هل تريد تعلّم البرمجة الحدسية؟ ابدأ بصناعة لعبة الفيديو التي تحلم بها
دليلٌ عمليٌّ يوضح كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لبناء لعبةٍ بسيطةٍ خطوة بخطوةٍ، واكتساب مهارةٍ تقنيّةٍ جديدةٍ قد تفتح الباب أمام تطوير أدواتٍ ومنتجاتٍ رقميّةٍ متقدّمةٍ
أشعل مفهوم البرمجة الحدسية (Vibe Coding) ثورة تكنولوجية متسارعة، لم تكتفِ بإعادة تعريف طريقة بناء البرمجيات فحسب، بل أسهمت أيضاً في إنتاج بعض من أسرع المنتجات نمواً في تاريخ التكنولوجيا، من بينها كلود كود (Claude Code)، وكودكس (Codex)، ولوفابل (Lovable)، وريبلِت (Replit).
وتقوم البرمجة الحدسية على فكرة توجيه وكيل ذكاء اصطناعي لتطوير جزء من البرمجيات، ثم ترك هذا الوكيل يتولى كتابة الشيفرة البرمجية بالكامل بصورة شبه مستقلة. وقد أتاحت منصات مثل كلود كود (Claude Code) للمهندسين ذوي الخبرة قدرات غير مسبوقة، أشبه بقوى خارقة تعزز إنتاجيتهم، وفي الوقت نفسه فتحت الباب أمام رواد الأعمال غير التقنيين لبناء أدوات وتطبيقات ومواقع إلكترونية دون الحاجة إلى خلفية برمجية عميقة.
ورغم هذه الإمكانات اللافتة، يبرز سؤال منطقي: لماذا لم ينضم عدد أكبر من المستخدمين إلى موجة البرمجة الحدسية حتى الآن؟ يعود ذلك جزئياً إلى أن منصات هذا النمط من البرمجة تنطوي على منحنى تعلّم حاد نسبياً، كما أنها لا تقدم تجربة تأهيل سلسة للمستخدمين الجدد. وغالباً ما لا يكون واضحاً منذ البداية ما الذي يمكن فعله بهذه التقنية، أو كيف يمكن استثمارها بشكل فعلي.
ومن واقع تجربتي، بوصفي شخصاً يواكب صناعة الذكاء الاصطناعي بشكل يومي منذ ما يقرب من أربع سنوات، أجد أن أفضل طريقة لتعلّم البرمجة الحدسية هي بناء شيء محدد يرتبط باهتماماتك الشخصية. وتُعد لعبة صغيرة تعمل عبر المتصفح نقطة انطلاق مثالية لاختبار هذه التقنية؛ فهي منخفضة المخاطر، ولا ترتبط مباشرة بنشاطك التجاري، كما تتيح لك بسهولة ملاحظة كيف تؤثر تفاعلاتك مع وكيل الذكاء الاصطناعي في تطور البرنامج. وإضافة إلى ذلك، فهي تجربة ممتعة بطبيعتها.
وفي هذا التمرين، سنستخدم تطبيق كلود (Claude) المكتبي على أجهزة ماك، مع اشتراك احترافي بقيمة 20 دولاراً. وقد أجريت كامل المحادثة باستخدام ميزة ديسباتش (Dispatch)، وهي خاصية أطلقتها شركة أنثروبيك (Anthropic) مؤخراً، وتتيح لكلود إنشاء الملفات وتحريرها على جهازك حتى أثناء مراسلته من الهاتف المحمول. ويعني ذلك أنك تستطيع توجيه كلود لبدء كتابة الشيفرة، ثم الخروج في نزهة قصيرة، ومتابعة التقدم لاحقاً من هاتفك.
ابدأ بالموجّه الأول
يُعد الموجّه الأول حجر الأساس في تجربة البرمجة الحدسية، إذ يحدد نبرة المشروع واتجاهه منذ البداية. لذلك، من الأفضل أن تبدأ بفكرة واضحة ومفصلة حول ما ترغب في تحقيقه. حاول أن تتخيل لعبة تعكس اهتماماتك المتخصصة؛ لعبة قد لا توجد أساساً لولا أنك قررت صنعها بنفسك. فهذه الخصوصية ستساعدك على توليد مزيد من التفاصيل، بما يجعل تجربة اللعب أكثر عمقاً وتعقيداً بطريقة مُرضية.
في المثال الخاص بي، أردت تجربة دمج لعبة محاكاة إدارية مع لعبة تقمّص أدوار على غرار فاينل فانتسي (Final Fantasy). وكان هذا هو الموجّه الذي قدمته لكلود:
"لننشئ لعبة تعمل عبر المتصفح بعنوان كيه بي آي كويست (KPI Quest). إنها لعبة تقمّص أدوار إدارية تلعب فيها دور رائد أعمال يسعى إلى توسيع شركته مع ضمان تحقيق جميع الموظفين لأهدافهم. عليك تحديد أهداف الموظفين، ومتابعة حالتهم، ومساعدتهم على تطوير مهاراتهم، وحل النزاعات بين الزملاء، وترقية الموظفين، والتعامل مع مخالفات الموارد البشرية، وغير ذلك، بينما تعمل على بناء شركتك لتصبح أقوى وأكبر. أريد رسومات بكسل كلاسيكية بدقة 8-بت على غرار ألعاب فاينل فانتسي الأصلية. كما يجب أن تكون اللعبة متوافقة مع الهواتف المحمولة وشاشات اللمس. دعنا نطوّر الفكرة ونقترح طرقاً تجعل حلقة أسلوب اللعب قوية".
قد تلاحظ أن الموجّه الأول كان طويلاً نسبياً، وهذا في الواقع عنصر أساسي في البرمجة الحدسية؛ إذ من الأفضل تزويد الذكاء الاصطناعي بقدر أكبر من التفاصيل، بدلاً من تركه يملأ الفجوات بنفسه.
وردّاً على هذا الموجّه، طرح كلود عدداً من الأسئلة التوضيحية: ما المورد الأساسي الذي يجب على اللاعب إدارته؟ كيف يمكن الفوز أو الخسارة في اللعبة؟ وما النسخة المقابلة لـ"القتال" في هذه اللعبة؟ فأخبرت كلود أن المورد الأساسي يجب أن يكون الوقت، وأن يفوز اللاعب عندما تنجح شركته في تنفيذ طرح عام أولي في البورصة (IPO)، وأن يكون "القتال" في اللعبة عبارة عن مراجعة مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) وخوض "مواجهات" فردية مع الموظفين.
ثم أضفت قائلاً: "لست متأكداً من كيفية جعل ذلك ممتعاً وجذاباً، أترك هذه المهمة لك".
المسودة الأولى المُنشأة بالبرمجة الحدسية
بهذا، أصبح لدى كلود ما يكفي للبدء، فأنشأ "مهمة خلفية" جديدة، قام خلالها بتطوير موجّه أكثر تفصيلاً للعبة كيه بي آي كويست (KPI Quest)، وبدأ فعلياً في تطوير اللعبة. وبعد نحو عشر دقائق، أرسل لي ملف إتش تي إم إل (HTML) يحتوي على النسخة الأولى، وكانت النتيجة جذابة ولطيفة.
استفاد كلود من اقتراحي باعتبار الوقت المورد الأساسي، فابتكر نظام "نقاط العمل" (Action Points - AP)، حيث يحصل اللاعب على عدد محدود من النقاط لإنفاقها على الأنشطة خلال كل ربع سنوي. فعلى سبيل المثال، يتطلب عقد اجتماع فردي مع موظف نقطة واحدة، وكذلك مراجعة مؤشرات الأداء، بينما يتطلب توظيف موظف جديد نقطتين و15 ألف دولار. وكان التحدي الأساسي يتمثل في الحفاظ على مستوى مهارات الموظفين ومعنوياتهم مرتفعاً دون تعريضهم للإرهاق.
الاستمرار في التطوير
كانت البداية قوية بالفعل، لكنها لم تخلُ من بعض المشكلات الجوهرية. إذ كانت اللعبة تعتمد بشكل شبه كامل على النصوص، باستثناء بعض الشخصيات البكسلية التي تمثل الموظفين. لذلك، طلبت من كلود إعادة تصميم بصري شامل، وقلت له: "أريد أن أرى هؤلاء الأشخاص الصغار اللطيفين يعملون معاً داخل مكتب!"
وبحلول ذلك الوقت، كان الليل قد تأخر، فطلبت من كلود البدء، ثم ذهبت إلى النوم. وعندما استيقظت في صباح اليوم التالي وتفقدت هاتفي، وجدت أن كلود أرسل ملفاً محدثاً يتضمن نسخة جديدة من اللعبة، وكانت النتيجة مبهرة. فبدلاً من جدار من النصوص، أصبحت شاشة اللعبة تعرض مكتباً متحركاً بأسلوب بكسلي، يضم جميع موظفي الشركة الافتراضيين. ومع توظيف المزيد من الموظفين، يبدأ المكتب في التوسع تدريجياً.
احتوت هذه النسخة على كل ما كنت أبحث عنه: حلقة أسلوب لعب متماسكة، وأسلوب فني جذاب، واستراتيجية حقيقية. فمن خلال مراجعة مؤشرات الأداء، يمكن للاعبين تحديد الموظفين الذين ينبغي إعطاؤهم الأولوية خلال الربع الحالي، لكن الاعتماد المفرط على موظف واحد يؤدي في النهاية إلى إرهاقه.
اللعبة النهائية المُنشأة بالبرمجة الحدسية
استغرق المشروع بأكمله نحو ساعة واحدة من صياغة الموجّهات الفعلية، موزعة بين مساء واحد وصباح اليوم التالي. ومن المرجح أن تكون لعبتك مختلفة تماماً عن لعبتي؛ وهذا هو الهدف أساساً. فأفضل مشاريع البرمجة الحدسية هي تلك التي تنبع من اهتماماتك الخاصة ورؤيتك الفريدة. تعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه شريكاً حقيقياً، وستتمكن من بناء أشياء مدهشة بالفعل.
ولهذا السبب، نوصي بعدم البدء بخطة عمل أو تطبيق إنتاجية. بل ابدأ باللعبة التي لم تكن تعلم أنك ترغب دائماً في لعبها. وبالطبع، فإن الهدف الأساسي من هذا التمرين هو مساعدتك على تعلّم مهارة إنتاجية جديدة وقوية. ومن هناك، وبعد أن تصبح أكثر راحة مع البرمجة الحدسية، يمكنك البدء في استخدامها لبناء وكلاء خاصين بك لأتمتة الجوانب المرهقة من عملك، أو حتى تصميم منتج برمجي مبتكر بنموذج البرمجيات كخدمة. وفي نهاية المطاف، يبقى الحد الوحيد هنا هو خيالك.
نُشر هذا المقال في الأصل على موقع Inc.com