القيادة الذكية: سرّ الصمت أولاً والكلام أخيراً
في الاجتماعات، لا تُصنع القرارات القوية بالصوت الأعلى، بل بالإنصات العميق الذي يكشف ما يفكّر فيه الفريق حقاً قبل أن يُقال
خلال الاجتماعات، كان مديرنا يطرح اقتراحاً ما، ثم يعقبه بطلب الملاحظات. في مناسبات متباعدة، كنّا نُبدي اعتراضاً خفيفاً، على استحياء أكثر منه عن قناعة كاملة، لكنّ ذلك لم يكن يحدث كثيراً. كان الانطباع السائد أنّه لا يرغب إلّا في سماع ما ينسجم مع ما يريده هو، بل إنّه حتّى حين كان يريد، فعلاً، أن يسمع ما يحتاج إلى سماعه، كنّا نتردّد في اختبار ذلك الاحتمال.
ومن المرجّح أنّ هذا يحدث معك أيضاً. فما إن تُفصح عن رأيك، حتّى يصبح من الصعب على موظّفيك أن يخالفوك، ولا سيّما أولئك القابعين في أدنى مراتب السلّم الوظيفي داخل الشركة. لحسن الحظ، توجد معالجة بسيطة لهذا الخلل. حين تكون الشخص الأعلى منصباً في الغرفة، اجعل حديثك آخر ما يُقال. دع الجميع يتحدّثون قبلك. والأفضل من ذلك أن تمنح الكلمة أوّلاً للأكثر حداثة في المنصب، بحيث تسمع آراء الجميع على نحوٍ صريح غير مشروط أو مُراقَب.
وكما قال جيف بيزوس (Jeff Bezos) في بودكاست "ليكس فريدمان" (Lex Fridman): "في كل اجتماع أحضره، أحرص دائماً على أن أتحدّث في النهاية؛ فقد تعلّمت من التجربة أنّني إذا تحدّثتُ أوّلاً، فإنّ حتّى المشاركين الأقوياء الإرادة، الحادّي الذكاء، ذوي الحكم السديد، سيبدؤون بالتفكير: «إذا كان جيف يرى ذلك، فقد دخلتُ هذا الاجتماع وأنا أعتقد شيئاً آخر، لكن لعلّي لستُ محقّاً".
وحين تمتلك فكرة، أو حين تظنّ أنّ لديك الإجابة، حتّى إن لم تُفصح عنها صراحة، يصبح من السهل أن تطرح أسئلة موجِّهة، وأن تصوغ استفسارات مُقيِّدة، وأن تسأل بأسلوب يفترض مسبقًا إجابة بعينها. ويصبح من السهل كذلك ألّا تُصغي إلى الآخرين حين تكون قد افترضت سلفاً أنّك على صواب. كما يعبّر عن ذلك سايمون سينيك (Simon Sinek): "إنّ القدرة على الاحتفاظ بآرائك لنفسك إلى أن يُنهي الجميع حديثهم تُحقّق نتيجتين أساسيتين. الأولى أنّها تمنح الآخرين شعوراً حقيقيّاً بأنّ أصواتهم قد سُمِعت، وبأنّ إسهامهم له وزن وقيمة. أمّا الثانية، فهي أنّك تنال فائدة الاستماع إلى ما يفكّر فيه الجميع قبل أن تُصدر رأيك الخاص".
إنّ المهارة، في جوهرها، هي أن تُمسك برأيك، لا أن تُطلقه فوراً. ويؤيّد العلم هذا المنحى؛ فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلّة "ساينس" (Science) أنّ الآراء التي تُطرح في البداية تملك تأثيراً كبيراً على الآراء التي تليها، ممّا يقود إلى ما يسمّيه الباحثون «التقليد التراكمي». كما بيّنت دراسة أخرى نُشرت في مجلّة «دوريّة المخاطر وعدم اليقين» (Journal of Risk and Uncertainty) أنّ رأي شخص واحد، ولا سيّما إن كان صاحب منصب رفيع، يميل إلى إحداث تأثير غير متناسب على القرار النهائي، مُطلِقاً ما يُعرف في العلوم الاجتماعيّة بـ«الشلال المعلوماتي»، حيث تتكاثر الآراء المتشابهة تباعاً.
حين يتحدّث شخص تكنّ له احتراماً كبيراً في بداية النقاش، غالباً ما تجد نفسك تُعيد النظر في رأيك، ولو بدرجة طفيفة. وحين يُبدي بيزوس إعجابه بفكرة ما، يميل الآخرون إلى الإعجاب بها أيضاً، حتّى لو كانوا يعارضونها عند دخولهم الغرفة.
