حين يصبح الذكاء بنية لا أداة: هل تقف المنطقة على أعتاب التحول الحاسم؟
تؤكّد هيلينا هيريرو أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من بنية HP التّحتيّة، مع التّركيز على تمكين المؤسّسات لتحويل التّكنولوجيا إلى نتائج ملموسةٍ
تتبوّأ هيلينا هيريرو (Helena Herrero)، النّائب الأوّل للرّئيس والمدير الإداريّ لمنطقة جنوب وشرق أوروبا والشّرق الأوسط وأفريقيا في HP Inc، موقعاً يتيح لها رؤية العالم من منظور القيادة في صدارة التّكنولوجيا العالميّة، ومن هذا المنطلق ترى أنّ العالم بأسره يقف اليوم عند ما تصفه بنقطة التحوّل الحاسمة. وتشير هيريرو في مقابلةٍ مع مجلة "عربيةInc. " إلى أنّ الذّكاء الاصطناعي يقود تحوّلاً غير مسبوقٍ، لم تختبره هي، ولا أيّ شخصٍ آخر في صناعة التّكنولوجيا من قبل. وتؤكّد هيلينا أنّ الذّكاء الاصطناعيّ سيكون حاضراً في كلّ مكانٍ، حيث ستنجح بعض تطبيقاته بينما تتحوّل الأخرى إلى تجارب تعليميّةٍ قيّمةٍ. كما ترى أنّ هذه النّتائج المتباينة هي جزءٌ من مسار التّعلّم نفسه؛ فسرعة التّغيير قد تثير القلق أحياناً، لكنّها ليست سبباً للتّهرّب أو التّراجع. وتضيف قائلةً: " الإيقاع سريعٌ جدّاً. ولكن من حيث التّأثير الّذي يمكن أن يحدثه على العالم، أرى أنّه يفتح آفاقاً هائلةً من الفرص:.
أجرت هيلينا هيريرو المقابلة مع "عربيةInc. " في فبراير، خلال زيارتها لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة لحضور فعاليّةٍ نظّمتها HP Inc. في دبي خصيصاً لشركائها وعملائها في الدّاخل والخارج؛ إذ تُشكّل دبي محوراً استراتيجيّاً حيويّاً للشّركة، نظراً لتنوّع أسواقها وحيويّة ديناميكيّاتها الاقتصاديّة والتّكنولوجيّة، وهو ما دفع HP Inc. في السّنوات الأخيرة إلى تنفيذ سلسلةٍ من الاستثمارات الجوهريّة في أرجاء الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا. وكشفت هيلينا أنّ دولة الإمارات ستستضيف قريباً أحد مراكز التّرحيب بالعملاء التّابعة لشركة HP Inc.، ليصبح بذلك جزءاً من شبكةٍ عالميّةٍ مختارةٍ من المراكز، حيث تُقدّم أحدث ابتكارات الشّركة عبر عروضٍ شخصيّةٍ وتجارب تقنيةٍ غامرةٍ، تجمع بين التفاعل المباشر وفهمٍ معمّقٍ لاحتياجات العملاء وإمكاناتهم. وفي المملكة العربيّة السّعوديّة، أنشأت HP Inc. منشأة تصنيعٍ متطوّرةً في الرياض، إلى جانب مركز امتيازٍ في الظهران يكرّس جهوده للبحث والتّطوير في مجال الذّكاء الاصطناعيّ، وهو ما يعكس التزام الشّركة بالابتكار المحلّيّ وتطوير المواهب التّقنيّة. أما مصر، السّوق الرّئيسيّ الآخر في المنطقة، فقد شهدت العام الماضي افتتاح مكتبٍ جديدٍ في القاهرة، بما يتناغم مع استراتيجيّة رؤية مصر 2030، ويجسّد طموح الشّركة في تعزيز حضورها ودعم التّحوّل الرّقميّ الشّامل الذي يمتد إلى مختلف قطّاعات الحياة في الدّولة.
تؤكّد هيلينا أنّ استثمارات HP Inc. في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا تتجاوز كونها مجرّد استجابةٍ لفرص السّوق العابرة، فهي في جوهرها تعبيرٌ عن إيمان الشّركة بأنّ المنطقة تشهد تحوّلاً عميقاً وملموساً، خاصّةً مع تزايد تأثير الذّكاء الاصطناعيّ على صناعاتها على نطاقٍ واسعٍ. وتوضّح هيلينا قائلةً: "تشعر بالتحوّل بكل تفاصيله، وإذا كنت في هذه المنطقة، فإنّك تعايشه مباشرةً… وهذا أمر محوريٌّ، إذ إنّ شركات التّكنولوجيا تسعى لأن تكون حيث تتشكّل المسارات الجديدة للتّغيير. ونحن نرغب في أن نكون عنصراً فاعلاً في تحوّل المنطقة، من خلال القوّة الّتي تمنحها التّكنولوجيا في تشكيل المستقبل ".
غيّر أنّ ما يحدث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اليوم، بحسب هيلينا، يتجاوز مجرّد خطواتٍ تقدّم تدريجيّة، فهو يضع المنطقة أمام فرصةٍ حقيقيّةٍ لتبوّؤ موقع الرّيادة العالميّة في مجال الذّكاء الاصطناعيّ؛ فالحكومات في مختلف أرجاء المنطقة أدرجت الذّكاء الاصطناعي ضمن استراتيجيّاتها الوطنيّة طويلة المدى، مدعومةً بالتزاماتٍ ماليّةٍ كبيرةٍ، في حين يسرّع الشّباب الرّقميّ المولود في عصر التّكنولوجيا من وتيرة اعتماد هذه التّقنيات، ويتيح غياب الأنظمة التّقليدية القديمة مساحةً أوسع للتّجريب والتّطبيق السّريع. كلّ هذه العوامل -كما ترى هيلينا- تضع المنطقة في موقعٍ فريدٍ لتقود ما تصفه بـ "عصر الذّكاء الاصطناعيّ الجديد"، حيث تصبح الابتكارات التّقنيّة أداةً لخلق الفرص وإعادة صياغة المشهد الصّناعيّ والاقتصاديّ بالكامل.
لكن هذه الفرصة تأتي أيضاً مع التزاماتها الخاصّة. إذ تشير هيلينا إلى أنّ وتيرة نشر الذّكاء الاصطناعي الحاليّة قد تُفاقم الفجوات المجتمعيّة إذا لم تصاحبها جهودٌ مماثلةٌ لبناء القدرات. وتوضّح قائلةً: " في نهاية المطاف، لا تكمن القدرة على إحداث الفارق في التّكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الطّريقة الّتي تُوظَّف بها، وكيف تتحوّل إلى أداةٍ حقيقيّةٍ تشكّل المستقبل وتُعيد تعريف الإمكانات". ومن منظور هيلينا، ينطبق هذا المبدأ نفسه على نهج HP Inc. في مجال الذّكاء الاصطناعي، حيث حرصت الشّركة على دمج هذه التّقنية ضمن أجهزة الحاسوب الشّخصيّة (PCs) وأدوات تكنولوجيا المعلومات (IT) بطريقةٍ عمليّةٍ دائماً، ومتوافقةٍ مع الاحتياجات الواقعيّة للمستخدمين. ومثال ذلك، جهاز (HP EliteBoard G1a Next Gen AI PC)، الّذي كُشِف عنه في معرض الإلكترونيّات الاستهلاكيّة لهذا العام (CES) في الولايات المتّحدة. وباعتباره أوّل حاسوبٍ شخصيٍّ متكاملٍ بالذّكاء الاصطناعيّ مدمجٍ في لوحة المفاتيح، يعكس هذا الجهاز جهود HP Inc. نحو أنظمةٍ مدمجةٍ ذكيّةٍ مصمّمةٍ للعمل الهجين، مع ضمان أداءٍ حوسبيٍّ متفوّقٍ وأمانٍ مؤسّسيٍّ على أعلى مستوى.
ومن الأمثلة البارزة على هذا التّوجّه تأتي منصّة تجربة القوى العاملة التابعة للشركة (HP Workforce Experience Platform – WXP)، وهي حلٌّ مدعومٌ بالذّكاء الاصطناعيّ يعكس مهمّة الشّركة في الرّيادة بما تصفه بـ "مستقبل العمل". صُممت المنصّة كنظامٍ موحّدٍ لإدارة تجربة الموظّف الرّقميّة عبر أساطيل الأجهزة وأدوات التّعاون وبيئات تكنولوجيا المعلومات، حيث تتعلّم نماذج الذّكاء الاصطناعيّ الخاصّة بها من بيانات القياس عن بعد المستقاة من 48 مليون نقطة نهايةٍ، بما يعادل معالجة 1.9 تيرابايت من البيانات الجديدة يوميّاً، لتتمكّن بذلك من تقديم رؤىً قابلةً للتّطبيق، وتسهيل اتّخاذ القرارات، وتمكين القوى العاملة بفعاليّةٍ غير مسبوقةٍ.
بينما يعتبر هذان مجرّد مثالين، إلّا أنّهما يعكسان التّحوّل الأوسع في طريقة تفكير HP Inc. حول الذّكاء الاصطناعيّ، إذ لم يعد يُنظر إليه على أنّه قدرةٌ مستقلّةٌ، بل أصبح جزءاً من البنية التّحتيّة المدمجة في سير العمل اليوميّ. ومع ذلك، كما تشير هيلينا، فإنّ التّحوّل الحقيقيّ لا ينبع من الأدوات نفسها، بل من قدرة المؤسِّسات على التّكيّف معها واستخدامها بشكلٍ أمثل. وتقول: "أعتقد أنّ ما نحاول فعله هو مساعدة النّاس على استخدام التّكنولوجيا لتحقيق النّتائج، مهما كانت. سواء في مستشفى، أو مركز اتّصالٍ، أو منشأة تصنيعٍ، يكمن الهدف في الاستفادة منها بأكثر الطّرق سلاسةً وفاعليّةً، ليصبح العمل أكثر إنتاجيّةً".