الرئيسية التنمية سر النوم العميق: لماذا يتفوق النهج البدائي على التكنولوجيا؟

سر النوم العميق: لماذا يتفوق النهج البدائي على التكنولوجيا؟

تحسين النّوم ليس رفاهيّةً، بل أداة استراتيجيّة لتعزيز الأداء الذّهنيّ والجسديّ، عبر ضبط الإيقاع اليوميّ، وتخفيف التّوتر، وتبنّي عاداتٍ طبيعيّةٍ تعيد للجسم توازنه

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

يُعدّ تحسين النّوم أحد أهم تحدّيات الأداء لعام 2026، وربما يكون من أكثرها صعوبةً وغموضاً في الفهم والتّطبيق. لقد أصبح هذا الموضوع محور اهتمامٍ واسعٍ في مجتمعات تطوير الأداء الحيويّ والسّعي لزيادة طول العمر، وهذا الاهتمام ليس من قبيل الصّدفة، بل مدعوم بأدلّةٍ علميّةٍ راسخة تفسّر أهميته المتزايدة.

إذ تُظهر الأبحاث أن الأفراد الذين يحصلون بانتظام على أقل من 7 إلى 8 ساعات النوم الموصى بها، تنخفض إنتاجيتهم بنسبة 19%، ويصبحون أكثر عرضة لاتباع أنماط غذائية أقل صحية، بل ويعانون أيضاً من تراجع في سرعة ردود الفعل، على نحو يماثل التأثيرات الناتجة عن استهلاك الكحول.

ومع ذلك، لا شيء يبدو قادراً على تقويض ليلة نوم جيدة بقدر القلق بشأن النوم نفسه، وهي حقيقة يدركها جيدًا مدرب الأداء سام نيم (Sam Neame). ولهذا، ينصح عملاءه بالتخلي عن الأجهزة القابلة للارتداء، واستبدالها ببروتوكول عملي يساعدهم على النوم "كما لو كانوا من إنسان العصر البدائي" أو، بتعبير أدق وأكثر واقعية، كما لو كانوا رياضيين أولمبيين.

فبعد مسيرة مهنية في القطاع المالي تركته تحت وطأة الضغط والإرهاق والاحتراق المهني، بدأ نيم -وهو متسابق تجديف في الجامعة سابقاً- التعمق في دراسة العلاقة بين النوم والأداء. وفي عام 2020، أسّس شركته سام نيم للأداء (Sam Neame Performance). ومنذ ذلك الحين، عمل مع مجموعة من التّنفيذيّين والرياضيين، من بينهم الأولمبية لوسي رينشال (Lucy Renshall)، لاعبة الجودو البريطانية التي شاركت في أولمبيادي 2020 و2024، وكذلك إيزابيل بيتر (Isabelle Petter)، لاعبة الهوكي الميداني التي ساهمت في قيادة فريق بريطانيا العظمى إلى إحراز الميدالية البرونزية في أولمبياد 2020، قبل أن تعود للمنافسة مجدداً في دورة 2024.

وتوضح بيتر أنها لجأت إلى نيم بعد معاناتها مما تصفه بـ"أرق المنافسة"، حيث واجهت صعوبة حقيقية في النوم خلال دورة الألعاب الأولمبية في باريس عام 2024. وتقول في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "لقد تدربت بجد شديد ولفترة طويلة، لكنني وجدت أن متعتي سُلبت بسبب قلة النوم، الأمر الذي أدى إلى مستويات مرتفعة من القلق خلال المنافسات".

غير أنها تؤكد أنه منذ تطبيق توصيات نيم، لاحظت تحسناً هائلاً في جودة نومها ومدته. وتضيف: "خلال رحلة حديثة إلى الصين مع الفريق، يمكنني القول بسعادة إنني نمت لأكثر من ثماني ساعات كل ليلة"، وتتابع: "أشعر الآن بطاقة أكبر ودافع أقوى للتدريب، إذ إن التدريب بعد ليلة نوم سيئة لم يكن يوماً تجربة مريحة. أما الآن، فقد استعَدت متعتي، ولم أعد أشعر بالخوف أو القلق من الرحلات أو البطولات".

ولتحقيق نتائج مماثلة لما حققته بيتر، يوصي نيم بمجموعة من الممارسات التي يؤكد أنها يمكن أن تفيد أي شخص يسعى لتحسين نومه، سواء كان يستعد لتقديم عرض مصيري تحت الضغط، أو يتدرب لمواجهة تحديات بدنية على منحدرات كورتينا (Cortina).

التخلّي عن الهاتف لتقليل التوتر

يُعد التحكم في مستويات التوتر أحد أهم العوامل الحاسمة في السعي نحو نوم صحي وعميق. وعلى الرغم من أنه لا يمكن السيطرة على المواعيد النهائية الكبرى أو المنافسات الدولية، فإن ثمة وسيلة بسيطة لكنها فعالة للمساعدة في ضبط التوتر، تتمثل في الحد من استخدام الهاتف خلال الفترات المحيطة بالنوم، سواء في بداية اليوم أو نهايته.

فالهواتف الذكية تمثل بوابة مفتوحة إلى مخاوف العالم ومصادر قلقه، كما أنها في الوقت ذاته مصدر لتحفيز إفراز الدوبامين، ولهذا يوصي نيم بخلق بيئة خالية من الهاتف خلال أول 30 إلى 40 دقيقة من اليوم.

ويشرح ذلك بقوله: "يكون الدماغ في أكثر حالاته قابلية للتشكّل والتأثر خلال هذه الفترة من اليوم؛ فإذا كان أول ما أفعله هو استخدام الهاتف، فإنني أعرّض نفسي لجرعات صغيرة ومتكررة من التوتر، وهو أمر بالغ الأهمية، لأنه يحدد النبرة النفسية لبقية اليوم".

أما خلال الليل، فينصح نيم بإبقاء الهاتف خارج غرفة النوم تماماً، لتجنب إغراء تصفح تطبيقات مثل إنستغرام (Instagram) أو تيك توك (TikTok). ويشبّه ذلك بقوله: "الأمر يشبه إعطاء طفل كمية كبيرة من الحلوى قبل النوم. إنه محفّز بدرجة مفرطة وعلى مستوى عميق".

وبالنسبة لأولئك الذين يعتمدون على هواتفهم كمنبه، قد يمثل هذا التغيير تحديّاً في البداية. غير أن استخدام ساعة منبه تقليدية بجانب السرير يمثل حلّاً واضحاً وعمليّاً، كما يمكن أيضاً وضع الهاتف في وضع الطيران.

التعرّض لضوء النهار في بداية اليوم

هنا يتجلى المعنى العملي لفكرة النوم على طريقة الإنسان البدائي. إذ يوضح نيم أن التعرض للضوء الساطع في الصباح يرسل إشارة واضحة إلى الدماغ بأن وقت الاستيقاظ قد حان. (ومن البديهي، بطبيعة الحال، عدم النظر مباشرة إلى الشمس). ورغم أن هذا قد يبدو بديهياً، فإن الأدلة العلمية تدعمه بقوة، كما أن مجرد فتح الستائر لا يوفر التأثير ذاته.

ويرتبط ذلك بمفهوم "اللوكس" (lux)، وهو وحدة قياس شدة الضوء. وحتى في الأماكن التي يكون فيها الضوء أضعف، وخاصة خلال فصل الشتاء، فإن الخروج إلى الهواء الطلق يظل الطريقة الأكثر موثوقية للحصول على مستويات أعلى من التعرض الضوئي. ووفقاً لمركز ماونت سيناي (Mount Sinai)، يمكن أن تكون شدة الضوء في الخارج أعلى بما يصل إلى 300 مرة مقارنة بالداخل.

كما يسهم الضوء الساطع في تحفيز إفراز هرمون الكورتيزول في التوقيت المناسب خلال الصباح، إضافة إلى تحفيز النواقل العصبية مثل الدوبامين والنورإبينفرين والإبينفرين، وهي جميعها ترتبط بحالات اليقظة والرفاه والاستجابة، وفقاً لما ورد في بودكاست مختبر هوبرمان (Huberman Lab)، الذي يقدمه عالم الأعصاب في جامعة ستانفورد أندرو هوبرمان (Andrew Huberman). ويؤكد نيم أن قضاء ما بين خمس إلى عشر دقائق خارج المنزل في الصباح يمكن أن يهيئ الجسم لنوم أفضل بعد ساعات طويلة، عندما يحين وقت النوم لاحقاً.

اعرف حدودك مع الكافيين

إذا كان صباحك لا يكتمل دون كوب كبير من القهوة، فلا داعي للقلق. إذ لا يوصي سام نيم (Sam Neame) بالتخلي عن الكافيين كلياً. بل، كما هو الحال مع استخدام الهواتف الذكية، يرى أن المسألة تتعلق بالاعتدال وضبط التوقيت، لا بالحرمان التام. ويقول: "اشرب بقدر ما تشاء، لكن توقف عند منتصف النهار. راقب كيف ستنام، وستتفاجأ بالنتيجة".

ولتحديد ذلك بشكل أدق، يوصي نيم بالتوقف عن استهلاك الكافيين عند حوالي الساعة 12:30 ظهراً. ويعود السبب في ذلك إلى ما يُعرف بالعمر النصفي للكافيين، أي المدة التي يحتاجها الجسم لاستقلاب نصف الكمية المستهلكة منه، والتي تبلغ نحو خمس ساعات لدى الأفراد الأصحاء، وفقاً لأبحاث لجنة معهد الطب للتغذية العسكرية (Institute of Medicine Committee on Military Nutrition Research).

وبمعنى آخر، فإن استهلاك الكافيين في وقت متأخر من اليوم قد يبقي الجهاز العصبي في حالة تنبيه، حتى عندما يحين وقت النوم، وهو ما يعرقل الانتقال الطبيعي إلى حالة الاسترخاء.

أرهق نفسك… ذهنياً وجسدياً

بالنّسبة للمؤسسين والتنفيذيين والموظفين العاملين في بيئات عالية الأداء، قد يكون الإرهاق الذهني أمراً مألوفاً وسهل التحقيق. غير أن نيم يؤكد أن الإرهاق الجسدي لا يقل أهمية، إذ يجب أن يصل الجسد أيضاً إلى حالة الاستعداد الفسيولوجي للنوم. وهنا يأتي دور التمرين البدني، مع التأكيد على أن التوقيت يمثل عاملاً حاسماً.

ويشير إلى أن ممارسة التمارين في وقت مبكر من اليوم تُعد الخيار الأمثل، نظراً لأن التمارين المكثفة ترفع مستويات الكورتيزول، وهو هرمون التوتر. كما وجدت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة سليب (Sleep) أن ارتفاع مستويات الكورتيزول في الجسم قبل النوم يؤدي إلى تقليص مدة النوم وتدهور جودته.

ويشرح ذلك بقوله: "إذا لم تتمكن من ممارسة الرياضة عند منتصف اليوم، فأنا أتأكد من أن عملائي لا يمارسون تمارين رفع الأوزان في المساء، لأن ذلك يرفع مستويات الكورتيزول، وهو ما يعني ببساطة أنك ستدخل النوم بمستويات مرتفعة من الأدرينالين".

ومع ذلك، يقرّ بأن ممارسة التمارين في المساء تظل أفضل من عدم ممارستها إطلاقاً. لكن في هذه الحالة، يوصي بأن تكون التمارين منخفضة الشدة، مثل اليوغا أو تمارين الكارديو الخفيفة، لأنها تساعد على تنشيط الجسم دون إبقائه في حالة استثارة مفرطة.

الكربوهيدرات… حليفك لا عدوك

إن النوم على طريقة الإنسان البدائي لا يعني بالضرورة تناول الطعام بالطريقة ذاتها، على الأقل ليس بالشكل الذي يروج له بعض المؤثرين المثيرين للجدل. إذ يدعو نيم إلى اتباع نظام غذائي متوازن قائم على الأطعمة الكاملة، مع التأكيد مجدّداً على أن التوقيت يلعب دوراً جوهرياً.

فمن أجل نوم مثالي، ينصح ببدء اليوم بوجبة غنية بالبروتين، مع الحد من الكربوهيدرات النشوية. غير أن لهذه الكربوهيدرات دوراً مهماً في تسهيل النوم لاحقاً، مما يجعل من الضروري تناول وجبة مسائية تحتوي على نسبة أعلى منها.

وتشمل المصادر الصحية للكربوهيدرات النشوية الخضروات الجذرية مثل البطاطا؛ والبقوليات مثل العدس والفاصولياء؛ والحبوب الكاملة مثل الأرز. كما وجدت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة فرونتيرز إن نيوتريشن (Frontiers in Nutrition) أن الأنظمة الغذائية الغنية بالكربوهيدرات عالية الجودة يمكن أن تقلل من خطر اضطرابات النوم، في حين أن الكربوهيدرات منخفضة الجودة -خاصة تلك الغنية بالسكر والفقيرة بالألياف- قد تؤدي إلى نتائج عكسية وتضر بجودة النوم.

غرفة نومك… كهفك الحديث

يؤكد نيم أن بيئة النوم تمثل عاملاً حاسماً في جودة النوم. ولهذا، يوصي بتهيئة غرفة نوم مظلمة تماماً، هادئة، مع ترك النوافذ مفتوحة جزئياً -حتى خلال فصل الشتاء- للسماح بدخول الهواء النقي والبارد. كما ينصح بتخفيف الإضاءة الداخلية عند حوالي الساعة الثامنة مساءً، أو بالتزامن مع وقت غروب الشمس الطبيعي.

ويشرح ذلك بقوله: "أنت بذلك تبدأ في محاكاة الظروف التي كان يعيشها الإنسان البدائي. وهذا يساعد الجسم تدريجيّاً على الدخول في حالة أبطأ من اليقظة، تمهيداً للنوم. ومع انخفاض الإضاءة، يرتفع مستوى الميلاتونين، وستشعر بذلك بشكل طبيعي".

ويعيش نيم نفسه في كوخ ريفي على بعد نحو 50 دقيقة من لندن، حيث يقول إن هناك "خيولاً خارج نافذتي". وبالنسبة لشخص يعيش في مثل هذه البيئة الهادئة، قد يكون الوصول إلى نوم مريح أسهل بكثير مقارنة بمؤسس أو تنفيذي يعيش في مدينة صاخبة، حيث يمكن لصوت سيارة إسعاف عابرة أن يقطع استمرارية النوم بسهولة.

ولهذا، بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون إعادة إنتاج هذه البيئة المثالية، يوصي باستخدام سدادات الأذن، والستائر المعتمة، وأجهزة تنقية الهواء، أو حتى النباتات المنزلية. فقد وجدت دراسة أجرتها وكالة ناسا (NASA) عام 1989 أن النباتات المنزلية تمتلك القدرة على إزالة المركبات العضوية المتطايرة من الهواء، مما قد يوفر وسيلة اقتصادية لتحسين جودة الهواء داخل الأماكن المغلقة، رغم أن الدراسة أُجريت في بيئة مخبرية خاضعة للرقابة.

ويضيف نيم -في رأي قد يثير الجدل- أن النوم منفرداً قد يكون الخيار الأفضل عندما تكون الضغوط مرتفعة. إذ يساعد ذلك على تجنب إزعاج "شريك يتحرك باستمرار" أو "قطة تعبر فوق رأسك أثناء النوم". أما فيما يتعلق بالأجهزة القابلة للارتداء، فلديه موقف واضح منها، يصفه بأنه "مثير للجدل إلى حد ما".

ويقول: "أعتقد أن هذه الأجهزة تخلق إحساساً بالمنافسة أكثر من أي شيء آخر. الأمر يشبه أن تستيقظ وتقول: حصلت على نتيجة سيئة. وهذا بحد ذاته بداية سيئة لليوم. هذا الأمر يزعجني". ولهذا، ينصح الرياضيين بالتوقف عن استخدام أجهزة تتبع النوم قبل سبعة أيام من أي حدث مهم، بهدف إزالة هذا المصدر المحتمل للتوتر.

وعند السفر، كما هو الحال بالنسبة للرياضيين والتنفيذيين، يمكن إعادة خلق بيئة نوم مألوفة حتى في أماكن غير مألوفة. إذ يوصي نيم باصطحاب الوسادة المستخدمة في المنزل، أو حتى المرتبة إن أمكن، كما فعل فريق سكاي (Team Sky)، المعروف اليوم باسم إينيوس غريناديرز (Ineos Grenadiers)، خلال سباق طواف فرنسا (Tour de France) عام 2010. وإذا لم تكن ستائر الفندق كافية، فإن الستائر المحمولة المعتمة التي تثبت على النوافذ تمثل خياراً عملياً وميسور التكلفة.

كلمة أخيرة للقادة

في ظل الانتشار الواسع للاحتراق المهني في بيئات العمل المؤسسية، قد يدرك القادة الذين يسعون إلى تحسين أدائهم الشخصي من خلال تحسين جودة نومهم، أن مسؤوليتهم تمتد أيضًا إلى مساعدة فرقهم على تحقيق النوم الصحي.

ولهذا، ينصح نيم القادة بالتواصل المنتظم مع موظفيهم، حتى ولو مرة واحدة أسبوعياً، لفهم ما إذا كانت جودة النوم تمثل مشكلة لديهم. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه يوصي بتوفير موارد تعليمية حول ممارسات النوم الصحي، إلى جانب ترسيخ حدود واضحة وصحية بين العمل والحياة.

ويختتم بقوله: "إن وضع حد واضح للعمل في المساء أمر بالغ الأهمية، وكذلك الحفاظ على تواصل صحي مع فريقك بصفتك قائداً، خاصة فيما يتعلق بصحتهم الجسدية والنفسية".

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 12 min read
آخر تحديث:
تاريخ النشر: