الرئيسية التنمية الإمارات تمنح رواد الأعمال ميزة استراتيجية رغم حالة عدم الاستقرار

الإمارات تمنح رواد الأعمال ميزة استراتيجية رغم حالة عدم الاستقرار

بيئة تشغيل مستقرّةٌ وأطرٌ تنظيميّةٌ واضحةٌ تمنح الشركات الناشئة القدرة على التّخطيط طويل الأمد والتّركيز على النّموّ بدلاً من القلق من الأزمات

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لا يؤسّس أحد شركة لأنه يرغب في قضاء نصف وقته في إدارة البيئة التي تعمل فيها. فمن المفترض أن تتمحور المهمة حول المنتج، والفريق، والسوق -وكل ذلك النوع من عدم اليقين الذي ينشأ عن بناء شيء لم يوجد بعد. وهذا النوع من عدم اليقين هو ما يختاره المؤسسون طوعاً. ولكن ما لا يختارونه هو النوع الآخر: بيئات سياسات تتغير من دون إشارات، وأطر تنظيمية تتطلب إعادة تفسير مستمرة، وأنظمة مالية تفرض احتكاكًا في اللحظات التي تحتاج فيها الشركات إلى التحرك بسرعة.

ثمة مفارقة خاصة في أن الأشخاص الأكثر ارتياحاً لعدم اليقين؛ فرواد الأعمال، بحكم التعريف، هم الذين نظروا إلى احتمالات نجاح الشركات الناشئة وقرروا المضي قدمًا على أي حال، هم أنفسهم الأكثر تضرراً من غياب القدرة على التنبؤ.

فالمخاطر يمكن التعامل معها. إذ يمكن نمذجتها، وتسعيرها، وأحياناً ترويضها. أما غياب القدرة على التنبؤ فمختلف؛ فهو لا يأتي على شكل أزمة، بل يتراكم بوصفه عبئاً تشغيليّاً إضافيّاً. كثيراً ما توصف دولة الإمارات بأنها ملاذ آمن، وهو وصف دقيق بالمعنى الضيق، لكنه يختزل نقطة أكثر أهمية. فالدولة ليست معزولة عن التقلبات العالمية -إذ يبدو أن نصف رؤوس الأموال في العالم يمر عبر الإمارات في أي يوم عادي (45.6 مليار دولار أمريكي من الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2024 وحده)- إلى جانب ما يرتبط بذلك من توترات جيوسياسية.

وكان ذلك صحيحاً قبل أن تدخل المنطقة أكثر فتراتها اضطراباً منذ عقود، ولا يزال صحيحاً حتى الآن، مع اضطراب ممرات الشحن، وتقلب أسواق الطاقة، ووجود صراع نشط على مقربة من الإمارات؛ فالإمارات تقع داخل هذا المشهد، لا فوقه.

لكن ما لا تزال الإمارات توفره هو بيئة تشغيل متسقة: عقود تُحترم، وتغييرات تنظيمية يُشار إليها بدلاً من فرضها، وأطر قانونية واضحة تُطبّق بدرجة من الاتساق؛ فالتقلبات العالمية لا تتوقف عند الحدود، لكن النظام ببساطة لا يضخّمها. ومن الأمور اللافتة في الإمارات أن امتزاج رؤوس الأموال القادمة من مناطق تحمل تاريخاً تنظيمياً مختلفاً وحساسيات سياسية معقدة يبدو أمراً اعتيادياً؛ فالنظام يستوعب كل ذلك بنوع من الحياد المؤسسي الذي، خصوصاً في ظل الوضع الخليجي الحالي، أصبح أكثر قيمة مما يبدو.

في كثير من الأسواق، يتطلب الطموح مفاوضة مستمرة منخفضة الحدة بين ما يعتقد المؤسس أنه ممكن، وما يكون النظام المحيط مستعدّاً لأخذه بجدية. أما في الإمارات، فتُختصر هذه المفاوضة إلى حد كبير؛ فالافتراض العملي هو أن الناس موجودون للبناء، وأن التوسع هو الهدف، وأن الرد المناسب على الطموح المعلن هو التساؤل عما سيحدث بعد ذلك، لا عما إذا كان واقعيًا.

ولهذه القاعدة الثقافية أثر عملي يسهل التقليل من شأنه. فقد أمضى أحد المؤسسين، الذي انتقل مؤخّراً من مركز أوروبي، ستة أشهر في محاولة لفتح حساب مصرفي لشركته هناك. أما في الإمارات، فقد استغرق الأمر أسبوعاً واحداً. ونادراً ما يصف المؤسسون الذين يؤسسون شركاتهم في الإمارات قرارهم بأنه تحوّل استراتيجي كبير. فهم يصلون بالطريقة نفسها التي تُتخذ بها معظم القرارات الجيدة، عندما يدركون أنهم كانوا يستهلكون قدراً كبيراً من الطاقة في مشكلات لا علاقة لها ببناء شركة أفضل.

وعندما لا تستنزف البيئة انتباه المؤسس بهدوء -سواء عبر الشكوك أو القلق المحيط بالعمل في نظام قد يتغير في الربع المقبل- فإن هذا الانتباه يتجه إلى ما هو أكثر فائدة. إذ يعود التركيز إلى المنتج، وإلى قرارات السوق، وإلى ذلك النوع من التفكير طويل الأمد الذي لا يصبح متاحاً إلا عندما يبدو الحاضر مستقراً بما يكفي للتخطيط انطلاقاً منه؛ فمعظم الشركات لا تفشل لأن الفكرة كانت سيئة، بل لأنها أمضت وقتاً طويلاً في التفكير في المشكلات الخاطئة، وعندما عادت إلى المشكلات الصحيحة، كان الوقت قد تحرك.

ولا يعني ذلك أن الإمارات بيئة خالية من الاحتكاك أو منخفضة التكلفة. فالتكاليف حقيقية، بل مرتفعة بشكل لافت في بعض الفئات. والمنافسة جادة، وتزداد كذلك. وتمتلك دبي قدرة على جعل الطموح يبدو ميسوراً إلى أن تبدأ في تسعير شقة مناسبة. لكن هناك فرقاً جوهرياً بين الضغط الناتج عن العمل داخل بيئة فاعلة، والضغط الناتج عن الصراع مع البيئة نفسها.

ما تغيّره بيئة التشغيل المستقرة في النهاية هو الأفق الزمني المتاح للتفكير. ففي الأسواق غير المتوقعة، يميل المؤسسون إلى اعتماد آفاق زمنية أقصر دون أن يدركوا ذلك، ليس بسبب نقص الطموح، بل لأن الالتزام بعيد المدى في نظام قد يبدو مختلفاً في الربع المقبل يبدأ في فقدان معناه.

وهذه هي التكلفة الحقيقية للعمل دون القدرة على التنبؤ. ولهذا السبب، ورغم تعقيد الإمارات وارتفاع تكاليفها، فإنها تظل تتكرر في النقاش نفسه. ليس باعتبارها ملاذاً، بل باعتبارها مكاناً يكون فيه الأفق بعيداً بما يكفي ليكون البناء من أجله مجدياً. وفي نهاية المطاف، ستظل القدرة على التنبؤ هي ما يحافظ على الإمارات خياراً استراتيجياً للمؤسسين الجادين.

نبذة عن الكاتب

يشغل أكشاي ساردانا (Akshay Sardana) منصب نائب الرئيس للاستراتيجية والتطوير الدولي في مجموعة كونتيننتال (Continental Group)، وهي شركة رائدة في الخدمات المالية والوساطة التأمينية انضم إليها في عام 2009، حيث يجسّد طموحات المؤسسة للمستقبل. وهو خريج كلية الإدارة في جامعة بوسطن (Boston University School of Management)، وقد صقل مهاراته في سيتي جروب (Citigroup) في نيويورك، حيث تولّى أدواراً استراتيجية في أقسام المشتقات المالية وأدوات الدخل الثابت.

وعند عودته إلى الشرق الأوسط، حيث أمضى سنواته التكوينية، حمل أكشاي رؤية دولية متجددة، انعكست منذ ذلك الحين في توسع مجموعة كونتيننتال وتطوير أعمالها. وبصفته عضواً أساسياً في الشركة، يقود حالياً توسعها في آسيا وأفريقيا وأوروبا، مع تعزيز العلاقات العالمية القائمة مع الشركاء المصرفيين والمؤسسات المالية وشركات التأمين؛ وذلك دون أن يتخلى عن شغفه بالسفر والموسيقى، ولا سيما عزف البيانو الجاز.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: