كيف تجيب على سؤال "ماذا تعمل" دون ذكر مسماك الوظيفي؟
رغم ميل النّاس للحديث عن مناصبهم، يبرز تأثيرهم الحقيقيّ حين يصفون ما يقدّمونه للآخرين، فتنتقل الرّسالة من الموقع الرّسميّ إلى القيمة الحقيقيّة
يميل النّاس بطبيعتهم إلى الانشغال بأنفسهم، سواءً على المستوى الشّخصيّ أو المهنيّ؛ ولا يعدّ ذٰلك أنانيّةً أو سلوكاً انتهازيّاً، بل ينبع ببساطةٍ من جوهر الطّبيعة البشريّة. ومع ذٰلك، ورغم أنّ هٰذا الأمر مفهومٌ، لا يساعد بشكلٍ فعّالٍ عندما يتعلّق الأمر بالتّعبير عن كيفيّة رؤيتك لدورك، أو بقيمة العمل الّذي بذلت فيه جهداً كبيراً لبنائه.
تكمن المشكلة في تعريف نفسك من خلال منصبك؛ فكأفرادٍ وكروّاد أعمالٍ، تجد نفسك مضطرّاً في كثيرٍ من الأحيان إلى شرح الدّور الّذي تؤدّيه أنت أو شركتك. وفي هٰذا السّياق، يمتلك كلّ شخصٍ جملةً جاهزةً يلجأ إليها عند سماع السّؤال المتكرّر: «ماذا تعمل؟». وغالباً ما يأتي الرّدّ التّلقائيّ مركّزاً على موقعك داخل الهيكل التّنظيميّ، لا على ما تقدّمه فعلاً. فتقول مثلاً: «أنا نائب مساعد رئيس قسم التّسويق للقنوات الرّقميّة»، أو «أنا مدير الاستدامة لمنطقةٍ معيّنةٍ»، وأحياناً تلجأ إلى عباراتٍ عامّةٍ فارغةٍ مثل: «أعمل في الأسهم الخاصّة». وبالتّالي، يعرف كثيرٌ من المهنيّين أنفسهم من خلال مسمّياتٍ وظيفيّةٍ لا تقدّم صورةً حقيقيّةً عمّا يفعلونه يوميّاً.
ولا يقف الأمر عند هٰذا الحدّ؛ بل تقع في الفخّ نفسه عند شرح طبيعة شركتك النّاشئة، حيث تعتمد على وصفٍ رسميٍّ جافٍّ كتب في مستندات التّأسيس، وهو وصفٌ لا يلهم أحداً ولا يجذب الانتباه. ومن هنا، تتكرّر صيغة «أنا...» أو «نحن...» لتعبّر عن مكانةٍ، لا عن قيمةٍ حقيقيّةٍ.
فعندما تقول: «أنا المدير التّنفيذيّ...» أو «أنا المستشار القانونيّ...»، تقدّم نفسك على أنّك لقبٌ ومنصبٌ، لا تأثيرٌ ودورٌ. وهنا، وبدلاً من بناء جسرٍ من الفهم، تخلق مسافةً بينك وبين من تخاطبه. لذٰلك، غيّر المنطق وقدّم نفسك بناءً على ما تقدّمه، لا على مكانتك. استبدل «أنا» بـ «أساعد»، واجعل تعريفك ينطلق من الأثر الّذي تحدثه. فعلى سبيل المثال، لا تقل: «أنا الشّريك الإداريّ»، بل قل: «أساعد النّاس على التّواصل بشكلٍ أفضل». وهنا، تنتقل من تعريفٍ شكليٍّ إلى تعريفٍ حيٍّ يعكس قيمتك الفعليّة.
وعندما تبني جملتك على صيغة «أساعد [من] على [ماذا]»، ترسل رسالةً واضحةً بأنّك تقيّم نفسك من خلال أثرك، لا منصبك؛ وهو ما يجعل حديثك أكثر جاذبيّةً وإقناعاً. ومع ذٰلك، تجنّب المبالغة؛ فإن كنت معلّماً، فقل ببساطةٍ إنّك تدرّس، دون تزويقٍ مفرطٍ. في بيئات الشّركات، وحيث تصاغ المسمّيات أحياناً للإبهار أكثر من التّوضيح، يجب أن تعيد النّظر في طريقة تعريفك لنفسك؛ فلا تفكّر في منصبك كما يفهم داخل شركتك، بل انظر إلى تأثير عملك في العالم من حولك: كيف تحسّن حياة الآخرين؟
فأنت لست مجرّد «مخطّطٍ ماليٍّ»، بل تساعد النّاس على التّقاعد براحةٍ. ولست «مساعد مديرٍ فنّيٍّ»، بل تساعد النّاس على تخيّل منازلهم كما يحلمون. ولست «مدير امتثالٍ»، بل تساعد زملاءك على البقاء آمنين في بيئة العمل. ومن جهةٍ أخرى، اربط دوماً بين تعريفك ومن تخاطبه؛ فكلّما اقتربت رسالتك من سياقه، زاد تأثيرها. فإن لم تمتلك معلوماتٍ عنه، فاختصر وقل: «أساعد النّاس على التّواصل بشكلٍ أفضل»؛ أمّا إذا ذكر تجربةً أو عرضاً قدّمه، فاربط كلامك بذٰلك مباشرةً.
وبما أنّ النّاس يفضّلون الحديث عن أنفسهم، فأعد توجيه الحوار إليهم بذكاءٍ؛ اسألهم عمّا يهمّهم، وافتح لهم المجال للتّعبير. وهٰذا الأسلوب ينجح في جميع المجالات؛ فإن كنت تعمل في توفير مكوّناتٍ لغذاء الحيوانات، فقل: «أحبّ الحيوانات، وأساعد النّاس على توفير غذاءٍ صحّيٍّ لها». وينطبق هٰذا أيضاً على تعريف شركتك؛ فكم من مرّةٍ قرأت وصفاً يبدو مبهراً، ولٰكنّه غامضٌ لا يفهم؟
قبل أن تجيب عن سؤال «ماذا تعمل؟»، توقّف واسأل نفسك: هل تستطيع قولها دون قراءةٍ؟ فإن لم تستطع، فهٰذا يعني أنّ صياغتك لا تعكس الطّبيعة الحقيقيّة لما تفعل. واسأل نفسك أيضاً: هل يفهمها طفلٌ في العاشرة؟ فإن لم يفهمها، فأنت تستخدم لغةً معقّدةً لا تخدمك.
أخيراً، تأكّد: هل تتحدّث عن نفسك أم عن من تخدمهم؟ فإن كان الحديث يدور حولك، فأعد صياغته ليصبح حول القيمة الّتي تقدّمها. وهنا، تكمن القاعدة الأبسط والأقوى: نحن نساعد ______ على ______.