الرئيسية التنمية مساعدة الآخرين عند المصابين بالاكتئاب بين قرب فوري واستنزاف

مساعدة الآخرين عند المصابين بالاكتئاب بين قرب فوري واستنزاف

دعم الآخرين قد يمنح المصاب بالاكتئاب سعادة وقرباً فورياً، لكنه قد يخلّف لاحقاً إنهاكاً نفسياً وانخفاضاً في الرضا

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

مساعدة الآخرين عند المصابين بالاكتئاب: فائدة اجتماعية فورية وتكلفة نفسية مؤجلة

قد يبدو دعم صديق يمرّ بوقت صعب عملاً إيجابياً يحمل آثاراً نفسية واجتماعية جيدة للجميع، لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن الصورة أكثر تعقيداً لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب. فبينما يمنح تقديم المواساة شعوراً فورياً بالقرب الاجتماعي والسعادة اللحظية، قد يخلّف لاحقاً عبئاً نفسياً يقلل من الرضا عن الحياة خلال الساعات التالية.

هذا النمط يُعرف في علم النفس باسم تنظيم المشاعر بين الأشخاص من الخارج، أي محاولة شخص ما تهدئة مشاعر شخص آخر أو رفع معنوياته. وتوضح دراسة حديثة أن هذا السلوك قد يكون مفيداً ومجهداً في الوقت نفسه عندما يتعلق الأمر بمرضى الاكتئاب الشديد.

كيف يبدو هذا الموقف في الحياة اليومية؟

تخيّل امرأة تُدعى سارة تجلس في مقهى هادئ مع صديقتها التي تتحدث عن أسبوع مرهق في العمل. سارة نفسها تعاني من انخفاض مزاجي مستمر مرتبط باضطراب الاكتئاب الشديد، ومع ذلك تميل بشكل تلقائي إلى الإنصات وتقديم كلمات مشجعة لتخفيف توتر صديقتها.

في تلك اللحظة، قد تشعر سارة باتصال إنساني حقيقي وبراحة عاطفية مؤقتة. لكن هذا الجهد الإنساني الجميل قد يستهلك من طاقتها النفسية أكثر مما يبدو على السطح، خاصة إذا كانت مواردها العاطفية محدودة أصلاً بسبب الاكتئاب.

ما هو تنظيم المشاعر بين الأشخاص من الخارج؟

يركز كثير من الحديث حول الاكتئاب على صعوبة إدارة الشخص لمشاعره الداخلية، مثل الحزن والقلق وفقدان الدافعية. لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو الطريقة التي يؤثر بها الفرد في مشاعر الآخرين ويتأثر بها في المقابل.

تنظيم المشاعر بين الأشخاص من الخارج يعني أن يقوم الفرد بمواساة شخص آخر، أو محاولة تهدئته، أو تخفيف حزنه وقلقه. وتشرح الباحثة يوهوي تشين من كلية العلوم الصحية في جامعة مانشستر هذا الجانب بقولها:

“يمكن لتنظيم المشاعر بين الأشخاص من الخارج أن يعزّز الشعور بالارتباط، لكنه قد يحمل أيضاً كلفة عاطفية ينبغي أخذها في الاعتبار في السياقات العلاجية”.

تكمن أهمية هذا الطرح في أنه لا يكتفي بمراقبة الناس داخل المختبر، بل يتتبع حياتهم اليومية كما هي، بما فيها من تفاعلات معقدة ومتغيرة.

نتائج الدراسة: ماذا يحدث عندما يواسي المصاب بالاكتئاب شخصاً آخر؟

اعتمدت الدراسة على 52 بالغاً، نصفهم مشخصون سريرياً باضطراب الاكتئاب الشديد، والنصف الآخر من الأصحاء. وعلى مدى 28 يوماً، تلقّى المشاركون ثلاث إشعارات يومياً عبر الهواتف الذكية. وكان السؤال الأساسي بسيطاً لكنه بالغ الدلالة: هل قمت بمواساة أحد منذ الرسالة السابقة؟

بعد ذلك، قاس الباحثون العلاقة بين هذا السلوك وبين مجموعة من المؤشرات النفسية في اللحظة نفسها، مثل:

  • الشعور بالسعادة
  • الرضا عن الحياة
  • الإحساس بالقرب من الآخرين

الفائدة الفورية كانت واضحة

أظهرت النتائج أن مواساة الآخرين ارتبطت بزيادة ملحوظة في الشعور بالقرب الاجتماعي وارتفاع في السعادة اللحظية لدى المجموعتين معاً: المصابين بالاكتئاب والأشخاص الأصحاء.

واللافت أن هذا الأثر الاجتماعي الإيجابي كان أقوى لدى المصابين بالاكتئاب. فعندما بادر الشخص المكتئب إلى دعم غيره، شعر بدرجة أعلى من التواصل الإنساني مقارنةً بنظرائه غير المصابين بالاكتئاب.

هذه النتيجة تضيف بعداً مهماً لفهم العلاقة بين الاكتئاب والتفاعل الاجتماعي. فبدلاً من النظر إلى الاكتئاب على أنه يطفئ المتعة الاجتماعية بالكامل، تشير البيانات إلى أن السلوك المساند للآخرين قد يصبح وسيلة فعالة لإعادة وصل الشخص المكتئب بالعالم من حوله.

لكن لماذا تظهر تكلفة نفسية لاحقاً؟

رغم الأثر الإيجابي الفوري، كشفت الدراسة عن ما سمّته الأثر السلبي الممتد. فبعد ساعات من تقديم الدعم، أبلغ المصابون بالاكتئاب عن انخفاض ملحوظ في مستوى الرضا العام عن حياتهم.

هذا يعني أن الفائدة المباشرة لا تمنع حدوث إنهاك لاحق. فالمهمة العاطفية المتمثلة في تهدئة شخص آخر، وإيجاد الكلمات المناسبة، ومشاركة همومه، قد تكون مرهقة بشدة لشخص يصارع أصلاً أعراضاً مثل التعب النفسي، والاجترار، وثقل المزاج.

أما الأشخاص الأصحاء، فقد بدوا أكثر قدرة على تجاوز هذا العبء دون أن ينعكس سلباً على شعورهم العام بالرضا. وهنا يظهر ما يمكن وصفه بأنه ضريبة تنظيمية يدفعها المصاب بالاكتئاب مقابل لطفه ودعمه للآخرين.

التفسير النفسي: الكفاءة، الإرهاق، والاجترار

1. الشعور بالكفاءة النفسية

يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال نظرية التحديد الذاتي التي طورها ديشي وريان، والتي تؤكد أن الإنسان يحتاج إلى الشعور بالكفاءة والقدرة على التأثير الإيجابي. فإذا حاول الشخص مساعدة غيره لكنه شعر أن دعمه لم يكن كافياً أو لم ينجح، فقد يتراجع إحساسه بالكفاءة بشكل واضح.

بالنسبة للمصاب بالاكتئاب، قد يكون هذا الأثر أشد، لأن المرض نفسه يرتبط غالباً بانتقاد الذات والإحساس بالعجز. لذلك قد تتحول محاولة المساعدة من لحظة قرب إنساني إلى تجربة تستنزف الثقة بالنفس لاحقاً.

2. إرهاق تنظيم المشاعر

إعادة صياغة مشكلات شخص آخر، والبحث عن كلمات داعمة، وكبح ردود الفعل الذاتية، كلها عمليات ذهنية وعاطفية تتطلب طاقة. وعندما تكون هذه الطاقة محدودة، قد يصل الفرد إلى حالة من إرهاق تنظيم المشاعر، أي التعب الناتج عن بذل جهد نفسي مستمر في التعامل مع المشاعر، سواء كانت مشاعره أو مشاعر غيره.

هذا الإرهاق لا يعني أن المساندة خطأ، بل يعني أن تقديم الدعم يحتاج إلى حدود صحية، خاصة لدى من يعانون هشاشة نفسية أو أعراضاً اكتئابية مستمرة.

3. الاجترار بعد التفاعل الاجتماعي

من السمات المعروفة في الاكتئاب الميل إلى الاجترار، أي إعادة التفكير في المواقف مراراً بصورة سلبية. بعد انتهاء الحديث مع الصديق، قد يبدأ الشخص المكتئب في التساؤل:

  • هل قلت الشيء الصحيح؟
  • هل بدوت مقنعاً بما يكفي؟
  • هل كنت عبئاً بدلاً من أن أكون داعماً؟

هذا النوع من التفكير يمكن أن يفسد الأثر الإيجابي الذي تحقق في اللحظة نفسها، ويحوّل تجربة المساندة إلى مصدر للشك الذاتي والانخفاض المزاجي.

الخوف من الرفض يزيد التعقيد

تتصل النتائج أيضاً بما يعرف بـنموذج الحساسية للرفض. فالأشخاص المصابون بالاكتئاب قد يترددون أصلاً في تقديم الدعم للآخرين خوفاً من أن يُرفض تدخلهم أو يُساء فهمه. وعندما يتجاوزون هذا الحاجز ويقدمون المساندة بالفعل، يصبح النجاح في بناء القرب الاجتماعي ذا معنى كبير بالنسبة لهم.

لكن هذا النجاح قد يظل هشاً إذا تبعته موجة من الشكوك أو الاستنزاف الذهني. ولذلك فإن فهم هذه الدينامية مهم جداً في العلاقات الشخصية، وفي العلاج النفسي أيضاً.

ماذا تعني هذه النتائج لعلاج الاكتئاب؟

تركز كثير من العلاجات النفسية الشائعة، مثل العلاج المعرفي السلوكي، على تنظيم الأفكار والمشاعر الداخلية. غير أن هذه الدراسة تشير إلى أن هناك جانباً اجتماعياً ينبغي التعامل معه بجدية: كيف يساعد الشخص الآخرين من دون أن ينهك نفسه؟

هذا لا يعني مطالبة المصاب بالاكتئاب بالانسحاب من العلاقات أو التوقف عن تقديم الدعم، بل يعني تعليمه أن يوازن بين التعاطف مع الآخرين والحفاظ على موارده النفسية.

مداخل علاجية قد تكون مفيدة

  • تعليم مهارات وضع الحدود العاطفية وعدم تحمّل ما يفوق القدرة.
  • مساعدة المريض على التمييز بين التعاطف الصحي والاستنزاف العاطفي.
  • تدريب الشخص على ملاحظة علامات الإرهاق بعد التفاعل الاجتماعي.
  • تقليل الاجترار عبر استراتيجيات معرفية وسلوكية مناسبة.
  • الاستفادة من العلاج المرتكز على التعاطف لتعزيز اللطف تجاه الذات والآخرين معاً.

وقد يكون من المفيد أيضاً أن يتعلّم الشخص المصاب بالاكتئاب أن المساندة لا تعني دائماً حل مشكلات الآخرين، بل قد يكفي أحياناً الإصغاء باهتمام أو الحضور الهادئ دون تحمّل عبء “إنقاذ” الطرف الآخر بالكامل.

كيف يمكن دعم الآخرين من دون استنزاف النفس؟

إذا كان الشخص يعاني من الاكتئاب أو من أعراض مزاجية مستمرة، فهناك طرق أكثر استدامة لتقديم الدعم الاجتماعي:

  1. اختيار الوقت المناسب للمساندة عندما تكون الطاقة النفسية أفضل.
  2. تقديم دعم واقعي وبسيط بدلاً من محاولة إصلاح كل شيء.
  3. أخذ فترات راحة بعد التفاعلات العاطفية المكثفة.
  4. مراقبة المشاعر بعد المساعدة والانتباه لأي تراجع حاد في الرضا أو المزاج.
  5. الحديث مع معالج نفسي عند ملاحظة أن دعم الآخرين يتحول باستمرار إلى مصدر إنهاك.

هذه الخطوات لا تقلل من قيمة التعاطف، بل تجعل مساعدة الآخرين عند المصابين بالاكتئاب أكثر توازناً وأقل كلفة على الصحة النفسية.

لماذا يظل التواصل الاجتماعي مهماً رغم هذه التحديات؟

على الرغم من الكلفة المحتملة، لا ينبغي فهم النتائج على أنها دعوة للابتعاد عن العلاقات الاجتماعية. فالتواصل الإنساني حاجة أساسية، كما أن الرغبة في مساعدة الآخرين قد تمنح المصاب بالاكتئاب شعوراً بالمعنى والانتماء، وهما عنصران مهمان في التعافي.

لكن الرسالة الأهم هي أن الدعم النفسي للآخرين يجب أن يتم بطريقة تراعي هشاشة الشخص نفسه. فالفعل الإنساني الذي يقوّي الروابط قد يحتاج بدوره إلى حماية نفسية وحدود واضحة حتى لا يتحول إلى عبء خفي.

من هنا تبرز قيمة المقاربة المتوازنة: نعم، يمكن لمواساة صديق أن تمنح المصاب بالاكتئاب دفعة من القرب والسعادة، لكنها تكون أكثر أماناً عندما تترافق مع وعي بالحدود الشخصية، وتقدير لمستوى الطاقة النفسية، ودعم علاجي يساعد على منع الاستنزاف والاجترار.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: