بعد سنوات الوفرة.. هل أصبح المؤسس الجيد هو من يعرف متى لا يجمع التمويل؟
تغيّر مزاج الاستثمار العالمي يدفع المؤسسين لإعادة التفكير في جمع التمويل، مع صعود ثقافة الانضباط المالي والاستدامة التشغيلية.
شهدت بيئة الشركات الناشئة خلال السنوات الماضية سباقاً محموماً نحو جمع التمويل، حتى أصبح حجم الجولة الاستثمارية في كثير من الأحيان مؤشراً على نجاح الشركة أكثر من جودة نموذجها التشغيلي أو قدرتها على تحقيق الربحية. لكن مع تغير المزاج الاستثماري عالمياً وارتفاع تكلفة رأس المال، بدأت معايير النجاح داخل عالم ريادة الأعمال تتغير تدريجياً، وبات السؤال الذي يواجه المؤسسين اليوم مختلفاً عمّا كان عليه قبل سنوات: هل تحتاج الشركة فعلاً إلى جولة تمويل جديدة، أم أن الحفاظ على الانضباط المالي قد يكون القرار الأذكى؟
وخلال مرحلة الوفرة التي أعقبت طفرة التكنولوجيا بعد الجائحة، تدفقت الأموال نحو الشركات الناشئة بوتيرة غير مسبوقة، مدفوعة بأسعار الفائدة المنخفضة والرغبة في اقتناص “شركة المليار دولار” التالية. ووفق بيانات CB Insights، تجاوز التمويل العالمي للشركات الناشئة 680 مليار دولار خلال 2021، وهو رقم تاريخي رفع التقييمات وشجع كثيراً من الشركات على التوسع السريع حتى قبل بناء نماذج أعمال مستقرة. لكن المشهد تغيّر بشكل واضح منذ 2023، مع عودة المستثمرين للتركيز على الربحية، وكفاءة الإنفاق، والقدرة على البقاء طويلاً.
وأصبح جمع التمويل اليوم أكثر تعقيداً وانتقائية، خصوصاً في القطاعات التقنية التي كانت تعتمد على النمو السريع كأولوية تتقدم على الربحية. وتشير تقارير PitchBook إلى أن المستثمرين باتوا يفضّلون الشركات التي تمتلك “اقتصاديات وحدة” واضحة، أي نموذجاً يثبت أن كل عميل جديد يضيف قيمة فعلية للشركة بدل زيادة الخسائر التشغيلية. كما أصبحت الشركات التي تستطيع إطالة مدة السيولة النقدية، وتقليل الحرق المالي، أكثر جاذبية مقارنة بالشركات التي تعتمد بالكامل على جولات تمويل متتابعة للبقاء.
وفي هذا السياق، بدأ بعض المؤسسين يتبنون فلسفة مختلفة تقوم على جمع التمويل عند الحاجة الفعلية فقط، وليس لمجرد الاستفادة من شهية السوق أو رفع التقييم. فالحصول على استثمار كبير لا يمنح الشركة المال فقط، بل يفرض عليها أيضاً توقعات نمو مرتفعة وضغوطاً متزايدة لتحقيق عوائد سريعة. ومع كل جولة جديدة، ترتفع قيمة الشركة على الورق، لكن ترتفع معها كذلك صعوبة الوصول إلى مخرج ناجح سواء عبر الاستحواذ أو الطرح العام.
ويرى عدد متزايد من المستثمرين أن المؤسس الجيد لم يعد ذلك الذي يجيد إقناع الصناديق بضخ الأموال، بل الذي يعرف كيف يبني شركة قادرة على الاستمرار حتى في غياب التمويل السهل. وقد عبّر المستثمر الأميركي مارك أندريسن عن هذا التحول حين قال إن “النمو بأي ثمن” لم يعد استراتيجية قابلة للحياة في السوق الحالية، بينما شدد مستثمرون آخرون على أن المرحلة الجديدة تكافئ الكفاءة والانضباط أكثر من الاندفاع.
ولا يعني ذلك أن التمويل فقد أهميته، فالكثير من الشركات ما زالت تحتاج إلى رأس المال للتوسع، وبناء المنتجات، ودخول الأسواق الجديدة. لكن الاختلاف اليوم يكمن في طريقة النظر إلى الاستثمار نفسه. ففي السابق، كان جمع جولة كبيرة يُنظر إليه كنقطة انتصار بحد ذاتها، أما الآن فأصبح المستثمرون يسألون بشكل أعمق: كيف ستُستخدم هذه الأموال؟ وهل تسرّع بناء قيمة حقيقية أم تؤجل المشكلات التشغيلية فقط؟
ويظهر هذا التحول بوضوح داخل أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أيضاً، حيث بدأت الصناديق الإقليمية تركز بشكل أكبر على الشركات التي تمتلك نماذج أعمال واضحة وقابلة للاستدامة. كما أصبحت الشركات التي تحقق إيرادات فعلية، وتملك مساراً واضحاً نحو الربحية، أكثر قدرة على جذب المستثمرين مقارنة بالشركات التي تعتمد فقط على سرديات النمو السريع أو الوعود المستقبلية.
وفي المقابل، دفعت هذه البيئة بعض المؤسسين إلى إعادة التفكير في أولويات التوسع. فبدل التوسع الجغرافي السريع أو التوظيف المبالغ فيه، بدأت شركات ناشئة كثيرة تتجه إلى بناء فرق أصغر وأكثر كفاءة، وتحسين الهوامش التشغيلية، والتركيز على العملاء الأعلى قيمة. كما عاد مفهوم “الشركة المستدامة” ليصبح جزءاً أساسياً من النقاش الاستثماري بعد سنوات كانت فيها الأسواق تكافئ السرعة أكثر من الاستقرار.