السعودية تشارك لأول مرة كعضو في الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي
السعودية تشارك لأول مرة كعضو في الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي، في خطوة تعزز حضورها في الحوكمة الدولية للتقنيات المتقدمة.
شاركت المملكة العربية السعودية لأول مرة بصفتها عضواً في الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي GPAI، خلال الاجتماع العام الخامس للشراكة الذي عُقد في مقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في باريس، في خطوة تعزز حضور المملكة داخل دوائر صنع السياسات الدولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتمثلت السعودية في الاجتماع عبر الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي “سدايا”، ما يمنح المشاركة بعداً مؤسسياً واضحاً يرتبط مباشرة بالجهة الوطنية المسؤولة عن قيادة ملف البيانات والذكاء الاصطناعي في المملكة.
تأتي هذه المشاركة بعد إعلان انضمام السعودية إلى الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي بوصفها أول دولة عربية تنضم إلى هذه المبادرة الدولية، وهو ما يجعل حضورها في اجتماع باريس نقطة انتقال من مرحلة الانضمام الرسمي إلى مرحلة المشاركة الفعلية في النقاشات والبرامج. فالعضوية هنا لا تعني الحضور الرمزي فقط، بل تفتح الباب أمام المملكة للمساهمة في النقاشات المرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي، وتطبيق مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتطوير أدوات عملية تساعد الدول على التعامل مع فرص التقنية ومخاطرها.
وشهد الاجتماع مشاركة دول أعضاء وخبراء وصنّاع سياسات من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي والتعاون الدولي في هذا المجال. ومثلت المملكة في الجلسات رحاب العرفج، المدير العام للشراكات الاستراتيجية والمؤشرات في “سدايا”، حيث شاركت في نقاشات ركزت على حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتفعيل مبادئ OECD الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وتحديد الاتجاهات المستقبلية لعمل الشراكة.
وتكتسب المشاركة السعودية أهمية إضافية لأنها تأتي في وقت أصبحت فيه حوكمة الذكاء الاصطناعي ملفاً دولياً حساساً. فالتقنية لم تعد محصورة في تطوير النماذج أو التطبيقات التجارية، بل أصبحت مرتبطة بالخصوصية، الأمن السيبراني، العدالة الخوارزمية، حماية البيانات، الشفافية، وتوازن الابتكار مع المسؤولية. ومن خلال GPAI، تستطيع السعودية أن تكون جزءاً من النقاش العالمي حول هذه القضايا، لا مجرد متلقٍ للمعايير التي تضعها الدول الكبرى.
وتعمل الشراكة العالمية للذكاء الاصطناعي، وفق تعريف OECD، على جمع دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والدول المشاركة في GPAI حول أجندة تهدف إلى تطبيق ذكاء اصطناعي آمن وموثوق ومتمحور حول الإنسان. كما تمثل الجلسة العامة للشراكة الهيئة الرئيسية التي تناقش الحوكمة، وتقر مخرجات السياسات، وتوافق على برامج العمل، وتبحث انضمام الأعضاء الجدد. وهذا يمنح مشاركة السعودية قيمة عملية، لأنها تضعها داخل منصة تجمع الحكومات والخبراء وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني حول مستقبل التقنية.
ومن الناحية السعودية، تنسجم هذه الخطوة مع مسار أوسع تقوده المملكة لتعزيز موقعها في اقتصاد البيانات والذكاء الاصطناعي ضمن رؤية 2030. فالمملكة لا تركز فقط على تبني التقنيات الحديثة، بل تعمل أيضاً على بناء إطار وطني للبيانات، وتطوير الكفاءات، وتعزيز الحوكمة، وتوسيع الشراكات الدولية. لذلك تبدو عضوية GPAI امتداداً طبيعياً لمحاولة تحويل الذكاء الاصطناعي إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية والتنظيمية والدبلوماسية.
كما تحمل المشاركة بعداً ثقافياً مهماً، خصوصاً مع تأكيد ممثلة المملكة على أهمية تحويل مبادئ الذكاء الاصطناعي إلى أدوات عملية تراعي اختلاف أولويات الدول ومستويات النضج المؤسسي لديها. وهذا الطرح مهم للدول غير الغربية، لأنه يفتح النقاش حول ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر شمولاً للتنوع اللغوي والثقافي، وألا تنحصر المعايير العالمية في تجارب أو بيانات أو أولويات عدد محدود من الأسواق.
بهذه المشاركة الأولى كعضو، تؤكد السعودية أنها تريد الانتقال من موقع الدولة المستثمرة في الذكاء الاصطناعي إلى موقع الدولة المشاركة في صياغة قواعده الدولية. وبين الاستثمار المحلي في البنية الرقمية، وتوسيع حضور “سدايا” في المحافل العالمية، والانضمام إلى منصات الحوكمة الدولية، يتضح أن المملكة تسعى لبناء نفوذ تقني لا يعتمد فقط على حجم السوق أو التمويل، بل على القدرة على المشاركة في تحديد اتجاه الذكاء الاصطناعي العالمي خلال السنوات المقبلة.