هل توقف الابتكار في شركتك مشكلة أم فرصة لاستعادة الزخم؟
حين تبدو الشّركات ناجحةً ومستقرّةً، قد يتباطأ الابتكار بصمتٍ نتيجة تكرار الأفكار وغياب وضوح الاتّجاه، ما يبرز الحاجة لإعادة تعريف الأسئلة وربط الإبداع بحاجات السّوق
يلاحظ كثيرٌ من القادة نمطاً يتكرّر حتّى داخل أنجح الشّركات الاستهلاكيّة. تكون الأعمال في حالةٍ جيّدةٍ، وتبدو الإيرادات قويّةً، ويعمل في الشّركة فريقٌ موهوبٌ، كما يكون موقعها في السّوق مستقرّاً وواضحاً. ومن الخارج، يظهر كلّ شيءٍ كأنّه يسير على النّحو الصّحيح تماماً. ومع ذٰلك، يبدأ في الخلفيّة قلقٌ هادئٌ بالتّشكّل تدريجيّاً. فبمرور الوقت، يشعر الفريق بأنّ الابتكار لم يعد يحمل الطّاقة نفسها، بل بدأ يبدو متكرّراً على نحوٍ لافتٍ.
وليس المقصود هنا أنّ الابتكار غائبٌ أو معطّلٌ، بل يكمن الأمر في شعورٍ غريبٍ بالألفة. فنفس أنواع الأفكار تعود للظّهور في أشكالٍ جديدةٍ قليلاً، وتثير جلسات العصف الذّهنيّ الحماس في بدايتها، لٰكنّها تنتهي غالباً بالعودة إلى المساحات المعروفة نفسها. كما تبدو خطوط الابتكار على الشّرائح العرضيّة ممتلئةً بالفرص، ولٰكن عند النّظر إليها في الواقع تبدو أقلّ إقناعاً. وهنا تكمن صعوبة هٰذه اللّحظة؛ فلا يظهر خللٌ واضحٌ، ولا يوجد شيءٌ “مكسورٌ” بمعنًى مباشرٍ. ولهٰذا السّبب بالتّحديد قد تستمرّ هٰذه الحالة أطول ممّا ينبغي.
وعلى عكس ما يتصوّره البعض، لا يحدث تباطؤ الابتكار لأنّ الفرق توقّفت عن المحاولة. بل يحدث العكس في كثيرٍ من الأحيان؛ فتمتلئ الجداول بورش توليد الأفكار، وتتكاثر الاجتماعات بين الفرق المختلفة، وتبقى الطّاقة مرتفعةً في ظاهرها. ومع ذٰلك كلّه، لا يكفي الجهد وحده لضمان التّقدّم. فبمرور الوقت تجد كثيرٌ من المنظّمات نفسها عالقةً في ما يمكن تسميته “مسرح الابتكار”. تكثر فيه النّشاطات، ولٰكنّ النّتائج الجديدة الحقيقيّة تظلّ قليلةً. تولّد الأفكار، وتناقش، وتقيّم، ثمّ توضع جانباً بهدوءٍ، وبعد ذٰلك تعود الدّورة لتبدأ من جديدٍ.
وفي جوهر الأمر، تعود المشكلة إلى مسألة الاتّجاه. فعندما يشعر القادة بأنّ الابتكار يتباطأ، يكون الرّدّ الغريزيّ هو تنظيم مزيدٍ من جلسات العصف الذّهنيّ، وإشراك أصواتٍ داخليّةٍ أكثر، والدّفع نحو تفكيرٍ أكبر وأجرأ. وغالباً ما يحدث ذٰلك على أمل تحريك شيءٍ جديدٍ يكسر جمود الأفكار. ولٰكن، وعلى نحوٍ غير مقصودٍ، قد يضاعف الاندفاع مباشرةً نحو توليد الأفكار المشكلة نفسها الّتي تحاول الفرق حلّها.
فمن دون فهمٍ مشتركٍ للمجال الّذي تريد الشّركة اللّعب فيه، وللمشكلات الّتي تستحقّ الحلّ فعلاً، وللدّور الّذي يجب أن يؤدّيه الابتكار في خدمة الأعمال، تصبح جلسات العصف الذّهنيّ أشبه بالتّجوّل في ضبابٍ مع مكبر صوتٍ. فالصّوت الأعلى لا يعني بالضّرورة رؤيةً أوضح.
ولهٰذا السّبب، لم تبدأ أفضل عمليّات إعادة تنشيط خطوط الابتكار الّتي شهدتها بتوليد الأفكار، بل بدأت بإعادة صياغة الأسئلة الّتي تقف خلفها. فقبل أن يطلب من الفرق تقديم أفكارٍ جديدةٍ وجريئةٍ، يكون من الضّروريّ التّوقّف قليلاً وطرح بعض الأسئلة الأساسيّة: ماذا يعني الابتكار حقّاً لهٰذه الشّركة في هٰذه المرحلة؟ وأين نحن مستعدّون للتّوسّع والتّجربة، وأين لا نريد ذٰلك؟ وأيّ التّوتّرات الاستهلاكيّة تتصاعد حاليّاً وليست مجرّد ظواهر سطحيّةٍ؟ وأيّ الافتراضات تحوّلت بهدوءٍ إلى “حقائق” لم يعد أحدٌ يشكّك فيها؟
تعدّ هٰذه النّقاشات أساسيّةً، لأنّها تضع إطاراً يوجّه الإبداع بدلاً من أن يتركه يتشتّت. فعندما يصبح كلّ شيءٍ أولويّةً، لا يبقى أيّ شيءٍ أولويّةً حقيقيّةً.
ومن أقوى التّحوّلات الّتي تحدث أثناء إعادة ضبط الابتكار نقل نقطة البداية من النّقاشات الدّاخليّة إلى السّوق نفسه. فلا يكفي قراءة التّقارير، بل يجب فهم كيف يتصرّف المستهلكون فعلاً، وما الصّعوبات الّتي يواجهونها، وما الّذي يبحثون عنه، وما الّذي يكتبونه في المراجعات، وكيف تتغيّر توقّعاتهم بشكلٍ هادئٍ ومتدرّجٍ.
وعندما تعيد الفرق الاتّصال بالواقع الحقيقيّ لتجربة المستهلك، تبدأ الفرص في الاتّضاح بشكلٍ طبيعيٍّ. فتتحلّل النّقاشات الطّويلة، وتجد الأفكار الّتي كانت تبدو مجرّدةً أرضاً واقعيّةً تقف عليها. وعندها لا يعود الابتكار مجرّد اختراع أفكارٍ ذكيّةٍ، بل يصبح حلّاً لمشكلاتٍ حقيقيّةٍ تهمّ النّاس فعلاً.
ومع ذٰلك، يتردّد بعض القادة في إشراك شركاء خارجيّين في مشاريع الابتكار، لأنّهم يشعرون بأنّه يجب على الفرق الدّاخليّة أن تجد الأفكار بنفسها. لٰكنّ الواقع يظهر أنّ حتّى أقوى الفرق تستفيد من نظرةٍ جديدةٍ. وليس ذٰلك لأنّ المواهب الدّاخليّة ناقصةٌ، بل لأنّ القرب الشّديد من القطاع قد يضيّق الرّؤية أحياناً. فالخبرة العميقة قد تجعل بعض الأنساق الرّاسخة تبدو طبيعيّةً للجميع، ومع مرور الوقت تتحوّل بعض الافتراضات إلى حقائق غير مرئيّةٍ لأنّ الجميع يشتركون فيها.
وهنا تبرز أهمّيّة الصّوت الخارجيّ الّذي يستطيع طرح أسئلةٍ لم يعد الدّاخليّون يفكّرون في طرحها: لماذا يوجد هٰذا القيد أصلاً؟ هل لا يزال هٰذا الاعتقاد صحيحاً؟ وماذا لو كان تعريف القطاع نفسه يتغيّر؟ وفي كثيرٍ من الأحيان، تكون هٰذه الأسئلة أهمّ من أيّ فكرةٍ منفردةٍ.
وفي النّهاية، لا تتّبع عمليّة إعادة بناء خطوط الابتكار مساراً منظّماً وخطّيّاً. فغالباً ما تظهر فيها لحظات توقّفٍ وإعادة تفكيرٍ، وأحياناً تضطرّ الفرق إلى مراجعة قراراتٍ سابقةٍ. وقد يكون ذٰلك غير مريحٍ، لأنّه يتحدّى الطّرق المألوفة في التّفكير. ولٰكنّ إعادة ضبط الابتكار بشكلٍ حقيقيٍّ تتطلّب قدراً من الصّبر، خصوصاً في المنظّمات الّتي تعمل وفق إيقاعاتٍ ربعيّةٍ سريعةٍ.
فإعادة بناء خطّ الابتكار لا تعدّ إشارةً إلى الفشل، بل تدلّ على أنّ المنظّمة تتطوّر. فالأسواق تتغيّر، والقطاعات تنضج، وتوقّعات المستهلكين تتبدّل، واستراتيجيّات النّموّ تتوسّع. وما نجح براعةً قبل خمس سنواتٍ قد لا يكون كافياً للسّنوات الخمس القادمة.
ولهٰذا، تكمن قوّة القيادة الحقيقيّة في الاعتراف بهٰذه الحقيقة والتّحرّك على أساسها. فالشّركات الّتي تعاني أكثر مع الابتكار ليست هي الّتي تطلب المساعدة، بل تلك الّتي تفترض أنّها لا تحتاج إليها.
أمّا بالنّسبة لقادة الأعمال الّذين يشعرون بأنّ الابتكار أصبح نشيطاً ومشغولاً، لٰكنّه أقلّ قدرةً على إحداث اختراقاتٍ حقيقيّةٍ ممّا كان عليه في السّابق، فإنّ الخلاصة بسيطةٌ: يبدو هٰذا التّوتّر أمراً شائعاً، وغالباً ما يكون هو نقطة البداية للمرحلة التّالية من النّموّ.
شاهد أيضاً: كيف تُحوِّل القيود إلى دافعٍ للابتكار والإبداع؟