العودة إلى العمل بعد الأمومة: كيف تحمي المؤسسات مواهبها وتضمن مرونتها؟
حين تتكفّل المؤسّسات بدعم الأمّهات العاملات، تتحوّل العودة للعمل إلى جسرٍ يربط بين الطّموح الفرديّ ونموّ المنظمة، ويعزّز استدامتها ومهارتها القياديّة
في صباح اليوم الذي عدت فيه إلى العمل بعد إجازة الأمومة، توقفت لفترة أطول مما توقعت قبل أن أخرج من الباب. لم يكن ذلك تردّداً، بل كان إدراكاً لحقيقة. إذ كنت على وشك العودة إلى عالم استمر في التحرك بوتيرة لا هوادة فيها بينما تباطأت حياتي الخاصة، وأ عيد تشكيلها بمسؤوليات جديدة وإحساس أعمق بالهدف. كنت محظوظة بالحصول على إجازة أمومة ممتدة، فترة من الترف أعطتني فرصة للتعافي، والتواصل مع طفلي، وإعادة ضبط توازني الشخصي والمهني.
لكن العودة إلى العمل، حتى مع هذا الدعم، لم تكن سلسة تماماً؛ فقد تغيرت وتيرة العمل، وظهرت أدوات وأنظمة جديدة. لم أتأخر عن الركب لأن طموحي أقل، بل كنت أتأقلم مع عالم تطور بينما تغيرت حياتي بشكل جوهري.
التسرب الخفي في سلسلة المواهب
هذه التجربة ليست مجرد حكاية شخصية، بل تمثل أحد أهم العقبات الهيكلية في الاقتصاد العالمي الحديث. عالميّاً، لا تزال النساء يتحملن الجزء الأكبر من الأعمال غير مدفوعة الأجر المتعلقة بالرعاية، واقع يشكل ضريبة صامتة على نموهن المهني.
وفقاً لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD)، هذا التفاوت موجود في كل منطقة من العالم، ويؤثر مباشرة على استمرارية المسار الوظيفي والتقدم فيه. عندما تتزايد المسؤوليات المتعلقة بالرعاية، غالباً ما يجبر غياب هيكل دعم متين النساء على تقليل ساعات عملهن أو الخروج بالكامل من سوق العمل، ليس اختياريّاً بل بدافع الضرورة.
في الإمارات العربية المتحدة، تتسم هذه التحديات بالتعقيد وتحمل مخاطر فريدة. تمثل النساء أكثر من 54% من خريجي الجامعات، ومشاركتهن في قوة العمل في تزايد مستمر مع سعي الدولة نحو اقتصاد قائم على المعرفة. ومع ذلك، نظراً لأن القوى العاملة في الغالب وافدة، تواجه العديد من النساء تحديات العودة إلى العمل دون وجود "القرية" التقليدية من دعم الأسرة القريبة. بالنسبة لهؤلاء الأمهات، غالباً ما تشكّل العزلة عنصراً مساوٍ للطموح في تجربة الانتقال هذه.
تعكس البيانات هذا الضغط المكثف؛ فقد وجدت دراسة أجريت في 2023 أن أكثر من نصف النساء العاملات في الإمارات شعَرن بالضغط للتراجع عن مساراتهن المهنية بعد أن أصبحن أمهات، مع الإشارة إلى محدودية المرونة كسبب رئيسي لمغادرتهن. ويمثل هذا استنزافاً كبيراً للمواهب، في وقت تتنافس فيه المنطقة عالميًا لجذب أفضل العقول.
تكلفة المكتب الخالي
عندما تفقد المؤسسات النساء في هذه المرحلة الحاسمة -عادةً عند دخولهن سنوات القيادة المثلى- تكون التكلفة كبيرة وعميقة التأثير. أظهرت أبحاث غالوب (Gallup) أن استبدال موظفة ذات خبرة قد يكلف ما يصل إلى 200% من راتبها السنوي عند احتساب تكاليف التوظيف، والتدريب، وفقدان الإنتاجية. وإذا فقدت الشركة عدة نساء ذات أداء عالٍ سنويّاً، تتحول التأثيرات المالية من بند صغير في الميزانية إلى استنزاف كبير على صافي الأرباح.
