الجميلة الّتي لا يستخدمها أحد، فلنستفد منها…’ وهكذا قضيتُ عاماً ونصف أو عامين في تطوير المشروع من خلال الاعتماد على السّمعة الشّفهيّة والتّوصيات".

وبينما كانت هذه التّجارب تمنح عملاء كريم فرصة استضافة عشاءاتٍ حميميّةٍ وحصريّةٍ داخل منازلهم، فإنّها أتاحَت له أيضاً فرصة التّواجد كطاهٍ على الطّاولة، والتّواصل مباشرة مع الضّيوف خلال كلّ وجبةٍ. وإلى جانب كونها الوسيلة الأولى لدخوله السّوق المصريّ، فقد أسهمت هذه التّجارب في بناء علامته الشّخصيّة. لكنّه سرعان ما أدرك أنّه لا بدّ من إعادة توجيه نشاطه لضمان استمرار العمل واستدامته.

يسترجع كريم قائلاً: "كان النّموذج بسيطاً في بدايته، ولكن بحلول نهاية عام 2021، بدأ يفقد السّيطرة؛ فقد كان بحاجةٍ إلى هيكلةٍ واضحةٍ. وهنا تكمن النّقطة الجوهريّة، فكيف يمكن تحويل شيءٍ نشأ من شغفٍ حميمٍ وفنيٍّ للغاية إلى عملٍ تجاريٍّ متكاملٍ؟ لقد شكّل ذلك منحنى تعلّمٍ ضخماً خلال السّنوات الثّلاث إلى الأربع الماضية. وحتّى الآن، أؤكّد بصوتٍ عالٍ: هناك صراعٌ مستمرٌّ بداخلي، بين الحفاظ على الحرفيّة، وتنمية العمل التّجاريّ، وضمان استمرار كلاهما معاً. وهذا توازنٌ دقيقٌ جدّاً لأيّ نشاطٍ يرتكز على مهارةٍ وحرفةٍ".

بالنّسبة لكريم، ينطلق كلّ شيءٍ من التزامٍ واضحٍ بما يحرص على تقديمه في كلّ مرّةٍ: تجربة متفرّدة تحتفي بالطّعام، وتحمل سرديّةً نابضةً، وتستدعي الذّكريات إلى الواجهة. ويؤكّد قائلاً إنّها "ليست مجرّد تجربةٍ لتناول الطّعام، بل تجربة مُصاغة بعنايةٍ فائقةٍ"، موضّحاً أنّ جوهر مشروعه يقوم على البعد العاطفيّ الّذي يمنح كلّ تجربةٍ طابعها الخاصّ ويجعلها مختلفةً باختلاف كلّ عميلٍ.

ويعني هذا أنّه قبل تصميم أيّ قائمة طعامٍ، يتحدث أوّلاً مع مضيفي العشاء للتّعرّف عليهم، ويقوم بزياراتٍ ميدانيّةٍ أو يلتقي بهم في منازلهم، وفي بعض الحالات، يتفقّد ثلّاجاتهم، لضمان أن تكون كلّ تجربةٍ مصمّمة خصيصاً لهم. ويضيف كريم: "حتّى عند تصميم الطّعام لعلامةٍ تجاريّةٍ، على سبيل المثال، أريد أنّ أفهم أكثر عن العلامة، لماذا تحتفلون، ما المناسبة، إلخ". مشيراً إلى أنّه في كثيرٍ من الحالات، يلعب الطّعام دوراً محوريّاً في القصّة الّتي يتمّ سردها، بعيداً عن كونه مجرّد طبقٍ جانبيٍّ. ويتابع: "يجب أن تفهم من تطبخ له، من سيحضر، من سيأكل، ما المناسبة". ويضيف: "يتعلّق الجزء الآخر بالموسميّة، وما هو محليٌّ، وبالنّسبة لنا، هذا أمرٌ بديهيٌّ".

تجتمع هذه الجهود بشكلٍ متكاملٍ لتمنح كريم وفريقه القدرة على تصميم كلّ تجربةٍ من Avec Karim بعنايةٍ فائقةٍ، ممّا يضمن تفصيلها لتناسب الأفراد أو العلامات التّجاريّة الّتي تُقدَّم لهم الخدمة. ومن منظور العمليّات، يعني ذلك أنّ الفريق ملزمٌ بابتكار قوائم طعامٍ جديدةٍ كلّ أسبوعٍ، والتّأكّد من أنّ جميع المكوّنات متوفّرةٌ وفق الموسم، والعمل على تحضيرها لكلّ فعاليّةٍ على حدة.

