مستقبل مزايا الموظفين: هل حان وقت كسر القالب القديم؟
عندما تعيد الشركات تصميمَ مزاياها على أسسٍ تراعي واقع حياة موظّفيها، فإنّها لا تكتفي بتحسين الدعم، بل تعزّز الثّقةَ، وترسّخ الولاء، وتبني مرونةً مؤسّسيةً حقيقيةً
على مدى عقودٍ، بنت المؤسّسات مزايا مكان العمل على تصوّرٍ مبسّطٍ للعمل: توظّف شركةٌ قوّةً عاملةً، يؤدّي الموظّفون مهامّهم، يعودون إلى منازلهم، ثمّ تتكرّر الدّورة في اليوم التّالي كما لو أنّها نظامٌ مغلقٌ لا يتأثّر بشيءٍ خارجه. ووفق هذا المنطق، يفترض أنّ إضافة اشتراكٍ في نادٍ رياضيٍّ أو بدل طعامٍ كفيلةٌ بتحسين المعنويّات وتعزيز الرّضا الوظيفيّ. غير أنّ هذه الصّورة، رغم انتشارها، لم تعكس يوماً الواقع الفعليّ للعمل.
يدرك كلّ من قاد فرقاً بشريّةً أنّ هذه النّسخة المثاليّة من بيئة العمل لم تكن موجودةً أصلاً. فعلى امتداد أكثر من عشرين عاماً من قيادة مؤسّساتٍ والعمل عن قربٍ مع آلاف الموظّفين، رأيت كيف تتقاطع حياة النّاس مع وظائفهم في أكثر لحظاتها تعقيداً: مرضٌ خطيرٌ، رعاية والدين مسنّين، طلاقٌ، ضائقةٌ ماليّةٌ، أو فقدان شخصٍ عزيزٍ. بل واختبرت الفقد شخصيّاً. وما تكشفه تلك التّجارب أنّ الحياة لا تقف عند باب المكتب، ولا تبقى منظّمةً خارج نطاق العمل. سواءٌ استعدّت المؤسّسات لذلك أم لا، يحمل الموظّفون حياتهم كاملةً إلى أماكن عملهم. وعندما تتدخّل ظروف الحياة، لا يتأثّر الفرد وحده، بل تمتدّ التّداعيات إلى الفريق، وإلى الأداء، وإلى مستوى الثّقة داخل المؤسّسة. لذلك يعني أن تكون مديراً جيّداً أن تستجيب حين تطرأ هذه الظّروف، بينما يعني أن تكون قائداً حقيقيّاً أن تتهيّأ لها قبل أن تقع.
ومع ذلك، نظّم العمل طويلاً على افتراضٍ معاكسٍ؛ إذ افترض أن تبقى هذه التّعقيدات غير مرئيّةٍ، أو على الأقلّ خارج إطار المؤسّسة. فقد أثّرت الرّعاية الأسريّة، والمرض، والضّغوط الماليّة، والحزن، والإجهاد النّفسيّ دائماً في طريقة حضور الأشخاص إلى العمل، إلّا أنّ الثّقافة السّائدة طالبتهم بإدارة كلّ ذلك بصمتٍ وفي أوقاتهم الخاصّة. بل اعتبر أحياناً إدخال هذه التّحدّيات إلى مساحة العمل تصرّفاً غير مهنيٍّ، وربّما محظوراً. ونتيجةً لذلك، صمّمت المزايا على أساس هذا الافتراض، لا على أساس التّجربة الإنسانيّة الفعليّة.
انطلقت المزايا التّقليديّة من تصوّرٍ يفترض توفّر الوقت والصّفاء الذّهنيّ والسّعة العاطفيّة. افترضت أن يقرأ الموظّف السّياسات كاملةً، وأن يفهم التّعقيدات، وأن يدافع عن نفسه إداريّاً حتّى في أوقات الأزمات. عمليّاً، تعمل هذه المزايا بكفاءةٍ حين يكون الأفراد في حالة استقرارٍ وهدوءٍ. غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ اللّحظات الّتي تصبح فيها المزايا أكثر أهمّيّةً هي ذاتها اللّحظات الّتي يغيب فيها الاستقرار، ويتراجع فيها التّركيز، وتتقلّص القدرة على التّعامل مع الإجراءات المعقّدة.
أصبح تجاهل هذه الفجوة أكثر صعوبةً أمام القادة. فقد أظهر بحثٌ أجرته شركة Empathy ضمن تقرير مزايا مكان العمل لعام 2026 — وشمل أكثر من خمسة آلاف موظّفٍ وألفاً وخمسمائة صاحب عملٍ في أمريكا الشّماليّة والمملكة المتّحدة — أنّ نحو 80% من أصحاب العمل يتوقّعون زيادة ميزانيّات المزايا في 2026. ومع ذلك، يقرّ أقلّ من نصفهم بأنّ هذه المزايا متوافقةٌ تماماً مع احتياجات الموظّفين. ويتّفق الموظّفون مع هذا التّقييم إلى حدٍّ كبيرٍ. وهنا تتّضح المشكلة: لا يتعلّق الأمر باستعداد الشّركات للإنفاق، بل بمدى ملاءمة الأنظمة الّتي تستثمر فيها للواقع الّذي يعيشه الموظّفون.
ومن اللّافت أنّ النّتائج لم تركّز فقط على نوع المزايا المطلوبة، بل كشفت سبب تعثّر الموظّفين في استخدام ما هو متاحٌ أصلاً. فقد أشاروا إلى الغموض، وتعقيد الإجراءات، وصعوبة الوصول إلى المعلومات باعتبارها العوائق الرّئيسيّة. وأضاف الموظّفون الأصغر سنّاً عاملاً لا يقلّ أهمّيّةً: الخوف من الوصمة أو من أن يحكم عليهم عند الاستفادة من بعض المزايا. وهكذا لا تتحوّل المزايا إلى دعمٍ فعليٍّ، بل إلى نظامٍ يصعب الوصول إليه في أكثر اللّحظات حساسيّةً.
تكشف أحداث الحياة الكبرى هذا الخلل بوضوحٍ لا يقبل التّأويل. فالفقد، ورعاية الآخرين، والمرض الخطير، وفقدان الحمل، والإعاقة، والانتقال إلى التّقاعد، جميعها تشكّل اختبارات ضغطٍ حقيقيّةً لاستراتيجيّات المزايا. ويقرّ أكثر من ربع أصحاب العمل بأنّ دعم الموظّفين خلال هذه الأحداث يمثّل أحد أبرز تحدّياتهم. أمّا المديرون المتوسّطون، الّذين يلامسون معاناة الموظّفين يوميّاً، فيضعون هذا التّحدّي في مرتبةٍ أعلى، ما يعكس اتّساع الفجوة بين التّصميم النّظريّ والواقع العمليّ.
في الوقت نفسه، تتغيّر توقّعات الموظّفين بما يتماشى مع هذا التّحوّل. إذ يرى نحو نصفهم أنّ على أصحاب العمل تقديم دعمٍ منظّمٍ عند وقوع اضطراباتٍ حياتيّةٍ كبرى. ويبرز دعم الحداد كإشارةٍ كاشفةٍ؛ فلا يمكن لأيّ سياسةٍ أن تتنبّأ بعمق أثر الفقد، ولا يرغب أيّ موظّفٍ في التّنقّل داخل منظومة مزايا معقّدةٍ وهو يمرّ بمرحلة حزنٍ. وتشير أبحاث Empathy إلى أنّ 95% من الموظّفين يرون مزايا الحداد ذات قيمةٍ، بينما يخطّط أكثر من 80% من أصحاب العمل لتوسيع هذا الدّعم في 2026. ويكشف هذا المثال ما إذا كانت المزايا مصمّمةً للتّعامل مع هشاشة الواقع الإنسانيّ، أم أنّها ما تزال قائمةً على تصوّرٍ مثاليٍّ للحياة والعمل لم يكن موجوداً أصلاً.
ولن يتحدّد مستقبل مزايا مكان العمل بحداثة الامتيازات أو بعددها، بل بقدرة الأنظمة على الصّمود تحت الضّغط الحقيقيّ الّذي تفرضه الحياة. يتطلّب ذلك تحوّلاً جوهريّاً: الانتقال من افتراض الاستقرار إلى التّخطيط للاضطراب، ومن تصميمٍ يركّز على التّسجيل والاشتراك إلى تصميمٍ يستجيب للّحظة الحرجة، ومن مطالبة الموظّفين بإدارة النّظام بأنفسهم إلى توجيههم استباقيّاً عندما يصبح الدّعم أكثر إلحاحاً.
وعندما تدرك المؤسّسات هذه الحقيقة وتعيد تصميم مزاياها وفقاً لها، فإنّها لا تحسّن دعم موظّفيها فحسب، بل تعزّز الثّقة، وتبني المرونة، وترسّخ الولاء في اللّحظات الّتي تظهر فيها القيادة معناها الحقيقيّ.