الرئيسية سيدات الأعمال المرأة المؤسسة لا تبحث عن فرصة استثنائية بل عن بيئة عادلة للنمو

المرأة المؤسسة لا تبحث عن فرصة استثنائية بل عن بيئة عادلة للنمو

تحتاج المرأة المؤسسة إلى بيئة عادلة تمنحها فرصاً متكافئة في التمويل والاستثمار والأسواق، لتحويل الأفكار إلى شركات قادرة على النمو.

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

لا تحتاج المرأة المؤسسة إلى معاملة استثنائية كي تنجح، بل تحتاج إلى بيئة عادلة تمنح مشروعها الفرصة نفسها التي يحصل عليها أي مشروع جيد. فالفكرة القوية لا تكبر وحدها، والموهبة لا تتحول تلقائياً إلى شركة، والطموح لا يكفي إذا كانت أبواب التمويل أضيق، والشبكات المهنية أقل وصولاً، والأسواق أكثر صعوبة. لذلك لم يعد الحديث عن رائدات الأعمال مرتبطاً فقط بتشجيع النساء على البدء، بل ببناء منظومة تسمح للمشاريع التي تقودها النساء أن تنمو بطريقة طبيعية وعادلة.

تزداد أهمية هذا النقاش لأن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90% من الشركات عالمياً، وتوفر أكثر من نصف فرص العمل، لكنها تواجه فجوة تمويلية كبيرة تصل إلى 5.7 تريليون دولار في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية. وعندما تكون الشركات المملوكة للنساء جزءاً من هذا القطاع، فإن عدم حصولها على فرص متكافئة لا يؤثر على صاحبات المشاريع وحدهن، بل يحد من الوظائف والابتكار والنمو داخل الاقتصاد كله.

العدالة لا تعني الامتياز

هناك فرق كبير بين منح المرأة المؤسسة امتيازاً خاصاً، وبين إزالة الحواجز التي تمنعها من المنافسة بشروط عادلة. فالبيئة العادلة لا تعني أن تحصل صاحبة المشروع على تمويل لأنها امرأة، بل أن يتم تقييم مشروعها بناءً على قدرته الحقيقية على النمو، لا بناءً على افتراضات مسبقة حول حجم طموحها أو قدرتها على إدارة المخاطر.

هذا الفارق مهم لأن بعض النقاشات تختصر ريادة النساء في لغة التمكين فقط، وكأن المشكلة في الثقة أو الحافز. لكن الواقع أكثر تعقيداً. كثير من النساء يملكن أفكاراً قوية ومهارات تشغيلية واضحة، لكنهن يواجهن صعوبة في الوصول إلى المستثمرين، أو بناء علاقات مؤسسية، أو دخول سلاسل التوريد، أو الحصول على تمويل مناسب في وقت مبكر.

التمويل هو اختبار العدالة الحقيقي

تظهر عدالة البيئة الريادية بوضوح عند الحديث عن التمويل. فالمشروع الذي لا يحصل على رأس المال في الوقت المناسب قد يبقى صغيراً، حتى لو كان لديه طلب واضح في السوق. وهذا ينطبق على كثير من المشاريع التي تقودها النساء، حيث لا تكون المشكلة في ضعف الفكرة، بل في ضعف الوصول إلى الأدوات التي تجعل النمو ممكناً.

تقدر مؤسسة التمويل الدولية أن الشركات الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء تواجه فجوة ائتمانية تتراوح بين 1.4 و1.7 تريليون دولار. هذا الرقم لا يكشف فقط حجم العائق، بل يكشف أيضاً حجم الفرصة الاقتصادية المهدرة عندما تبقى مشاريع قابلة للنمو خارج دائرة التمويل المنظم.

الشبكات تصنع فرصاً لا تظهر في العلن

لا يتحرك عالم الأعمال عبر الأرقام فقط. كثير من الفرص تأتي من العلاقات، التوصيات، اللقاءات، المستثمرين، الموردين، والعملاء الكبار. لذلك فإن المرأة المؤسسة لا تحتاج فقط إلى رأس مال، بل إلى شبكة عادلة تتيح لها أن تكون حاضرة في الأماكن التي تُصنع فيها الصفقات.

غياب النساء عن هذه الدوائر يجعل مشاريعهن أقل ظهوراً، حتى عندما تكون قوية. فالمستثمر غالباً يمول ما يراه، والعميل المؤسسي يشتري ممن يعرفه، والشراكة تنشأ عندما توجد قنوات ثقة. ولهذا فإن بناء شبكات استثمار ومشتريات ومسرعات أعمال مفتوحة أمام النساء ليس عملاً رمزياً، بل خطوة ضرورية لتوسيع قاعدة المشاريع القادرة على النمو.

السوق يجب أن يكون مفتوحاً لا ودياً فقط

المرأة المؤسسة لا تحتاج إلى كلمات تشجيع بقدر ما تحتاج إلى سوق يسمح لها بالبيع والتوسع. فقد تحصل رائدة الأعمال على جائزة أو مساحة إعلامية، لكنها لا تستطيع بناء شركة إذا لم تصل إلى العملاء الكبار، أو لم تدخل منصات التجارة، أو لم تحصل على عقود توريد، أو لم تجد قنوات توزيع مناسبة.

هنا يصبح دور الشركات الكبرى والحكومات مهماً. فالمشتريات المؤسسية يمكن أن تكون أداة قوية لدعم المشاريع النسائية إذا تم التعامل معها بجدية. ليس المطلوب شراء منتجات ضعيفة بدافع المجاملة، بل فتح الباب أمام شركات تقودها نساء وتملك جودة حقيقية، لكنها تحتاج إلى فرصة عادلة لإثبات قدرتها.

التقنية تساعد لكنها لا تلغي الحواجز

فتحت التقنية أبواباً جديدة أمام المرأة المؤسسة. التجارة الإلكترونية، الدفع الرقمي، الذكاء الاصطناعي، أدوات التسويق، وأنظمة إدارة العملاء جعلت بناء المشروع أقل تكلفة من السابق. لكن التقنية وحدها لا تصنع عدالة كاملة إذا بقي الوصول إلى الإنترنت والمهارات الرقمية والتمويل الرقمي غير متكافئ.

تشير تقارير ريادة الأعمال الحديثة إلى أن النساء ما زلن أقل حضوراً من الرجال في بعض قطاعات التكنولوجيا والاتصالات، كما أنهن أقل في رؤية فوائد الذكاء الاصطناعي لأعمالهن. ويظهر تقرير Global Entrepreneurship Monitor لعام 2024/2025 أن امرأة واحدة من كل عشر نساء بدأت مشروعاً جديداً في 2024، مقابل رجل واحد من كل ثمانية رجال، ما يعكس تقدماً واضحاً لكنه يؤكد استمرار الفجوة.

البيئة العادلة تبدأ من السياسات

لا يمكن ترك العدالة للسوق وحده. فالأسواق قد تعيد إنتاج الفجوات نفسها إذا لم توجد سياسات تساعد على تصحيح المسار. وهذا يشمل بيانات أفضل عن تمويل الشركات النسائية، منتجات ائتمانية مناسبة، تدريب مالي ورقمي، قوانين تحمي الملكية، أنظمة دفع سهلة، وحاضنات أعمال لا تكتفي بالتدريب العام، بل تربط المشاريع فعلياً بالمستثمرين والعملاء.

أشار البنك الدولي في 2024 إلى أن الوصول المتساوي للنساء إلى التمويل يمكن أن يساهم في توسع الناتج المحلي العالمي بنحو 5 إلى 6 تريليونات دولار، وهو رقم يوضح أن القضية ليست هامشية. فالاقتصاد لا يخسر فقط عندما تُحرم النساء من التمويل، بل يخسر شركات محتملة ووظائف وابتكارات وأسواقاً جديدة.

المشكلة ليست في قدرة المرأة على النمو

كثير من الخطاب التقليدي يتعامل مع المرأة المؤسسة وكأنها تحتاج إلى إثبات مستمر لقدرتها. لكن السؤال الحقيقي يجب أن يكون مختلفاً: هل البيئة من حولها تسمح لهذه القدرة أن تظهر؟ هل تستطيع الوصول إلى التمويل؟ هل تدخل الغرف التي تُعرض فيها الفرص؟ هل تُقيّم فكرتها بموضوعية؟ وهل تجد أنظمة تساعدها على التوسع بدلاً من أن تبقيها داخل نطاق صغير؟

تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول تمويل رائدات الأعمال أشار إلى أن النساء يواجهن عوائق واضحة في الحصول على التمويل لإنشاء الشركات وتنميتها، وأن معالجة هذه الفجوات تحتاج إلى إصلاحات في السياسات والأنظمة المالية، لا إلى مبادرات مؤقتة فقط.

من فرصة استثنائية إلى حق طبيعي في المنافسة

المرأة المؤسسة لا تبحث عن طريق مختصر، ولا عن تصفيق إضافي، ولا عن فرصة استثنائية تُمنح لها مرة واحدة. ما تبحث عنه هو بيئة ترى مشروعها كما هو: فكرة قابلة للاختبار، شركة قابلة للنمو، وفرصة اقتصادية تستحق التقييم العادل.

عندما تصبح البيئة أكثر عدلاً، لن نحتاج إلى التعامل مع نجاح المرأة المؤسسة كحدث نادر. سيصبح جزءاً طبيعياً من الاقتصاد. فالمطلوب ليس صناعة قصص استثنائية قليلة، بل بناء نظام يسمح لمزيد من النساء بتأسيس شركات قوية، وتوسيعها، وتوظيف الآخرين، ودخول الأسواق بثقة. عندها فقط تتحول ريادة النساء من ملف تمكين إلى جزء أصيل من النمو الاقتصادي.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: