أسباب فشل التفويض: ما هي الطرق لتجنبها؟
التفويض العملي فنّ قيادي يوازن بين توزيع المهامّ وبناء الثّقة، ويتطلّب وضوح الأهداف ومتابعة مستمرة لضمان النّمو والكفاءة المؤسّسيّة
يعدّ التّفويض أحد أعمدة الإدارة الحديثة، إذ يمكّن القائد من توزيع الأعباء الإداريّة بذكاءٍ، ويسمح له في الوقت نفسه بتطوير مهارات موظّفيه وتعزيز قدراتهم القياديّة. غير أنّ التّجارب العمليّة تظهر بوضوحٍ أنّ كثيراً من القادة يخفقون في تطبيق التّفويض بالشّكل الصّحيح، فيتحوّل من وسيلةٍ للتّمكين إلى مصدرٍ للارتباك والضّعف التّنظيميّ. وتكمن أسباب فشل التّفويض غالباً في غياب الوضوح عند تحديد المهامّ، وضعف المتابعة الدّوريّة، ونقص الثّقة بين القائد والفريق، إلى جانب اختيار الأشخاص غير المناسبين للقيام بالمهامّ الحسّاسة. وحين تتشابك هٰذه العوامل، تتكوّن بيئة عملٍ يسودها التّردّد وتضيع فيها المسؤوليّات والنّتائج. ومن ثمّ، ينبغي أن يدرك القائد أنّ التّفويض لا يعني التّخلّي عن المسؤوليّة، بل يمثّل ممارسةً قياديّةً دقيقةً تتطلّب وضوحاً في الرّؤية وتواصلاً مستمرّاً وتخطيطاً واعياً لضمان تحقيق الأهداف.
أسباب فشل التفويض: ما هي الطرق لتجنبها؟
تنبع أسباب فشل تفويض المهامّ من سلسلةٍ من الأخطاء الإداريّة والسّلوكيّة الّتي تتداخل فتضعف فاعليّة الأداء المؤسّسيّ. ومن أبرز هٰذه الأسباب ما يلي: [1]
غياب الوضوح في المهام والمسؤوليات
يعدّ غياب الوضوح أحد أخطر أسباب فشل التّفويض، إذ يفقد الموظّف بوصلته عندما لا يفهم بدقّةٍ نطاق مهامّه أو النّتائج المطلوبة منه. ومع انعدام المعايير الواضحة للأداء، يختلط الاجتهاد بالارتباك، فتضيع الجهود دون نتائج ملموسةٍ. ولذٰلك، يجب أن يوضّح القائد لكلّ موظّفٍ دوره وأهدافه بعباراتٍ دقيقةٍ، وأن يحدّد معايير النّجاح قبل انطلاق التّنفيذ. كما يستحسن أن توثّق هٰذه المهامّ في تقارير مختصرةٍ أو رسائل رسميّةٍ تضمن وضوح الاتّجاه وتمنع التّفاسير المتضاربة.
ضعف التواصل بين القائد والموظف
يعدّ ضعف التّواصل من أبرز العوامل الّتي تفشل عمليّة التّفويض، إذ يؤدّي غياب الحوار المنتظم إلى فجوةٍ بين القائد والفريق. وعندما تنقطع المتابعة، تتراكم الأخطاء الصّغيرة حتّى تصبح مشاكل كبيرةً يصعب تداركها. ولذٰلك، ينبغي أن ينشئ القائد قنوات تواصلٍ مرنةً تعتمد على الاجتماعات القصيرة والتّقارير الدّوريّة والمنصّات الرّقميّة، مع مراعاة التّوازن بين المتابعة والدّعم. فالتّدخّل الزّائد يشعر الموظّف بعدم الثّقة، بينما الإهمال الكامل يجعله يشعر بالضّياع. أمّا التّواصل الذّكيّ، فيخلق علاقةً مهنيّةً قائمةً على الشّفافيّة والمساءلة البنّاءة.
اختيار الأشخاص غير المناسبين للمهمة
يفشل التّفويض في كثيرٍ من الأحيان لأنّ القائد يسند المهامّ إلى أشخاصٍ يفتقرون إلى الخبرة أو المهارة الكافية، فيحمّلهم مسؤوليّاتٍ تفوق قدراتهم. وهٰذا الخطأ يعدّ من أكثر أسباب فشل التّفويض الإداريّ شيوعاً، إذ يؤدّي إلى نتائج ضعيفةٍ ويقوّض ثقة الفريق بالقيادة. ولتجنّب هٰذا الخلل، يجب على القائد دراسة قدرات أعضاء الفريق بعنايةٍ، وتوزيع المهامّ وفقاً لمهاراتهم الفعليّة. كما يفضّل أن يبدأ بالتّفويض التّدريجيّ، فيعطي الموظّف مهامّاً بسيطةً في البداية ثمّ يرفع مستوى التّحدّي تدريجيّاً كلّما زادت خبرته وثقته بنفسه. وبهٰذه الطّريقة، ينمو الفريق وتتعزّز روح التّعاون داخل المؤسّسة.
غياب المتابعة والتغذية الراجعة
يخطئ القائد عندما يظنّ أنّ التّفويض يعفيه من مسؤوليّة المتابعة. فغياب الرّقابة البنّاءة يعدّ من أكثر الأسباب الّتي تؤدّي إلى فشل التّفويض، لأنّه يمنع اكتشاف الانحرافات في الوقت المناسب ويضعف القدرة على التّصحيح. ومن أجل الحفاظ على جودة التّنفيذ، يجب أن يحدّد القائد مراحل المتابعة بوضوحٍ، وأن يجري مراجعاتٍ مرحليّةً متّفقاً عليها مسبقاً. كما ينبغي أن تقدّم التّغذية الرّاجعة بروحٍ إيجابيّةٍ تشجّع التّعلّم وتبني الثّقة، لأنّ الهدف ليس المحاسبة بل التّطوير. إنّ المتابعة الذّكيّة تقوم على إشرافٍ داعمٍ لا تدخّلٍ مفرطٍ، بحيث تبقى القيادة موجّهةً لا مسيطرةً.
الخوف من فقدان السيطرة أو من فشل الآخرين
يرفض بعض القادة التّفويض خوفاً من أن يفقدوا السّيطرة أو من أن يرتكب الموظّفون أخطاءً تضرّ بسمعة الفريق. ويعدّ هٰذا الخوف من الأسباب النّفسيّة لفشل التّفويض، لأنّه يمنع القائد من تموين فريقه ويؤدّي إلى احتكار المهامّ. ومع مرور الوقت، يتراكم الضّغط على القائد بينما يشعر الموظّفون بالإقصاء، فتتراجع الحافزيّة وتختفي روح المبادرة. ويكمن الحلّ هنا في بناء الثّقة التّدريجيّة، حيث يمنح القائد صلاحيّاتٍ محدّدةً مع مراقبةٍ معتدلةٍ، ثمّ يزيدها مع تحسّن الأداء. كما يجب أن يشجّع القائد ثقافة الخطأ الموجّه، أي اعتبار الأخطاء فرصةً للتّعلّم لا عقاباً.
غياب الثقة المتبادلة
تعتبر الثّقة العمود الفقريّ لأيّ عمليّة تفويضٍ ناجحةٍ، وغيابها يعدّ من أخطر أسباب فشل التّفويض في بيئة العمل. فعندما لا يثق القائد بقدرات فريقه، يميل إلى التّدخّل في كلّ التّفاصيل، ممّا يربك الموظّفين ويقلّل من استقلاليّتهم. وعلى العكس، عندما لا يثق الموظّفون في نوايا القائد، يتردّدون في اتّخاذ القرارات أو إظهار المبادرة. ولتجاوز هٰذا العائق، يجب بناء بيئةٍ شفّافةٍ تشجّع على المصارحة وتكافئ الالتزام، مع ترك مساحةٍ مناسبةٍ للتّجريب والتّعلّم. فالثّقة لا تمنح دفعةً واحدةً، بل تبنى بالممارسة والاحترام المتبادل عبر الزّمن.
سوء إدارة الوقت وتوزيع المهام
من أسباب فشل التّفويض أيضاً غياب التّخطيط الزّمنيّ المناسب. فعندما لا يوزّع القائد المهامّ حسب أولويّاتها أو قدرات الموظّفين، يحدث التّداخل في العمل وتتأخّر النّتائج. كما أنّ تكليف مهمّةٍ عاجلةٍ لشخصٍ غير متفرّغٍ أو غير مدرّبٍ يؤدّي إلى ارتباك الأداء. ويجب على القائد أن يحدّد المواعيد بواقعيّةٍ، وأن ينسّق بين فرق العمل لضمان الانسجام في الجدول الزّمنيّ. كما يفضّل استخدام أدوات إدارة المشاريع لمراقبة تقدّم المهامّ وتجنّب التّشتّت.
الخاتمة
لا تنحصر أسباب فشل التّفويض في أخطاءٍ إداريّةٍ بسيطةٍ، بل تمتدّ إلى أعماق الثّقافة التّنظيميّة والممارسات القياديّة. فعندما يفهم القائد التّفويض كعمليّةٍ استراتيجيّةٍ تهدف إلى تموين الفريق وتنمية أفراده، يصبح قادراً على تحويله إلى رافعةٍ للنّموّ المؤسّسيّ. ومن خلال وضوح الأهداف، واستمراريّة التّواصل، والاختيار الدّقيق للأشخاص، تبنى الثّقة ويتحوّل التّفويض إلى أداةٍ فاعلةٍ لتحقيق الإنجاز والإبداع في آنٍ واحدٍ. وهٰكذا، ينتقل القائد من إدارة العمل إلى قيادة الإنسان، فتتحقّق كفاءة الأداء واستدامة النّجاح داخل المؤسّسة.
-
الأسئلة الشائعة
- كيف يمكن للقائد بناء الثقة لتجنب فشل التفويض؟ يبني القائد الثقة من خلال الوضوح في التوجيه، وتقدير الجهود، وتقديم الدعم المستمر. كما يجب أن يمنح الموظف مساحة لاتخاذ القرار ويشجعه على تحمل المسؤولية دون خوف من العقاب عند الخطأ.
- ما أثر فشل التفويض على بيئة العمل العامة؟ يؤدي فشل التفويض إلى انخفاض الحافزية وتراجع الإنتاجية، ويخلق شعوراً بالإحباط لدى الفريق. كما تتضرر الثقة المتبادلة، وتزداد الضغوط على القائد، مما ينعكس سلباً على كفاءة المؤسسة واستقرارها الإداري.