عندما يتباطأ رأس المال: كيف يحافظ المؤسسون على شركاتهم؟
في أوقات الاضطراب الجيوسياسيّ وتباطؤ الاستثمارات، يوضّح خبراء التّمويل كيف يمكن للمؤسّسين إدارة السيولة بذكاءٍ، وحماية شركاتهم، وإقناع المستثمرين بقدرتها على الصّمود
لعلّ من أكثر الأسئلة إلحاحاً التي يطرحها المؤسسون في أوقات الاضطراب الجيوسياسي سؤالٌ يتعلّق بكيفية إدارة فترة السيولة النقدية لشركاتهم. ولتوضيح المعنى العملي لهذا المفهوم وما ينطوي عليه من دلالات استراتيجية، أجرينا حديثاً مع يوسف سالم، المدير المالي في أدنوك للحفر (ADNOC Drilling)، أكبر مزوّد متكامل لخدمات الحفر في العالم، والمدرجة في سوق أبوظبي للأوراق المالية (Abu Dhabi Securities Exchange – ADX).
ويمتدّ المسار المهني لسالم عبر محطات متعددة تجمع بين الاستثمار والتكنولوجيا وريادة الأعمال. فقد شغل منصب المدير المالي لشركة إيه آي كيو (AIQ)، المشروع المشترك للذكاء الاصطناعي القائم في أبوظبي بين أدنوك (ADNOC) وبريسايت (Presight)، كما عمل مديراً مالياً وعضواً في مجلس الإدارة لدى سويفل (Swvl)، منصة النقل الجماعي والتنقّل العالمية. وإلى جانب ذلك تولّى منصب مدير تنفيذي ومستشار أول في بنك الاستثمار العالمي مويليس آند كومباني (Moelis & Company)، كما أسّس كور71 (Core71)، وهو تجمّع استثماري لروّاد رأس المال المغامر بدعم من هب71 (Hub71)، حيث شغل أيضاً منصب رائد أعمال مقيم. وإلى ذلك يشارك عضواً في مجالس إدارة أو مجالس استشارية لعدد من شركات التكنولوجيا والصناديق الاستثمارية. ومن هذا الموقع الذي يجمع بين الخبرة المالية والرؤية الاستثمارية، يبدو سالم مؤهلاً لتقديم إرشاد عملي للمؤسسين حول كيفية الحفاظ على صلابة الأسس المالية لشركاتهم، وكيف يمكنهم إقناع المستثمرين بأن أعمالهم قادرة على الصمود أمام العواصف الاقتصادية.
شاهد أيضاً: 5 مبادئ قيادية لإدارة الفرق في أوقات الأزمات
ويرى سالم أن فترات عدم الاستقرار كثيراً ما تكشف الجوهر الحقيقي للشركات ومؤسسيها. ويقول: "في أوقات الاضطراب الجيوسياسي يتمثّل المبدأ الأهم في أن فترة السيولة تعادل القدرة على الصمود. ففي الفترات المستقرة يتعامل المؤسسون غالباً مع فترة السيولة بوصفها الزمن الفاصل حتى جولة التمويل التالية. أمّا في لحظات الصراع أو عدم الاستقرار الإقليمي، فإن هذا الافتراض يصبح خطيراً. فحركة رأس المال تبطؤ، ويزداد حذر المستثمرين، وقد يتبدّل النشاط الاقتصادي فجأة".
ويتابع سالم موضحاً: "لهذا ينبغي قياس فترة السيولة على أساس المدة التي تستطيع الشركة خلالها مواصلة العمل إذا ساءت الظروف الخارجية، لا على أساس موعد جولة التمويل التالية فحسب. وثمة طريقة تفكير مفيدة هنا: ينبغي أن تمنحك فترة السيولة وقتاً كافياً لامتصاص الصدمات، وتعديل استراتيجيتك، والوصول إلى محطة مفصلية تجعل الشركة أقوى بصورة لا تقبل الجدل. ففي البيئات غير المستقرة يصبح الزمن أحد أثمن الأصول الاستراتيجية التي يمتلكها المؤسس".
فما الذي ينبغي للمؤسسين فعله اليوم لحماية فترة السيولة أو إطالتها؟ يوضح سالم أن الخطوة الأولى تكمن في التخطيط وفق سيناريوهات متعددة. ويقول: "ينبغي ألا يعتمد المؤسسون على توقع مالي واحد. ففي بيئة متقلبة يصبح من الضروري بناء ثلاثة سيناريوهات على الأقل: سيناريو أساسي، وسيناريو تباطؤ، وسيناريو ضغط تتوقف فيه وتيرة نمو الإيرادات أو تتراجع".
ومن هذا المنطلق، يشير سالم إلى ثلاث أولويات ينبغي أن ينصبّ عليها التركيز. الأولى هي الحفاظ على السيولة حتى تتمكن الشركة من مواصلة العمل خلال فترات الاضطراب. والثانية حماية مصادر الإيرادات الأساسية والعلاقات مع العملاء. أمّا الثالثة فتتمثل في خفض النفقات التي لا تدعم البقاء أو النمو بصورة مباشرة.
ويضيف سالم: "من الأخطاء الشائعة في مثل هذه الفترات التأخر في رد الفعل؛ فكثير من المؤسسين يفترضون أن الظروف ستعود سريعاً إلى طبيعتها، ثم يكتشفون بعد أشهر أن البيئة تغيّرت جذريًا. كما يقع خطأ آخر يتمثّل في خفض التكاليف بشكل عشوائي؛ إذ إن إلغاء الإنفاق الذي يقود الإيرادات أو يحافظ على العملاء قد يضعف الشركة تحديدًا في اللحظة التي تحتاج فيها إلى أكبر قدر من الصمود".
وبعيداً عن خفض التكاليف وحده، ينصح سالم المؤسسين بالتركيز ليس فقط على تقليل معدل الحرق النقدي، بل على تعزيز وضعهم المالي بصورة فاعلة. ويقول: "إحدى أكثر الخطوات فاعلية تتمثل في تحسين تحويل النقد. وقد يشمل ذلك تشجيع العقود السنوية، أو الدفعات المقدمة، أو الصفقات المؤسسية التي تجلب النقد إلى الشركة بوتيرة أسرع. كما ينبغي للمؤسسين البحث عن فرص لتعميق العلاقات مع العملاء الحاليين، لأن الحفاظ على الإيرادات القائمة أكثر كفاءة بكثير من اكتساب عملاء جدد خلال فترات التقلب".
ويشير أيضاً إلى أن بعض المؤسسين قد يضطرون إلى مراجعة بنية الإنفاق لإطالة فترة السيولة. ولهذا يوصي بفحص ثلاث مناطق أساسية: الإنفاق على اكتساب العملاء، وأولويات تطوير المنتج، والنفقات التشغيلية العامة. ففي ما يتعلق باكتساب العملاء، ينبغي التساؤل عمّا إذا كانت قنوات التسويق تحقق نمواً مربحاً أم مكلفاً. وفي ما يخص أولويات المنتج، على المؤسسين أن يسألوا ما إذا كانت فرقهم تعمل على خصائص مستعدّ العملاء للدفع مقابلها. وأخيراً، عند مراجعة النفقات التشغيلية، ينصح بمراجعة الاشتراكات البرمجية وعقود المورّدين والأدوات المتفرقة التي قد تتراكم بصمت لتصبح مصدر حرق مالي ملحوظ. وكما يوضح سالم: "في الأسواق غير المستقرة يصبح التركيز ميزة تنافسية".
ويبرز في هذا السياق سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا احتاجت شركة ناشئة إلى رأس مال جديد، فكيف ينبغي لها أن تتعامل مع جمع التمويل؟ يشير سالم إلى أن المستثمرين في أوقات الاضطراب الجيوسياسي «يميلون إلى تحويل تركيزهم من قصص النمو إلى إدارة المخاطر والانضباط التشغيلي».
وبالنسبة للمؤسسين الباحثين عن الاستثمار، يعني ذلك أن القيادة الرشيدة وتحسين الكفاءة، لا مجرد التوسع، هما ما يبعث برسالة طمأنة للمستثمرين بأن المؤسسين يديرون حالة عدم الاستقرار بوعي. ويقول سالم: "ينبغي للمؤسسين الذين يتوجهون إلى المستثمرين أن يبرهنوا أنهم يفهمون بدقة كيف تؤثر البيئة الراهنة في أعمالهم. وهذا يعني شرحاً واضحاً لكيفية أداء الشركة إذا تباطأ النشاط الاقتصادي أو حدثت اضطرابات في المنطقة".
ويضيف: "يشعر المستثمرون بقدر خاص من الاطمئنان عندما يرون إشارات مثل اقتصاديات وحدة قوية وهوامش ربح في تحسن؛ ودلائل على انضباط التكاليف وتخصيص رأس المال بمسؤولية؛ واستقرار أو نمو في معدلات الاحتفاظ بالعملاء؛ إضافة إلى مسار موثوق نحو الربحية أو نقطة التعادل. ففي فترات عدم الاستقرار يصبح المستثمرون أقل اهتماماً بالتوقعات الطموحة وأكثر اهتماماً بالمؤسسين الذين يظهرون قيادة هادئة تستند إلى البيانات".
ومع دخول المؤسسين الأشهر المقبلة، يوصي سالم بأن يتعاملوا مع هذه المرحلة بوصفها اختباراً حقيقياً لأسس أعمالهم. ويقول: "ابقَ قريباً من عملائك، وافهم اقتصاديات عملك بعمق، وحافظ على المرونة التي تمكّنك من التكيف بسرعة إذا تغيّرت الظروف". ويختتم قائلاً: "إن فترات عدم الاستقرار صعبة، لكنها تعيد تشكيل الأسواق أيضاً؛ فالشركات التي تنجح في اجتيازها غالباً ما تخرج أقوى وأكثر انضباطاً، ومع عدد أقل من المنافسين. وفي الأشهر المقبلة ستكون القدرة على الصمود هي ما يحدّد الفائزين".