لماذا يُعد ترك "وظيفة جيدة" أصعب خطوة مهنية؟
حين بدا المنصب مثاليّاً على الورق، كان القرار مغادرة الوظيفة خطوةً مدروسةً لبدء فصلٍ مهنيٍّ جديدٍ يستند إلى الخبرة ويبحث عن توازنٍ أعمق
لم أترك وظيفةً عاديّة، بل غادرت منصباً كان يبدو مثاليّاً بكلّ المقاييس على الورق؛ إذ جمع بين الاستقرار، والمزايا، والمرونة. ومن الخارج، بدا القرار متهوّراً يصعب تبريره، غير أنّ الحقيقة في الداخل كانت مختلفة تماماً، فقد كنت أستعدّ لهذه الخطوة بصمتٍ منذ زمنٍ أطول ممّا يتخيّله أيّ أحد.
بعد سنواتٍ طويلةٍ قضيتها في تطوير القادة داخل مؤسّسةٍ تقدّر بمليارات الدولارات، تمكّنت من نيل درجة الدكتوراه، ثمّ شققت طريقي لأصبح أستاذاً في كليّة إدارة الأعمال. ولم يكن الوصول إلى هذا الموقع أمراً سهلاً، بل جاء نتيجة عملٍ دؤوبٍ وسعيٍ مستمرٍّ لحجز مكانٍ مستحقٍّ على طاولة القرار.
غير أنّ مسار الأمور تغيّر فجأةً مع موجة تسريحٍ كبيرةٍ اجتاحت المؤسّسة. وعلى الرّغم من نجاتي منها، وجدت نفسي أمام واقعٍ جديدٍ أكثر قسوة؛ إذ ازداد حجم العمل بشكلٍ ملحوظ، في حين تقلّص عدد الفريق، وتراجع التقدير إلى حدٍّ كبير. ومع مرور الوقت، لم يعد الإرهاق مجرّد شعورٍ عابر، بل تحوّل إلى حالةٍ مستمرّةٍ تستنزف طاقتي يوماً بعد يوم.
وفي موازاة ذلك، تصاعدت ضغوط الحياة الشخصيّة بشكلٍ غير مسبوق. كنت أنتمي إلى ما يعرف بجيل السّاندويتش، حيث تتقاطع المسؤوليات من كلّ جانب. ففي الأربعينيّات من عمري، كنت أربّي ثلاثة أطفال، وأقدّم الدعم لوالديّ المسنّين، وأدير تفاصيل الحياة اليوميّة بما فيها رعاية الحيوانات الأليفة، فضلاً عن مساندة شريك حياةٍ يخوض مسيرةً مهنيّةً مليئةً بالتحدّيات. وبين كلّ ذلك، كاد الوقت المخصّص لنفسي أن يتلاشى تماماً. ولم أكن حالةً استثنائيّة، إذ تشير الإحصاءات إلى أنّ أكثر من نصف العاملين يعانون من الاحتراق الوظيفي، وكنت واحداً منهم بلا شكّ.
ولم تكن تجربتي فرديّة، بل تعكس ظاهرةً أوسع. فوفقاً لبيانات Gallup، يراقب 51% من الموظّفين سوق العمل أو يبحثون فعليّاً عن فرصٍ جديدة، وهي أعلى نسبة تسجّل منذ عام 2015. وتطلق المؤسّسة على هذه الحالة مصطلح "الانفصال الكبير"، وهي مرحلة يشعر فيها الموظّفون بأنّهم عالقون، ومنفصلون عن أعمالهم، وغير واثقين من مستقبلهم المهني. ويكمن السّبب الأبرز وراء هذه الموجة في السّعي لتحقيق توازنٍ أفضل بين العمل والحياة، إلى جانب البحث عن رفاهٍ شخصيٍّ أعمق. ولم يكن من الصعب عليّ أن أجد نفسي في كلّ تفصيلةٍ من هذه الصورة.
شجاعة البدء بفصلٍ ثانٍ
لم يعد كثيرٌ من المهنيّين يبحثون عن وظيفةٍ جديدةٍ فحسب، بل أصبحوا يتطلّعون إلى مسارٍ مختلفٍ بالكامل. ومن هذا المنطلق، اتّخذت قراراً ظلّ يدور في أذهان كثيرين بصمت: راهنت على نفسي، واخترت أن أبدأ فصلاً ثانياً في مسيرتي المهنيّة كمؤسّس.
ومع ذلك، لم يكن القرار خالياً من الشكوك. فقد راودتني تساؤلاتٌ مألوفة: أليست الشركات الناشئة حكراً على الشباب في العشرينات الذين يبرمجون من غرفهم الجامعيّة؟ كانت صور النماذج النمطيّة، مثل Mark Zuckerberg، حاضرةً في ذهني، تدفعني إلى التساؤل بصدق: هل فاتني الوقت؟ وهل أنا أكبر من أن أخوض هذه المغامرة؟
لكنّ الأرقام تقدّم روايةً مغايرة تماماً. فالمؤسّسون الشباب ليسوا القاعدة، بل الاستثناء. وتشير دراسات صادرة عن مكتب الإحصاء الأميركي ومعهد MIT إلى أنّ متوسّط عمر المؤسّس يبلغ 45 عاماً، وهو العمر نفسه تقريباً لمؤسّسي الشركات الأسرع نموّاً. بل إنّ البيانات تظهر بوضوح أنّ احتمالات النجاح ترتفع كلّما تقدّم عمر المؤسّس، نظراً لتراكم الخبرة واتّساع الرؤية.
كيف تبدأ فصلك المهني الثاني؟
يبدأ فصلك المهنيّ الثاني حين تُعيد تعريف أولويّاتك، وتحوّل خبراتك المتراكمة إلى مسارٍ جديدٍ أكثر وعياً وتوازناً وتأثيراً.
- تقييم الطاقة قبل النجاح: قد تبدو مسيرتك المهنيّة ناجحةً بكلّ المقاييس الظاهريّة، غير أنّها قد تستنزفك من الداخل بهدوء. وعندما يتحوّل صباح يوم الاثنين إلى عبءٍ ثقيل، فإنّ هذه الإشارة لا ينبغي تجاهلها، بل تستحقّ قراءةً جادّةً لما تعكسه من خللٍ أعمق.
- الفصل بين الخوف والحقائق: يميل كثيرٌ من المهنيّين إلى تضخيم مخاطر التغيير، في مقابل التقليل من قيمة خبراتهم ومهاراتهم. غير أنّ الحقيقة أنّ رأس المال المهني الذي بنوه عبر السّنوات لا يختفي عند تغيير المسار، بل يتضاعف أثره ويعاد توظيفه بطرقٍ أكثر فاعليّة.
- التعامل مع الفصل الثاني كاستراتيجيّة: لا ينطلق أنجح المؤسّسين من نقطة الصفر، بل يبنون على ما يمتلكونه من معرفةٍ وتجارب وشبكاتٍ وعلاقات. وهذا التراكم لا يمثّل عبئاً، بل يشكّل ميزةً تنافسيّة حقيقيّة تمنحهم انطلاقةً أقوى.
- تحوّلٌ مهنيٌّ في منتصف الطريق: ما زلت في المراحل الأولى من بناء شركتي Impactful Change، وما يزال أمامي الكثير لأتعلّمه. غير أنّ حقيقةً واحدةً أصبحت واضحةً لا لبس فيها: البدء من جديد في منتصف المسيرة لا يعني أبداً البدء من الصفر.
وإذا كنت اليوم في وظيفةٍ تبدو مثاليّةً على الورق، لكنها تستنزفك تدريجيّاً من الداخل، فهذه ليست علامة ضعف، بل دليل وعي. فالبيانات تؤكّد أنّ الوقت مناسب، وخبرتك الشخصيّة تقول إنّك مستعدّ.
إنّها اللحظة التي تبدأ فيها كلّ خبراتك بالتراكم الحقيقي، وتتحوّل فيها السّنوات الماضية إلى رصيدٍ يبنى عليه المستقبل. ولم يبق سوى سؤالٍ واحدٍ حاسم: هل تمتلك الشجاعة الكافية لتراهن على نفسك؟