تحسين نتائج التوظيف بخدعة بسيطة: كيف يغير نطاق الرواتب طريقة تقديم المرشحين؟
تكشف دراسةٌ حديثةٌ كيف تؤثّر نطاقات الرّواتب الواسعة في قرارات التّقديم للوظائف وطريقة التّفاوض على الأجور، وما الّذي تعنيه شفافيّة الرّواتب للشّرّكات والمرشّحين
عندما أقرّت ولاية كاليفورنيا قانون الشّفافيّة في الأجور عام 2023، نشرت شركة Tesla إعلاناً لوظيفة مهندس برمجيّاتٍ أوّل يتضمّن نطاقاً للرّاتب يمتدّ من 83 ألف دولارٍ إلى 418 ألف دولارٍ. وفي السّياق نفسه، عرضت شركة Netflix الوظيفة ذاتها بنطاق رواتب يتراوح بين 90 ألف دولارٍ و900 ألف دولارٍ. وتكشف هذه الأرقام منذ اللّحظة الأولى عن ظاهرةٍ لافتةٍ في سوق العمل الحديث، إذ لم تعد الفجوات الواسعة في الرّواتب استثناءً نادراً، بل أصبحت جزءاً من الواقع الّذي يواجهه المرشّحون عند تصفّح إعلانات الوظائف.
وتؤكّد البيانات هذه الصّورة بوضوحٍ. فقد أظهر تحليلٌ حديثٌ نشرته Harvard Business Review، واستند إلى ما يقارب 10 ملايين إعلان وظيفةٍ في الولايات المتّحدة، أنّ متوسّط نطاق الرّواتب المعلن يصل إلى نحو 38 ألف دولارٍ. ومع ذلك، لا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ؛ إذ يتبيّن أنّ الفارق بين الشّركات الّتي تعرض الوظائف المتشابهة قد يتراوح بين 20 ألف دولارٍ وأكثر من 100 ألف دولارٍ، وهو ما يعكس درجةً كبيرةً من التّباين في طريقة تحديد الأجور بين المؤسّسات المختلفة.
وفي الوقت نفسه، تسارعت خلال السّنوات الأخيرة وتيرة انتشار قوانين الشّفافيّة في الرّواتب. فمنذ عام 2020، بدأت عدّة دول في اعتماد تشريعاتٍ تلزم أصحاب العمل بالكشف عن معلومات الرّواتب في إعلانات الوظائف أو أثناء المقابلات. وتهدف هذه القوانين إلى منح المرشّحين صورةً أوضح عن فرصهم الماليّة، كما تسعى في الوقت ذاته إلى تقليص فجوات الأجور المرتبطة بالنّوع الاجتماعيّ أو الخلفيّة العرقيّة. ومع ذلك، وعلى الرّغم من هذه الخطوة التّنظيميّة المهمّة، لا تلزم معظم القوانين الشّركات إلّا بعرض نطاقٍ للرّاتب، بينما تترك تحديد مدى اتّساع هذا النّطاق لتقدير أصحاب العمل أنفسهم.
ولذلك تنشر الشّركات نطاقات رواتب واسعةً لعدّة اعتباراتٍ عمليّةٍ. فمن جهةٍ، قد تشمل الوظيفة الواحدة مستوياتٍ مختلفةً من الخبرة، الأمر الّذي يبرّر وجود مساحةٍ كبيرةٍ بين الحدّ الأدنى والأعلى للرّاتب. ومن جهةٍ أخرى، قد تفرض نماذج العمل عن بعدٍ تعديلاتٍ مرتبطةً بالموقع الجغرافيّ للموظّف، وهو ما ينعكس بدوره على مستوى التّعويضات. إضافةً إلى ذلك، قد تتضمّن حزم التّعويض مكافآتٍ أو أسهماً في الشّركة، وهو ما يوسّع القيمة الإجماليّة للدّخل المحتمل. وبموجب قوانين مثل قاعدة الشّفافيّة في الرّواتب، يتعيّن على أصحاب العمل إدراج تقديرٍ «بحسن نيّةٍ» لما هم مستعدّون لدفعه، غير أنّ الجهات التّنظيميّة لم تضع حدّاً واضحاً لمدى اتّساع هذا التّقدير.
غير أنّ تأثير هذه النّطاقات لا يقتصر على الأرقام وحدها؛ بل يمتدّ ليؤثّر في سلوك المتقدّمين أنفسهم. فقد وجد الباحثون أنّ اتّساع نطاق الرّاتب المعلن يمكن أن يغيّر من طبيعة الأشخاص الّذين يقرّرون التّقدّم للوظيفة، كما يؤثّر في الطّريقة الّتي يتفاوضون بها لاحقاً. فعبر أربع دراساتٍ مختلفةٍ، أظهرت النّتائج أنّ النّساء يملن بدرجةٍ أكبر من الرّجال إلى تفضيل الوظائف الّتي تعرض نطاقات رواتب أضيق. وفي تحليلٍ موسّعٍ لإعلانات الوظائف في الولايات المتّحدة، ارتبطت النّطاقات الواسعة بانخفاض نسبة تمثيل النّساء بين المتقدّمين، حتّى بعد أخذ خصائص الشّركات المختلفة في الحسبان.
ويبدو أنّ هذا النّمط يرتبط بعاملٍ نفسيٍّ مهمٍّ هو تجنّب المخاطرة. فكلّما اتّسع نطاق الرّاتب، ازداد شعور المرشّح بعدم اليقين حول القيمة الفعليّة للعرض النّهائيّ. وقد أظهرت التّجارب أنّ المتقدّمين الّذين اختاروا وظائف ذات نطاقات رواتب ضيّقةٍ كانوا أقلّ اندفاعاً في التّفاوض، إذ طلبوا مبالغ أقلّ عند تقديم عروضهم المضادّة. وفي إحدى التّجارب، بلغ الفارق نحو 3600 دولارٍ. وعلى الرّغم من أنّ الرّقم قد يبدو محدوداً في البداية، فإنّ تأثيره يتضاعف مع مرور الوقت، لأنّ الرّاتب الابتدائيّ يشكّل قاعدةً تتراكم فوقها الزّيادات السّنويّة والتّرقّيات اللّاحقة. ولذلك تشير النّتائج إلى أنّ الطّريقة الّتي تحدّد بها الشّركات نطاقات الرّواتب قد تؤثّر في تنوّع القوى العاملة، كما قد تنعكس على مستويات الدّخل على المدى الطّويل.
وفي هذا السّياق، يوضّح الباحثون أنّ نطاقات الرّواتب تعمل كنقاطٍ مرجعيّةٍ نفسيّةٍ. فعندما يكون النّطاق المعلن بين 60 ألف دولارٍ و80 ألف دولارٍ، ويعرض عليك راتبٌ بقيمة 70 ألف دولارٍ، يبدو العرض قريباً من السّقف الأعلى، ما قد يقلّل من دافعك للتّفاوض. أمّا إذا كان النّطاق بين 40 ألف دولارٍ و100 ألف دولارٍ، ثمّ تلقّيت العرض نفسه البالغ 70 ألف دولارٍ، فسترى بوضوحٍ مساحةً واسعةً فوقك، وهو ما قد يدفعك إلى المطالبة بمبلغٍ أكبر. وهكذا لا تؤثّر الأرقام في الحسابات الماليّة فحسب، بل تشكّل أيضاً توقّعات المرشّحين ومستوى رضاهم واستعدادهم للمطالبة بتحسين العرض.
ولفهم هذا التّأثير بصورةٍ أدقّ، اختبر الباحثون إضافة عنصرٍ بسيطٍ من السّياق إلى نطاق الرّاتب المعلن. فقد اطّلع بعض المتقدّمين على توضيحٍ قصيرٍ يشير إلى أنّ معظم الموظّفين الجدد يبدأون برواتب تقارب 65 ألف دولارٍ، وأنّ الرّاتب النّهائيّ يعتمد على عوامل مثل الخبرة والمهارات ومسؤوليّات الدّور الوظيفيّ.
وقد أحدث هذا التّوضيح البسيط فرقاً ملحوظاً. ففي البداية كانت النّساء أكثر ميلاً من الرّجال بنحو عشر نقاطٍ مئويّةٍ لاختيار الوظائف ذات النّطاقات الضّيّقة. غير أنّ هذا الفارق تقلّص إلى حدٍّ كبيرٍ بعد قراءة الشّرح المرافق لنطاق الرّاتب. بل إنّ الفجوة بين الجنسين في العروض المضادّة أثناء التّفاوض كادت تختفي أيضاً، ما يشير إلى أنّ قدراً بسيطاً من الشّفافيّة الإضافيّة قد يغيّر سلوك المرشّحين بشكلٍ ملحوظٍ.
وبالنّسبة للقادة التّنفيذيّين الّذين يسعون إلى تحسين عمليّات التّوظيف داخل مؤسّساتهم، يبرز الباحثون ثلاث خلاصاتٍ أساسيّةً يمكن الاستفادة منها.
أوّلاً، ينبغي إرفاق نطاقات الرّواتب بتفسيراتٍ واضحةٍ. فإذا كان النّطاق واسعاً، فمن المفيد توضيح المستوى الّذي تبدأ منه العروض عادةً، والعوامل الّتي تحدّد الرّاتب النّهائيّ. إذ يرسل هذا النّوع من التّوضيح إشارةً إلى أنّ نظام التّعويضات قائمٌ على هيكلٍ واضحٍ وليس على قراراتٍ عشوائيّةٍ، كما يقلّل من درجة عدم اليقين الّتي قد تثني بعض المرشّحين — وخاصّةً النّساء — عن التّقدّم للوظيفة.
ثانياً، ينبغي مراجعة النّطاقات الواسعة للغاية. فحين يصبح الفرق بين الحدّ الأدنى والأقصى كبيراً بصورةٍ مبالغٍ فيها، قد يبعث ذلك رسالةً غير مقصودةٍ مفادها أنّ عمليّة تحديد الأجور غير واضحةٍ أو غير مستقرّةٍ. لذلك من المهمّ التّأكّد من أنّ النّطاق يعكس وظيفةً محدّدةً ومستوًى مهنيّاً واضحاً.
ثالثاً، ينبغي النّظر إلى شفافيّة الرّواتب باعتبارها أداةً استراتيجيّةً للتّوظيف، لا مجرّد التزامٍ قانونيٍّ. فطريقة عرض نطاقات الأجور تؤثّر في نوعيّة المرشّحين الّذين يقرّرون التّقدّم، كما تؤثّر في سلوكهم التّفاوضيّ لاحقاً. ولهذا يؤكّد الباحثون أنّ الشّركات الّتي تسعى إلى جذب مواهب متنوّعةٍ وعالية الكفاءة يجب أن تتعامل مع الإفصاح عن نطاقات الرّواتب بوصفه رسالةً تعكس هويّة صاحب العمل وثقافته، وليس مجرّد بندٍ تنظيميٍّ يجب الالتزام به.
شاهد أيضاً: 5 عادات وظيفية تساهم في توسيع فجوة الأجور