فكيف تضمن، إذن، أن تسمع ما يفكّر فيه الآخرون -ما يفكّرون فيه فعلاً- قبل أن تُفصح عن رأيك؟
اعرض الموقف كما هو
توجد مشكلة تحتاج إلى معالجة. قد تظنّ أنّ لديك الحلّ، وقد لا تظنّ ذلك. غير أنّ طرح سؤال يفترض إجابة معيّنة كفيل بإغلاق الباب أمام أفكار أفضل. على سبيل المثال، حين تقول: "نحن متأخّرون كثيراً عن الجدول الزمني. هل ينبغي أن نُلغي المشروع؟" فإنّك تدفع الآخرين إلى الموافقة العلنيّة، لأنّ صياغة السؤال نفسها توحي بأنّك تميل إلى الإلغاء. ومع أنّ قلّة قد تُبدي اعتراضاً، فإنّ الغالبيّة ستتجنّب ذلك، لأنّ ما تريد سماعه يبدو واضحاً. بدلاً من ذلك، قل: "المشروع متأخّر عن الجدول الزمني. ما الذي ترون أنّه يمكن فعله؟" بهذه الصيغة، تطرح المشكلة من دون أن تزرع فيها إجابة جاهزة، وتفتح المجال أمام طيف أوسع من الخيارات.
اطرح أسئلة مفتوحة
قد تكون توصّلتَ إلى حلّين محتملين، فتسأل: "هل ينبغي أن نُلغي المشروع؟ أم نضعه قيد التعليق؟" وحين تحصر الخيارات في اثنين، يميل معظم الناس إلى اختيار أحدهما، ولا سيّما حين تستخدم كلمة «ينبغي» بدل «يمكن»، وهي الكلمة الأقدر على توليد الأفكار.
غير أنّ خيارات أفضل قد تكون موجودة؛ لذا قل: "نحن متأخّرون عن الجدول الزمني. ما الذي ترون أنّه ينبغي فعله؟" قد يقترح أحدهم إلغاء المشروع، وقد يقترح آخر تأجيله حتّى تتوافر موارد إضافيّة، وقد يقول ثالث: "لماذا لا نركّز فقط على هذا الجزء من المشروع؟ إنّه الأهم، وحين يصبح جاهزاً، نُعيد النظر فيما يأتي بعده".
وقد يأتي أحدهم بإجابة تتفوّق على كلّ ما سبق. لذلك، بدل أن تعرض خياراتك، اكتفِ بطرح المشكلة، ثم اسأل: "ما رأيكم؟" أو "ماذا كنتم ستفعلون؟" أو "كيف يمكننا التعامل مع هذا الوضع؟" ثم قاوم الرغبة في ملء الصمت، ودع الآخرين يفكّرون.
شاهد أيضاً: 7 استراتيجيات ذهبية لضمان نجاح أي اجتماع
تكلّم فقط بغرض التوضيح
قد يبدو طرح الأسئلة مُقلقاً حين تكون في موقع قيادي، إذ يُفترض أنّك تملك الإجابات كلّها. ولهذا السبب، يصبح من الصعب أحياناً أن تسأل حين لا تفهم، ولا سيّما حين يُفترض بك أن تفهم، ولكن طلب التوضيح أسهل ممّا تظنّ، إذ يمكنك أن تقول: "هذا مثير للاهتمام. افترض أنّني لا أعرف شيئاً عن كيفيّة عمل ذلك. كيف تشرحه لي؟" أو أن تقول: "يبدو هذا جيّداً للغاية. لكن دعني أتأكّد من أنّني لم أغفل شيئاً. هل يمكنك أن تستعرض الخطوات مرّة أخرى؟"
لا تتظاهر بالفهم حين لا تفهم، لأنّ ذلك لا يؤدّي إلّا إلى إضاعة وقت الجميع. والآن، لنجمع الخيوط كلّها معاً. في الاجتماع القادم:
- احصر أسئلتك في جملة أو جملتين: لا بأس بشرح المشكلة بتفصيل، لكن ليكن السؤال موجزاً. إن عرضتَ مشكلة تتعلّق بالإنتاجيّة، فاختم بسؤال: "كيف يمكننا رفع الإنتاجيّة؟" وإن تناولتَ مشكلة في الجودة، فاختم بسؤال: "كيف يمكننا تحسين الجودة؟" فالإيجاز يُبقي السؤال مفتوحاً وغير موجِّه.
- لا تطرح خيارات مسبقاً: قد تكون لديك أفكار، وهذا أمر جيّد، لكن انتظر دورك في الحديث؛ فاحتمال أن تكون قد فكّرتَ في كلّ الاحتمالات احتمال ضعيف.
- اطلب التوضيح فقط: لا تُصدر أحكاماً قبل أوانها؛ فأوّل مرّة تقول فيها: "هذا لا يبدو منطقيّاً"، ستكون غالباً آخر مرّة تحصل فيها على ملاحظات جوهريّة وصادقة.
- تحدّث دائماً في النّهاية: أنت تعرف ما تعرفه بالفعل، لكنّ هدفك هو أن تكتشف ما يعرفه الآخرون. لذا التزم الصمت وأصغِ، فقد تتعلّم ما لم يكن في حسبانك. ولا سيّما حين تكون آخر من يتحدّث.
نُشِر هذا الرأي الخبير بقلم جيف هادن (Jeff Haden) في الأصل على موقع إنك.كوم (Inc.com).