الشركات الخضراء مطالبة بإثبات الربحية قبل النوايا
لم تعد النوايا البيئية وحدها كافية، إذ يطالب المستثمرون الشركات الخضراء بإثبات الربحية ونموذج أعمال مستدام يحقق قيمة مالية وأثراً ملموساً.
لم يعد وصف الشركة بأنها «خضراء» كافياً لجذب المستثمرين أو ضمان استمرار التمويل. فقد تجاوزت الأسواق المرحلة التي كانت تمنح فيها الشركات الناشئة والمشروعات الجديدة قيمة مرتفعة لمجرد ارتباطها بالطاقة النظيفة أو الاقتصاد الدائري أو خفض الانبعاثات. واليوم، يطلب المستثمرون دليلاً واضحاً على وجود نموذج أعمال يستطيع تحقيق الإيرادات، وحماية الهوامش، وتمويل النمو، والصمود من دون اعتماد دائم على الدعم الحكومي.
لا يعني ذلك تراجع أهمية التحول البيئي. فالاستثمارات العالمية في الطاقة مرشحة للوصول إلى نحو 3.3 تريليون دولار خلال 2025، على أن تستحوذ تقنيات الطاقة النظيفة على قرابة 2.2 تريليون دولار، أي نحو ضعف المبالغ المتجهة إلى النفط والغاز والفحم. لكن اتساع السوق لا يضمن نجاح كل شركة تعمل داخله، لأن رأس المال لا يبحث فقط عن قطاع واعد، بل عن شركة قادرة على تحويل هذا الوعد إلى تدفقات نقدية.
السوق الأخضر لا يلغي قواعد الأعمال
يمكن لشركة أن تقدم منتجاً يساهم في خفض الانبعاثات، لكنها قد تفشل إذا كانت تكلفة إنتاجه أعلى من السعر الذي يقبل العميل دفعه. وقد تمتلك تقنية متقدمة، لكنها لا تستطيع التوسع بسبب اعتمادها على مواد نادرة أو معدات مرتفعة التكلفة أو سلسلة توريد محدودة.
لهذا تفصل الأسواق تدريجياً بين القيمة البيئية وجودة نموذج الأعمال. فالقيمة البيئية قد تفتح باب الاهتمام الأولي، لكنها لا تعفي الشركة من إثبات قدرتها على اكتساب العملاء والاحتفاظ بهم، وتحقيق هامش إجمالي مناسب، وضبط التكاليف، والوصول إلى نقطة التعادل.
ويتأكد ذلك في الصناعات الخضراء التي تحتاج إلى مصانع وبنية تحتية وإنفاق رأسمالي كبير. فقد بلغ الاستثمار العالمي في تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة نحو 200 مليار دولار خلال 2023، بزيادة تجاوزت 70% مقارنة بعام 2022، واستحوذ تصنيع الألواح الشمسية والبطاريات على أكثر من 90% من هذا الاستثمار. ويعني هذا التوسع السريع أن المنافسة لم تعد تدور حول امتلاك الفكرة فقط، بل حول القدرة على الإنتاج بسعر وجودة وسرعة أفضل.
المستثمر يريد معرفة من سيدفع مقابل الاستدامة
تواجه شركات خضراء كثيرة سؤالاً أساسياً: من سيدفع التكلفة الإضافية للمنتج المستدام؟ قد يعلن المستهلكون اهتمامهم بالبيئة، لكن قرار الشراء يتأثر أيضاً بالسعر والجودة والراحة. كما قد تتعهد الشركات الكبرى بخفض انبعاثاتها، لكنها ستقارن بين الموردين وتحاول الحصول على أقل تكلفة ممكنة.
لا يكفي افتراض أن العميل سيقبل سعراً أعلى لأن المنتج أكثر استدامة. تحتاج الشركة إلى إثبات أن ما تقدمه يخفض فاتورة الطاقة، أو يقلل استهلاك المواد، أو يطيل عمر الأصل، أو يساعد العميل على تجنب ضريبة أو غرامة أو خطر تشغيلي.
كلما استطاعت الشركة تحويل المنفعة البيئية إلى قيمة مالية واضحة، انخفض اعتمادها على النوايا الحسنة. عندها لا يشتري العميل المنتج لأنه أخضر فقط، بل لأنه يوفر المال أو يقلل المخاطر أو يحسن الكفاءة.
أما عندما يعتمد النمو على «علاوة خضراء» مرتفعة من دون قيمة اقتصادية موازية، يصبح نموذج الأعمال معرضاً للضغط بمجرد تباطؤ الاقتصاد أو ظهور بديل أرخص.
الدعم الحكومي يسرع السوق لكنه لا يصنع ربحية دائمة
تلعب الإعفاءات الضريبية والمنح والقروض الميسرة والمشتريات الحكومية دوراً مهماً في تخفيض تكلفة التقنيات الجديدة ومساعدتها على الوصول إلى السوق. لكن الشركة التي لا تستطيع الاستمرار إلا بوجود دعم متواصل تظل معرضة لتغير السياسات والموازنات والقيادات السياسية.
يمكن للدعم أن يمول بناء المصنع الأول أو يساعد التقنية على تحقيق حجم إنتاج أكبر، لكنه لا يعالج تلقائياً ضعف الطلب أو ارتفاع تكلفة الوحدة أو غياب الإدارة المنضبطة. لذلك يركز المستثمرون على قدرة الشركة على خفض تكاليفها مع التوسع، بدلاً من احتساب الدعم كأنه مصدر إيرادات مضمون.
كما يدققون في طبيعة الميزة التنافسية. هل تمتلك الشركة براءة تقنية يصعب تقليدها؟ هل تستطيع الوصول إلى المواد الخام بعقود أفضل؟ هل بنت شبكة توزيع أو بيانات أو خبرة تشغيلية تمنع المنافسين من تجاوزها بسهولة؟
الشركة الخضراء القوية تستخدم الدعم للوصول إلى اقتصاديات تجارية مستقلة. أما الضعيفة فتستخدمه لإخفاء نموذج لا يعمل من دونه.
الإيرادات لا تكفي إذا كانت السيولة تحترق
قد تسجل الشركة نمواً سريعاً في المبيعات، لكنها تستهلك النقد بوتيرة أسرع بسبب تكاليف التصنيع والمخزون والضمانات والتركيب والصيانة. وهذه مشكلة واضحة في المشروعات التي تحتاج إلى إنفاق كبير قبل الحصول على الإيرادات أو تحصيلها.
لذلك لا ينظر المستثمر إلى معدل نمو الإيرادات وحده، بل إلى الهامش الإجمالي، وتكلفة اكتساب العميل، ومدة استردادها، وحجم رأس المال العامل، والتدفقات النقدية التشغيلية. كما يريد معرفة مقدار التمويل الذي ستحتاج إليه الشركة قبل الوصول إلى الربحية، وما إذا كانت تستطيع جمعه بشروط مقبولة.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما ترتفع أسعار الفائدة أو يصبح رأس المال أكثر انتقائية. ففي فترات التمويل السهل، يمكن للشركة تعويض الخسائر بجولات استثمارية جديدة. أما في الأسواق المتشددة، فإن غياب طريق واضح نحو الربحية قد يوقف النمو بالكامل.
الاستدامة يجب أن تظهر في القوائم المالية
تتحول معايير الإفصاح المستدام نحو المعلومات التي تؤثر في قرارات المستثمرين، لا نحو سرد الأنشطة والمبادرات فقط. ويطلب معيار IFRS S1 من الشركات الإفصاح عن المخاطر والفرص المرتبطة بالاستدامة التي قد تؤثر في التدفقات النقدية والوصول إلى التمويل وتكلفة رأس المال.
وهذا التحول مهم للشركات الخضراء نفسها. فكونها تقدم حلاً بيئياً لا يعني أنها محمية من مخاطر الاستدامة. قد تعتمد شركة بطاريات على معادن تأتي من مناطق مضطربة، أو تستهلك شركة تدوير كميات كبيرة من الطاقة، أو تواجه شركة ألواح شمسية مخاطر تتعلق بالعمالة والموردين والتخلص من المنتجات بعد انتهاء عمرها.
المطلوب هو إظهار كيفية تأثير هذه العوامل في التكلفة والإيرادات والاستثمارات المستقبلية. فالمستثمر لا يريد تقريراً يقول إن الشركة تساعد الكوكب فقط، بل نموذجاً مالياً يوضح كيف ستحقق عائداً من هذا الدور.
القياس يمنع المبالغة في القيمة الخضراء
يساعد قياس الأثر على إثبات أن المنتج يحقق النتيجة التي تأسست الشركة من أجلها. لكن قياس الانبعاثات التي جرى تجنبها أو المواد التي أُعيد استخدامها يجب أن يرتبط بالأداء التجاري.
ينبغي أن تعرف الشركة تكلفة تحقيق كل وحدة من الأثر، وما إذا كانت هذه التكلفة تنخفض مع التوسع. فقد تحقق شركتان النتيجة البيئية نفسها، لكن إحداهما تحتاج إلى ضعف رأس المال والعمالة والطاقة، ما يجعلها أقل قدرة على المنافسة.
كما أصبحت قابلية البيانات للمقارنة أكثر أهمية مع توسع الإفصاح. وتوضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن الاستدامة المؤسسية تعني دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية في استراتيجية الشركة وعملياتها، بما يساعد المستثمرين على فهم المخاطر والفرص طويلة الأجل. لكنها لا تعني فصل هذه الاعتبارات عن الحوكمة والأداء الاقتصادي.
الربحية تمنح الأثر القدرة على الاستمرار
قد تبدو المطالبة بالربحية قاسية عندما تواجه الشركات الخضراء تكاليف البحث والتطوير وبناء أسواق جديدة. لكن الربحية ليست نقيضاً للأثر، بل شرط لاستمراره وتوسيعه.
الشركة الخاسرة باستمرار قد تضطر إلى تقليص نشاطها أو بيع أصولها أو الخروج من السوق، مهما كانت نواياها إيجابية. أما الشركة التي تحقق عائداً، فتستطيع تمويل الابتكار وتوظيف المواهب وبناء مصانع جديدة والوصول إلى عدد أكبر من العملاء.
لذلك لا يكمن التفوق الحقيقي في تقديم أكثر الوعود طموحاً، بل في بناء منتج أخضر يملك سبباً اقتصادياً قوياً للشراء. وعندما تستطيع الشركة إثبات أن الاستدامة تخفض التكلفة أو تحسن الأداء أو تحمي الأصول، تصبح الربحية نتيجة طبيعية للقيمة التي تقدمها.
المرحلة المقبلة لن تكون أقل دعماً للشركات الخضراء، لكنها ستكون أكثر صرامة في اختيار الفائزين. وستذهب الأموال إلى الشركات التي تجمع بين أثر قابل للقياس واقتصاديات قابلة للاستمرار، بينما ستجد المؤسسات التي تعتمد على الشعارات أن النوايا الجيدة لا تدفع الرواتب ولا تمول التوسع ولا تحميها من المنافسة.