يقول كريم: "أؤكّد دائماً أنّ أيّ مشروعٍ غذائيٍّ في العالم يعتمد على قائمةٍ ثابتةٍ بمستودعاتٍ مجهّزةٍ، ومشترياتٍ متكرّرةٍ، وكلّ شيءٍ معدّ وجاهز للعمل. ولكن عندما يكون لديك 5 قوائم مختلفة أسبوعيّاً، فإنّ إيجاد الوقت لتطويرها وتحضيرها يخلق ديناميكيّةً مختلفةً تماماً".

ويزيد على ذلك حرصه على الاعتماد على المكونات المحليّة في الغالب، وهو درسٌ تعلّمه خلال سنواته في باريس. ويوضّح: "خلال دراستي للطّهي، التحقت بمقرّرٍ بعنوان تاريخ الطّعام، وقبل الاختبار قال لنا الأستاذ: ‘إذا شكّكت في أصل أيّ مكوّنٍ غذائيٍّ، اذكر أنّه من مصر، وهناك احتمال بنسبة 90% أن يكون ذلك صحيحاً!".

اتّخذ كريم هذا المبدأ منهجاً عند عودته إلى القاهرة، فخصّص وقتاً للسّفر داخل البلاد للتّعرّف إلى النّاس والقصص وراء مأكولات وطنه، وهو ما أتاح له بناء شبكةٍ من المورّدين لم يكن ليحصل عليها لولا هذه الرّحلات. ويضيف: "كلّما تعمّقتُ في التّعلّم، تعمّق حبّي لثقافتنا… تتميّز مصر بثقافةٍ وتاريخٍ غنيٍّ وأنظمةٍ بيئيّةٍ متنوّعةٍ، من المدن السّاحليّة إلى حياة البدو وصولاً إلى أسوان [في صعيد مصر]، وكلّ منطقةٍ لها روحها ومكوّناتها وطعامها الخاصّ. والأهمّ في عملنا هو المكوّنات. لذلك وجدت نفسي كثيراً ما أسافر داخل مصر، ألتقي بأشخاص جددٍ، وأتعلّم عن مأكولاتهم".

اليوم، يقتصر اعتماد فريق كريم على المكوّنات المحليّة بنسبةٍ تتراوح بين 90 و95%، مع استخدام المنتجات المستوردة بأدنى حدٍّ ممكنٍ، ممّا يمثّل تقدّماً كبيراً مقارنةً بما كان عليه الحال عند انطلاقه، إذ كانت المكوّنات المحليّة تمثّل حينها 50% فقط، وفق ما يصفه بفخرٍ. ويضيف: "كطاهٍ، لا أظنّ أنّني كنت سأتمكّن من تقديم هذه التّجربة أو إنتاج هذا المنتج دون هذه المكوّنات أو الخبرات".

ومع توسّع نشاط كريم خارج مصر ليشمل دولاً مثل البحرين والإمارات، يواصل اعتماد نفس منهجيّة البحث الدّقيقة، حيث يسافر على نطاقٍ واسعٍ في كلّ بلدٍ ويستعين بالمكوّنات المحليّة عند تصميم قوائم الطّعام، لضمان أن تعكس كلّ وجبةٍ الهويّة المحليّة للمنطقة.

ويبقى التّساؤل: كيف تمكّن كريم من الموازنة بين الحفاظ على سحر وخصوصيّة عشاءاته الخاصّة وبين توسيع علامته التّجاريّة؟ يتمثّل جزءٌ من الإجابة في خط الإنتاج "لارتيزان" (L’Artisan)، الّذي أطلقه بالتّعاون مع متجر البقالة الرّاقي "جورميه" (Gourmet)، والّذي يستند إلى فلسفة Avec Karim  في تقديم منتجاتٍ ذوّاقةٍ محليّة الصّنع، مصمّمةٍ بعنايةٍ لتكمّل تجربة الطّعام المتميّزة الّتي يقدّمها.

بالمثل، يُعتبر مفهوم "تيبل سايد" (Tableside) الّذي طوره كريم بالتّعاون مع مجموعة فنادق فور سيزونز -في كثيرٍ من النّواحي- ثمرة رحلاته وتجارب حياته، حيث يقدّم قائمة طعامٍ موسميّةً من 7 أطباق تمزج السّرديّات الثّقافيّة من مختلف أنحاء البلاد مع مكوّناتٍ محليّة المصدر. ولإضفاء لمسةٍ من الفلسفة الشّخصيّة لتجربة Avec Karim، يضم "تيبل سايد" أيضاً فريقاً من رواة القصص الّذين يشرحون للروّاد قصّة كلّ طبقٍ، ومكوّناته، والإلهام وراء ابتكاره.

ويشرح كريم قائلاً: "يعيش النّاس الرّحلة، ويعيشون القصّة، وأعتقد أنّ هذا لا يقلّ أهميّةً عن الطبّق نفسه. دائماً أقول إنّ هناك أمرين قبل أن تأكل: إذا بدا الطّبق جيّداً وأعجبتك القصّة خلفه، فأنت بالفعل أحببت الطّبق بنسبة 95% قبل أن تتذوّقه. وبالطّبع، يجب أن يكون لذيذاً، وهذا أساس عملنا. لكن بما أنّنا نبذل كلّ هذا الجهد في عمليّة التّفكير، فمن الطّبيعيّ أن نسلّط الضّوء على ذلك.

بالعودة إلى معضلة كريم في الموازنة بين الوفاء لحرفته وبين توسيع نطاق أعماله، يوضّح أنّ السّنوات الخمس الماضية علّمته درساً مهمّاً: النّمو لا يتّخذ شكلاً واحداً لجميع الأعمال. ويؤكّد قائلاً: " الحقيقة في الأعمال ذات الطّابع شديد التّخصّص أنّها لا تنمو وفق مسارٍ خطّيٍّ مباشرٍ. لذلك، نحن نحاول أن ننمو عبر محاور وقطّاعاتٍ مختلفةٍ".

وفي حالة كريم، فإنّ خطوط الأعمال الّتي تطوّرت من Avec Karim  فتحت "طرقاً للوصول إلى العلامة التّجاريّة بجرعاتٍ مدروسةٍ"، دون أن تمسّ الجوهر الأساسيّ لتجربته الرّائدة. ويعتبركريم أنّ اتّباع هذا النّهج الدّقيق في النّموّ ضروريٌّ لحماية اللّحظات الّتي منحت Avec Karim قيمتها ومعناها منذ البداية.

ويضيف: "والدي طبيبٌ، وهو دائماً يقول لي إنّ النّاس يزورونه في العيادة أو المستشفى حين يشعرون بأسوأ حالاتهم، أمّا هم يأتون إليّ عندما يرغبون في الاحتفال، لأنّ الأمر عادةً ما يكون مناسبةً خاصّةً، مرّةً في السّنة، أو حتّى مرّةً واحدةً في العمر. وعلينا أن نرتقي إلى مستوى هذه التّجربة".

جانب جانبي

من مؤسِّس إلى مؤسِّس

يشارك كريم عبد الرحمن الدّروس الّتي تعلّمها في تصميم تجربة الاقتصاد التّجريبيّ:

"كن صادقاً مع نفسك، ولا تتنازل عن القواعد الّتي تعيش بها؛ إذ يجب أن يكون لديك مجموعةٌ خاصّةٌ من القواعد والقيم الّتي تحكم حياتك، لأنّ هذه الأمور تظهر بوضوحٍ في اقتصاد التّجربة. هذا يؤثّر على كلّ شيءٍ: قراراتك، طريقة تحرّكك، وكيفيّة عدم التّنازل عن مبادئك.

أدرك القيمة الّتي تضيفها، وركّز عليها بكلّ حزمٍ؛ فمن السّهل جدّاً أن تنحرف عن مسارك، إذ سيحاول الآخرون جرّك في اتّجاهاتٍ مختلفةٍ، ولن يلمس أحد رؤيتك بنفس العمق الّذي تراها أنت. لذلك، يجب أن تظلّ صادقاً مع ذاتك، وأن تحدّد بالضّبط المبادئ الّتي تمثّلها، لتتمكّن من قيادة أعمالك انطلاقاً من هذه الرّؤية. ومن الطّبيعيّ أن تحتاج للمرونة لمواجهة ما تفرضه الحياة، لكن عليك أولاً أن تكون واضحاً بشأن ما تقدّمه.

تعلّم أن تقول "لا". حتّى لو بدا شيءٌ ما مثاليّاً على الورق، وإذا لم يكن شعورك تجاهه صحيحاً، فالجواب هو "لا". للحفاظ على تركيزك، هناك الكثير من المواقف الّتي تستدعي رفضها، لأنّ كلّ شخصٍ سيرغب في شيءٍ مختلفٍ منك.

ابقَ صادقاً مع ذاتك؛ فلكلّ شخصٍ طريقته الخاصّة للتّواصل مع حقيقته الدّاخليّة، لكن الجوهر يكمن في البقاء ثابتاً ومتجذّراً، مع إدراك أنّ الأنا قد تقودك في مسارٍ مختلفٍ تماماً. ومن الضّروريّ أن تحافظ على امتنانك وتواضعك، وأن تدرك أنّ كلّ ما بنيته يمكن أن يزول في لحظةٍ؛ هذه هي طريقتي الشّخصيّة للحفاظ على الاتّصال بالذّات، ولكنّني أؤمن أنّ لكلّ فردٍ طريقته الفريدة في ذلك".

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 10 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: