لماذا يتجنب المدراء تقديم الملاحظات للموظفين المتفوقين؟
يتردّد القادة في تقديم الملاحظات لأفضل الموظفين خوفاً من الإضرار بالعلاقات، رغم أنّ التّغذية الرّاجعة المنتظمة تعزّز الأداء والاندماج المهنيّ بشكلٍ ملموسٍ
يتجنّب معظم المديرين تقديم الملاحظات للموظّفين المتعثّرين بدرجةٍ أقلّ ممّا يتجنّبون تقديمها لأفضل موظّفيهم. فغالباً ما تظهر الحيرة الحقيقيّة عندما يتعلّق الأمر بأصحاب الأداء العالي؛ أولٰئك الّذين يحقّقون النّتائج باستمرارٍ، ويلتزمون بالمواعيد النّهائيّة دون تأخيرٍ، ويعتمد عليهم داخل الفريق في أصعب المواقف. ومع هٰؤلاء تحديداً يبدأ التّردّد بالتّسلّل إلى قرارات المديرين، إذ يخشون أن تبدو الملاحظات الصّادقة وكأنّها انتقادٌ غير مبرّرٍ، أو أن تضعف الحافز لدى موظّفٍ يحقّق بالفعل أداءً جيّداً. لذٰلك يختار بعض المديرين تخفيف الرّسالة، بينما يفضّل آخرون تجنّب الحديث تماماً حفاظاً على العلاقة المهنيّة.
غير أنّ هٰذا الصّمت لا يمرّ بلا أثرٍ. فوفقاً لبيانات شركة Gallup، لا يوافق سوى 26% من الموظّفين بشدّةٍ على أنّ الملاحظات الّتي يتلقّونها تساعدهم فعلاً على تحسين أدائهم. وفي المقابل، ترتفع نسبة اندماج الموظّفين في العمل بشكلٍ كبيرٍ عندما يتلقّون ملاحظاتٍ ذات معنى بشكلٍ منتظمٍ؛ إذ يصبح الموظّفون الّذين يحصلون على ملاحظاتٍ أسبوعيّةٍ أكثر احتمالاً للانخراط في عملهم بمقدار 3.6 مرّاتٍ. ومن هنا تتّضح المفارقة: فالمشكلة لا تكمن في إدراك أهمّيّة الملاحظات، بل في الخوف من تقديمها، خصوصاً عندما يكون الموظّف أصلاً يحقّق أداءً جيّداً.
لماذا يتردد القادة في تقديم الملاحظات؟
يظهر هٰذا التّردّد في معظم المؤسّسات، بحسب ما يوضّح روبرت سي وايتهاوس، المدير العالميّ للموارد البشريّة في شركة MiQ. فبرأيه لا تكمن أصعب محادثات الملاحظات في التّعامل مع أصحاب الأداء الضّعيف، بل في التّعامل مع أصحاب الأداء العالي. إذ يخشى المديرون أن تتحوّل أيّ إشارةٍ إلى نقاط التّطوير إلى انتقادٍ شخصيٍّ بدلاً من أن تفهم باعتبارها دعماً للنّموّ.
لٰكن تجاهل هٰذه المحادثات لا يحمي المواهب المتميّزة كما يعتقد البعض. بل على العكس تماماً، يحدّ هٰذا التّجاهل من إمكاناتهم ويبطئ تطوّرهم المهنيّ دون أن يشعروا بذٰلك في البداية. ومع مرور الوقت، تتحوّل هٰذه الفجوة إلى عائقٍ حقيقيٍّ يمنع أصحاب الأداء العالي من الوصول إلى مستوياتٍ أعلى من الأداء.
الربط بين الملاحظات وفقدان الحافز
يعود أحد أكبر أسباب هٰذا التّردّد إلى التّصوّر السّائد لدى كثيرٍ من المديرين حول معنى الملاحظات. فكثيراً ما ينظر إلى الملاحظات بوصفها أداةً لانتقاد الأخطاء، لا وسيلةً لتعزيز النّموّ. ولهٰذا السّبب يميل بعض المديرين إلى الاعتقاد بأنّ تقديم الملاحظات يعني ببساطةٍ إخبار الموظّف بما يفعله بشكلٍ خاطئٍ. وعندما يكون الموظّف يؤدّي عمله جيّداً، يتردّد المدير في قول أيّ شيءٍ، ظنّاً منه أنّ الصّمت أفضل من إثارة موضوعٍ غير ضروريٍّ.
غير أنّ هٰذا التّصوّر يتعارض مع ما يريده الموظّفون فعلاً. فقد أظهرت دراسةٌ نشرتها Harvard Business Review أنّ 72% من الموظّفين يعتقدون أنّ أداءهم سيتحسّن إذا تلقّوا ملاحظاتٍ تصحيحيّةً أكثر. كما أنّ أصحاب الأداء العالي بطبيعتهم يميلون إلى البحث عن فرص التّطوّر المستمرّ. لذٰلك عندما تختفي الملاحظات من محيط العمل، لا يشعر هٰؤلاء الموظّفون بالرّاحة أو الحماية، بل يشعرون بأنّ جهودهم تمرّ دون ملاحظةٍ أو تقديرٍ.
الرغبة في حماية العلاقات
إلى جانب ذٰلك، يلعب عامل العلاقات المهنيّة دوراً مهمّاً في تردّد المديرين. فالملاحظات قد تبدو شخصيّةً في بعض الأحيان، وقد تخلق توتّراً مؤقّتاً داخل العلاقة المهنيّة. ولهٰذا يخشى بعض المديرين أن يؤدّي حتّى النّقد البنّاء إلى إضعاف الثّقة بينه وبين الموظّف.
ويظهر هٰذا القلق بشكلٍ أوضح عندما تكون العلاقة بين القائد وأفضل موظّفيه قويّةً بالفعل. فبعض القادة يعتقدون أنّ إثارة مجالات التّطوير مع موظّفٍ ناجحٍ قد تفسّر على أنّها تقليلٌ من إنجازاته. غير أنّ الواقع غالباً ما يكون مختلفاً؛ إذ يرى أصحاب الأداء العالي الملاحظات على أنّها استثمارٌ في تطوّرهم المهنيّ لا انتقاداً لهم.
وتؤكّد بيانات Gallup هٰذه الفكرة بوضوحٍ، إذ يظهر أنّ الموظّفين الّذين يشعرون بأنّ مديرهم يستثمر في تطويرهم المهنيّ يكونون أكثر اندماجاً في العمل، وأقلّ ميلاً للبحث عن فرصٍ خارج المؤسّسة. ولذٰلك لا يضعف الصّمت الثّقة فحسب، بل قد يدفع الموظّفين المتميّزين إلى الاعتقاد بأنّ المؤسّسة لم تعد تهتمّ بتطوّرهم.
تقليل القلق المرتبط بتقديم الملاحظات
تحاول كثيرٌ من المؤسّسات معالجة هٰذه المشكلة عبر تدريب المديرين على نماذج تقديم الملاحظات. فتقدّم لهم أطر عملٍ جاهزةً ونصوصاً إرشاديّةً وقوالب لتقييم الأداء. ومع ذٰلك، يرى وايتهاوس أنّ المعرفة النّظريّة وحدها لا تكفي لتجاوز هٰذا التّردّد. فما يحدث الفرق الحقيقيّ هو الممارسة. إذ يكتسب المديرون الثّقة عندما تتكرّر لديهم فرص تقديم الملاحظات في مواقف حقيقيّةٍ داخل العمل. ومع مرور الوقت، تتحوّل هٰذه المحادثات من لحظات توتّرٍ إلى جزءٍ طبيعيٍّ من إدارة الفريق.
الخلاصة: الحقيقة حول الملاحظات
لا يتجنّب المديرون تقديم الملاحظات لأنّهم لا يهتمّون بموظّفيهم، بل لأنّهم في الواقع يهتمّون كثيراً بالحفاظ على العلاقات المهنيّة وحماية الدّافعيّة داخل الفريق. غير أنّ هٰذا الحرص قد يؤدّي أحياناً إلى نتيجةٍ عكسيّةٍ عندما يتحوّل إلى صمتٍ. فأصحاب الأداء العالي لا يحتاجون إلى الحماية من محادثات التّطوّر والنّموّ، بل يحتاجون إلى قادةٍ مستعدّين لفتح هٰذه الحوارات بصراحةٍ ووضوحٍ. إذ لا يمنح غياب الملاحظات شعوراً بالأمان، بل يخلق إحساساً بالرّكود. ولذٰلك يصبح تقديم الملاحظات الصّادقة، حتّى لأفضل الموظّفين، خطوةً أساسيّةً للحفاظ على نموّهم واستمرار تطوّرهم داخل المؤسّسة.