إدراج Bosta المحتمل يفتح فصلاً جديداً لريادة الأعمال المصرية
طرحٌ محتملٌ في السّوق يعكس نضج قطّاع اللّوجستيّات المدعوم بالتّكنولوجيا ويفتح آفاقاً للنّموّ، الابتكار، وتوسيع نطاق الخدمات في المنطقة
في مطلع فبراير، جاءت أنباء أثارت اهتمام المستثمرين والخبراء على حد سواء، حيث كشفت تقارير متداولة أن شركة بوسطة ((Bosta)) المصرية الناشئة في مجال الخدمات اللوجستية تدرس طرحاً عاماً أولياً في البورصة المصرية (EGX). لم يكن الخبر مجرد خطوة فردية لشركة بعينها، بل بدا كإشارة مبكرة نحو تحول أوسع في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال داخل مصر. إذ سرعان ما انطلقت التكهنات حول ما قد يعنيه هذا الإدراج التقني الأول في مجال لوجستيات الميل الأخير، ليس للشركة وحدها، بل للشركات الناشئة الأخرى التي تبحث عن مسارات خروج عبر السوق المحلية.
وبهذا الشكل، تجاوز الخبر حدود الإعلان الاقتصادي ليصبح مؤشراً على ديناميكية جديدة، وفرصة محتملة لتشكيل فصل جديد من الابتكار في قطاع الخدمات اللوجستية، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الطموح التجاري، وتنبثق منها إمكانات استثمارية واعدة تعكس الوجه المتجدد لريادة الأعمال المصرية. في نهاية المطاف، لم يعد الحديث عن بوسطة مجرد خبر عن إدراج محتمل، بل عن مرحلة جديدة تحمل في طياتها وعوداً بتوسع رقعة الابتكار ورفع سقف الطموح في السوق المحلي
تأسّست شركة بوسطة في القاهرة عام 2017 على يد محمّد عزّت وأحمد جابر، ومنذ انطلاقتها أدارت منصّة توصيلٍ للميل الأخير مدعومةً بالتّكنولوجيا لخدمة تجّار التّجارة الإلكترونيّة. ولم تكتف بتقديم خدمة توصيلٍ تقليديّةٍ، بل طوّرت برمجيّاتٍ لإدارة عمليّات التّوصيل، وقدّمت خدمات التّنفيذ، وبنت بنيةً تحتيّةً لوجستيّةً متكاملةً، مستهدفةً معالجة أحد أكثر الاختناقات المزمنة في المنطقة، وهو ضمان توصيلٍ موثوقٍ في الميل الأخير. وبذلك وضعت منذ البداية لنفسها موقعاً في قلب معادلة التّجارة الإلكترونيّة الّتي لا يكتمل نجاحها دون شبكةٍ لوجستيّةٍ فعّالةٍ.
ومع مرور الوقت، لم تبق بوسطة ضمن إطار شركةٍ ناشئةٍ تركّز حصريّاً على الميل الأخير، بل تحوّلت تدريجيّاً إلى ما تصفه بمشغّل منظومةٍ متكاملةٍ، فوسّعت حضورها ليشمل مصر والإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السّعوديّة. وإلى جانب هذا التّوسّع الجغرافيّ، عزّزت مكانتها عبر جذب دعمٍ مؤسّسيٍّ نوعيٍّ؛ ففي عام 2021 جمعت 6.7 ملايين دولارٍ أمريكيٍّ ضمن جولة تمويلٍ من الفئة A قادتها شركة رأس المال الجريء العالميّة "سيليكون باديا" (Silicon Badia)، وذلك لدعم خطط توسّعها في السّعوديّة والإمارات. وهكذا تلازم التّوسّع التّشغيليّ مع دعمٍ استثماريٍّ يعكس ثقةً مبكّرةً بإمكانات الشّركة.
وعلى صعيد العمليّات، عكست خطواتها الأخيرة مستوى متقدّماً من النّضج؛ ففي أوائل عام 2026 افتتحت مركز فرزٍ آليّاً في مصر بقيمة 5 ملايين دولارٍ، يقال إنّه الأكبر من نوعه في الشّرق الأوسط. ولم يكن هذا الافتتاح خطوةً شكليّةً، بل أضاف قدرة معالجةٍ تصل إلى 11,000 طردٍ في السّاعة وأكثر من 250,000 طردٍ يوميّاً، الأمر الّذي عزّز كفاءتها التّشغيليّة وأكّد انتقالها من مرحلة النّموّ السّريع إلى مرحلة ترسيخ البنية المؤسّسيّة القادرة على استيعاب أحجامٍ أكبر من الطّلب.