بعيداً عن الخسارة المالية، هناك تآكل المعرفة المؤسسية واستقرار الفريق؛ فعندما تغادر النساء ذوات الخبرة، تفقد المؤسسة ليس عدداً من الموظفين فحسب، بل أيضاً القدرة على التوجيه والإرشاد، والذاكرة المؤسسية، والرؤية الاستراتيجية، والقيمة الطويلة المدى لأنبوب القيادة المتنوع. إن الشركات تدرب المواهب لعقد من الزمن، لتسمح بعد ذلك لهذه الاستثمارات بالمغادرة بسبب الحواجز الشديدة أمام "إعادة الدخول".
الحجة الاستراتيجية لإنشاء "القرية المؤسسية"
هنا تظهر أهمية مفهوم "القرية المؤسسية". في غياب شبكات الأسرة التقليدية، يجب أن يتدخل مكان العمل لسد الفجوة. ولا يتعلق دعم النساء في الانتقال مرة أخرى إلى العمل بمعاملة خاصة أو صدقة مؤسسية، بل بالاعتراف بواقع سوق المواهب الحديث. أما المؤسسات التي تستثمر في المرونة والثقة وإعادة الدمج المنظمة، فتكون في موقع أفضل بكثير للحفاظ على المواهب عالية الأداء.
يعكس تخصيص الإمارات العربية المتحدة لعام 2026 باعتباره "عام الأسرة" فهماً وطنياً عميقاً بأن المرونة الاقتصادية ورفاه الأسرة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً. تشير هذه المبادرة إلى أن وحدة الأسرة هي أساس الاقتصاد المستقر. وعندما تخلق المؤسسات بيئات تدعم الآباء، فإنها تفعل أكثر من تلبية توقع اجتماعي؛ فهي تحمي رأس المال البشري الوطني، وتبني ثقافة مؤسسية قادرة على الصمود في وجه نقص المواهب العالمي.
مستقبل مستدام للعمل
تُعرف "القرية المؤسسية" باللحظات الدقيقة: المدير الذي يفهم الحاجة المؤقتة للعمل عن بعد، سياسة الموارد البشرية التي تسمح بالعودة التدريجية، وثقافة تقدّر النتائج أكثر من التواجد المكتبي. تخلق هذه الممارسات بيئة عمل داعمة شعوراً بالأمان النفسي يمكّن المرأة من العودة بكامل قدراتها إلى المكتب دون الخوف المستمر من الحكم عليها لوجود حياة خارج العمل.
لا تتعلق العودة إلى العمل بعد الأمومة باستعادة هوية سابقة، بل بدمج الشخص الجديد الذي أصبحت عليه. ويمكن للأمومة تعزيز المهارات المهنية، وإضفاء كفاءة استثنائية، وتعزيز التعاطف، وصقل القدرة على تحديد الأولويات ضمن فرق القيادة. وعندما تعترف المؤسسة بذلك، فإنها تفتح مستوى من الالتزام والقدرة لا تستطيع السياسة وحدها تحقيقه.
تسعى الإمارات العربية المتحدة لبناء اقتصاد قائم على الابتكار والرؤية طويلة الأمد. ضمان وجود "قرية مؤسسية" تتيح للأمهات العاملات العودة إليها هو جزء أساسي من تلك الرؤية. إنها الجسر بين الإمكانيات الفردية والازدهار الوطني، وتضمن أن المواهب التي تطورت داخل مؤسساتنا تظل جزءاً محورياً من المستقبل الذي نبنيه معاً.
لم يعد السؤال بالنسبة للمؤسسات ما إذا كانت تستطيع دعم الأمهات العاملات، بل السؤال الحقيقي الآن في اقتصاد يعتمد على المواهب: هل يمكنها تحمل عدم القيام بذلك؟
عن الكاتبة
ياسمين عبد الخالق هي المدير الأول للاتصالات الاستراتيجية في إف تي آي كونسلتينغ (FTI Consulting) في دبي.