وفي سياق هذا التّطوّر، أشار محمّد عزّتٍ في مقابلةٍ مع "عربية .Inc"، الرّئيس التّنفيذيّ لبوسطة، إلى أنّ هذا النّموّ لم يوسّع حجم الأعمال فحسب، بل وسّع كذلك هامش الخيارات الاستراتيجيّة المتاحة أمام الشّركة. وقال: “لقد وضع نموّ بوسطة ونضج عمليّاتها الشّركة في موقعٍ يتيح لها مجموعةً من الخيارات الاستراتيجيّة المثيرة. وينصبّ تركيزنا على مواصلة التّنفيذ بانضباطٍ، وتعميق ريادتنا في السّوق، وتقديم قيمةٍ مستدامةٍ لعملائنا وشركائنا ومساهمينا، مع الإسهام في التّطوير الأوسع لمنظومة التّكنولوجيا المصريّة والإقليميّة.” ومن خلال هذا التّصريح يتّضح أنّ الشّركة تنظر إلى المرحلة الحاليّة باعتبارها نقطة تمكينٍ لا مجرّد محطّة إنجازٍ.
وفي الإطار نفسه، يشغل نامك زعبي، الشّريك الإداريّ في سيليكون باديا، مقعداً في مجلس إدارة بوسطة، وهو ما يعكس عمق العلاقة بين الطّرفين ويمنح المستثمر دوراً فاعلاً في توجيه المسار الاستراتيجيّ.
ثمّ أضاف عزّت موضّحاً أنّ التّنفيذ التّشغيليّ الصّارم يقترن بنهجٍ محسوبٍ تجاه رأس المال، إذ قال: “كنّا متعمّدين للغاية بشأن من ندخله إلى هيكل ملكيّتنا، لأنّ رأس المال ليس متساوياً دائماً في قيمته. لقد كانت سيليكون باديا شريكاً تأسيسيّاً لبوسطة -كان داعماً استراتيجياً مبكراً وثق برؤية الشركة ورافقها في فترات الضغط كما في مراحل النمو المتسارع- وكان هذا النّوع من التّوافق طويل الأمد عنصراً محوريّاً في بناء الأعمال. ومع دراستنا لإدخال مستثمرين جددٍ، نركّز على شركاء يمكنهم مساعدتنا على التّوسّع الفائق، وتعزيز ريادتنا السّوقيّة، وإضافة قيمةٍ استراتيجيّةٍ تتجاوز رأس المال، مع الحفاظ على الانضباط والتّوافق اللّذين ميّزا رحلة بوسطة.” وبهذا الرّبط بين رأس المال والقيمة الاستراتيجيّة، تبرز فلسفةٌ انتقائيّةٌ لا تكتفي بتأمين التّمويل، بل تبحث عن شراكاتٍ تضيف عمقاً مؤسّسيّاً.
ومن جانبه، أكّد نامك زعبي لـ "عربية. Inc" أنّ الأداء القويّ للشّركة ونموّها المتواصل وضعاها في موقعٍ يمكّنها من استكشاف مسارات خروجٍ محتملةٍ، غير أنّه شدّد في الوقت ذاته على أنّ الخروج ليس هدفاً قصير الأمد. وقال: “لا تبنى بوسطة حول خروجٍ قريب الأجل. فالشّركة تحقّق نموّاً قويّاً ومربحاً في سوقٍ كبيرةٍ لا تزال مخدومةً بأقلّ من إمكاناتها، ما يمنحنا مرونةً في التّروّي بشأن أيّ مسار سيولةٍ مستقبليٍّ. ومع ذلك، تلقّينا بالفعل اهتماماً وارداً من لاعبين استراتيجيّين عالميّين بارزين، لكنّنا في مجلس الإدارة نقيّم جميع الخيارات، سواء الأسواق العامّة أو الصّفقات الاستراتيجيّة—من منظور خلق قيمةٍ طويلة الأمد، والتّوافق، وما يدعم أفضل مسارٍ للشّركة المستقبليّ.”
واستطرد زعبي موضّحاً أنّ الأسس الّتي بنتها بوسطة تخلق خياراتٍ حقيقيّةً لمستقبلها، وقال: “بعد أن أدرجنا ثلاث شركاتٍ في البورصة -مع ثلاثٍ أخرى قيد التّنفيذ هذا العام- وأتممنا أكثر من 30 عمليّة خروجٍ استراتيجيّةٍ ضمن محفظتنا، نمتلك تقديراً عميقاً لكلا المسارين. وتوفّر الأسس القويّة لبوسطة مرونةً حقيقيّةً، سواءً في الأسواق العامّة أو عبر صفقةٍ استراتيجيّةٍ. وبينما يمكن للأسواق العامّة أن تفتح قيمةً كبيرةً، فإنّها تتطلّب أيضاً جاهزيّةً تشغيليّةً، واتّساقاً، والقدرة على الأداء تحت مستوى أعلى من التّدقيق.” ومن خلال هذا الطّرح يبرز التّوازن بين الفرصة والمتطلّبات.
أمّا بشأن ما ينبغي أن يتحقّق كي يصبح الإدراج في البورصة المصريّة خياراً أمثل، فأوضح عزّت أنّ الأمر يتطلّب تلاقي عوامل داخليّةٍ وخارجيّةٍ معاً. وقال: “لكي يكون الإدراج المحلّيّ في البورصة المصريّة المسار الأمثل، ينبغي أن تتوافر عدّة عناصر. داخليّاً، وصلت بوسطة إلى مستوًى من الحجم والانضباط الحوكميّ واتّساق التّشغيل يتماشى مع معايير الأسواق العامّة، مع مواصلة إضفاء الطّابع المؤسّسيّ وتعزيز هذه القدرات استعداداً للمرحلة التّالية من النّموّ. وخارجيّاً، من شأن زيادة عمق المشاركة المؤسّسيّة، وتغطية البحوث، وإلمام المستثمرين بنماذج أعمال اللّوجستيّات المدعومة بالتّكنولوجيا أن يدعم تقييماً عادلاً وسيولةً مستدامةً.” وبذلك يرتبط القرار بسياق السّوق بقدر ارتباطه بجاهزيّة الشّركة.
ومن زاويةٍ أوسع، رأى زعبي أنّ إدراج بوسطة -إن تمّ- سيحمل دلالةً رمزيّةً وعمليّةً لبقيّة الشّركات التّقنيّة في مصر، رغم اعترافه بالتّحدّيات الهيكليّة القائمة. وقال: “لا تزال عمليّات الخروج تمثّل نقطة الضّعف في منظومة التّكنولوجيا الإقليميّة. فبينما تسارع تأسيس الشّركات ونموّها، لم يثبت القطاع بعد بشكلٍ متّسقٍ نتائج سيولةٍ على نطاقٍ واسعٍ. وإذا أدرجت بوسطة محلّيّاً، فسيبعث ذلك إشارةً قويّةً مفادها أنّ الشّركات المستدامة ذات الحوكمة الجيّدة الّتي بنيت في مصر قادرةٌ على الوصول إلى جاهزيّة الأسواق العامّة وتحقيق نتائج مؤثّرةٍ. وعلى نطاقٍ أوسع، نأمل أيضاً أن نظهر أنّ مسارات السّيولة الثّلاثة الرّئيسيّة -البيع الثّانويّ، والصّفقات الاستراتيجيّة، والطّروحات العامّة- كلّها قابلةٌ للتّحقّق عندما يبني المؤسّسون بانضباطٍ ونيّةٍ طويلة الأمد”.
ومع ذلك، لم يغفل زعبي عن التّحذير من تعميم تجربة الإدراج، إذ أضاف: “لن تكون الأسواق العامّة المسار الصّحيح لمعظم الشّركات النّاشئة في المنطقة. فمن واقع خبرتنا في إدراج شركاتٍ في البورصة، فإنّ العمل كشركةٍ مدرجةٍ مع الاستمرار في التّوسّع أمرٌ بالغ الصّعوبة ويتطلّب مستوى من القدرة على التّنبّؤ، والحوكمة، وعمق القيادة لا تحقّقه سوى قلّةٍ من الشّركات”. وفي السّياق ذاته، أشار إلى أنّ نضج المنظومة لا يقاس بالشّعارات، بل بقوّة الأسس.
وأكّد في ختام حديثه أنّ السّيولة تظلّ أولويّةً محوريّةً لمنظومة رأس المال المغامر في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيّما أنّ معظم المؤسّسين والصّناديق لا يزالون يسعون إلى أوّل خروجٍ مؤثّرٍ لهم. وقال: “تخلق عمليّات الخروج النّاجحة دولاب موازنةٍ قويّاً؛ إذ تمكّن المؤسّسين من إعادة الاستثمار كمشغّلين ومستثمرين ملائكيّين، وتعزّز في الوقت ذاته ثقة الشّركاء المحدودين (LPs) في تخصيص مزيدٍ من رأس المال للمنطقة. وكمثالٍ على ذلك، نفخر بالإشارة إلى أنّ عزّت انضمّ كشريكٍ محدودٍ في صندوقنا الإقليميّ المقبل—وهي إشارةٌ ملموسةٌ على نضج المنظومة المتزايد”.
وفي نهاية المطاف، شدّد زعبي على أنّ قرارات الخروج ليست معادلاتٍ بسيطةً، بل مفاضلاتٌ دقيقةٌ بين تحقيق السّيولة الفوريّة ومواصلة بناء قيمةٍ طويلة الأمد، وختم قائلاً: “في النّهاية، القرار قرارهم -فهم من استثمروا الدّم والعرق والدّموع- ويقتصر دور المستثمرين على تقديم الإرشاد والدّعم خلال هذه اللّحظات المحوريّة”.