الرئيسية الريادة الأمان النفسي أساس النجاح في العمل: هل بيئتك العملية تحمي موظفيك حقاً؟

الأمان النفسي أساس النجاح في العمل: هل بيئتك العملية تحمي موظفيك حقاً؟

حين يكتشف مدير أن موظفاً لا يتأخر بسبب الكسل بل لأنه لا يشعر بالأمان، تنكشف فجوة عميقة بين تصورات القادة واحتياجات الأجيال الجديدة داخل بيئة العمل

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

عندما تأخّر أحد الموظّفين عن الوصول إلى العمل في أحد الأيّام، طلب منه مشرفه أن يجلسا معاً للتّحدّث. وخلال اللّقاء، بادر المشرف بالسّؤال عمّا إذا كان كلّ شيءٍ على ما يرام في حياته الشّخصيّة، أو إذا كان هناك أيّ ظرفٍ في المنزل قد يحول دون حضوره إلى العمل في الموعد المحدّد. ومع هذا السّؤال، بدا الارتباك على الموظّف، لكنّه أكّد أنّ حياته الشّخصيّة لا تشهد أيّ مشكلةٍ تفسّر هذا التّأخّر.

عند هذه اللّحظة، بدأ الحديث يكشف جانباً أعمق ممّا توقّع الطّرفانفعندما سأل المشرف بهدوءٍ ما إذا كان بإمكانه أن يكون أكثر التزاماً بالمواعيد، توقّف الموظّف قليلاً. ابتلّت كفّاه بالعرق، وبدأ يبحث عن العبارات الّتي تمكّنه من شرح ما يشعر به. وبعد لحظاتٍ من التّردّد، قال أمراً لم يكن في الحسبان: إنّه لا يشعر «بالأمان» في بيئة العملفوجئ المشرف بهذا التّصريح، فبادر إلى طرح أسئلةٍ أعمق ليفهم ما الّذي يحتاجه الموظّف ليشعر بالرّاحة والأمان، وبالتّالي يتمكّن من التّركيز على أداء عمله على النّحو الأفضل. ومن خلال ذلك الحوار، تبيّن للطّرفين درسٌ مهمٌّ يتعلّق بفهم معنى «الأمان» في بيئة العمل.

الفجوة بين تصور القادة وشعور الموظفين بالأمان في بيئة العمل

تظهر دراسةٌ أجرتها شركة فركادا في عام 2023، وشملت ألف محترفٍ يعملون في قطاعاتٍ صناعيّةٍ مختلفةٍ، وجود فجوةٍ واضحةٍ بين تصوّر القادة لمستوى الأمان في بيئة العمل، وبين التّجارب الفعليّة الّتي يعيشها الموظّفون.

فبينما يفيد 69% من القادة بأنّهم يشعرون بالأمان في بيئة العمل، يعتقد 67% منهم أنّ فرقهم تشعر بالشّعور نفسه. إلّا أنّ الواقع يظهر صورةً مختلفةً؛ ففقط 37% من الموظّفين يقولون إنّهم يشعرون فعلاً بالأمان في أماكن عملهمواللّافت أنّ أكبر نسبةٍ من هؤلاء الّذين يعبّرون عن القلق هم من أصغر أعضاء الفرق عمراً. فجيل زد يظهر قلقاً مضاعفاً تجاه موضوع الأمان مقارنةً بجيل آخر.

بين الأمان الجسدي والأمان النفسي والأمان العاطفي

ويحتّم هذا التّفاوت على القادة فهم نوع الأمان الّذي يبحث عنه هذا الجيل الجديد من الموظّفين. ولا شكّ في أنّ المديرين وأصحاب العمل مطالبون بالانتباه إلى مدى شعور الموظّفين بالأمان في بيئة العمل. ولكنّ التّحدّي الحقيقيّ يكمن في التّمييز بين أنواع هذا الأمانفهناك أمانٌ جسديٌّ يتعلّق بسلامة الأفراد في مكان العمل، وهناك أمانٌ نفسيٌّ يسمح للأفراد بالتّعبير عن أفكارهم وآرائهم دون خوفٍ، كما هناك أمانٌ عاطفيٌّ يتعلّق بمشاعر الأفراد وراحتهم الدّاخليّة.

وقد أشار عالم النّفس نيك هاسلم إلى ظاهرةٍ يسمّيها «تضخّم المفهوم»، حيث يتّسع معنى بعض المصطلحات مع مرور الوقت حتّى يتغيّر مغزاها الأصليّ. وفي سياق بيئة العمل، أدّى هذا التّوسّع في معنى «الأمان» إلى بعض الاضطراب في فهم ما يعنيه العمل ضمن فريقٍفلعقودٍ طويلةٍ، كانت كلمة «الأمان» تستخدم غالباً للإشارة إلى السّلامة الجسديّة. ولكن في ثمانينيّات القرن الماضي، بدأ يظهر مصطلح «الأمان العاطفيّ»، الّذي يدلّ على شعور الإنسان الدّاخليّ بالأمان. ومع مرور الوقت، اتّسع هذا المفهوم بشكلٍ جعل بعض النّاس يتوقّعون بيئة عملٍ خاليةً من أيّ مشاعر سلبيّةٍ.

الفرق بين الأمان النفسي والأمان العاطفي

يشير عالم النّفس في جامعة نيويورك جوناثان هايدت إلى أنّ الأمان النّفسيّ يعدّ من أهمّ مؤشّرات بيئة العمل الصّحّيّة. ففي الفرق الّتي تتمتّع بهذا النّوع من الأمان، يستطيع الأعضاء أن يختلفوا مع بعضهم البعض وأن ينتقدوا الأفكار باحترامٍ، ومن خلال هذه النّقاشات تختبر الأفكار وتتطوّرأمّا ما أطلق عليه في بعض البيئات الأكاديميّة اسم «الأمان العاطفيّ»، فقد اتّخذ معنى أوسع يفترض أنّه يجب ألّا يتعرّض الإنسان لمشاعر سلبيّةٍ بسبب كلمةٍ قالها شخصٌ آخر أو تصرّفٍ قام به.

وهنا يكمن الفرق الجوهريّفالأمان النّفسيّ يعني إمكانيّة النّقاش والاختلاف باحترامٍ، أمّا الأمان العاطفيّ فيعني توقّع بيئةٍ لا تثير أيّ مشاعر سلبيّةٍ لدى الأفرادوالحقيقة أنّ الحياة ليست خاليةً من التّحدّيات. فالجميع سيمرّ بلحظاتٍ من الانزعاج أو النّقد أو الرّفض. ولكنّ هذه التّجارب هي في كثيرٍ من الأحيان ما يساعد الأفراد على النّموّ والتّطوّرفالنّقد يدفع الإنسان إلى التّحسّن، والرّفض يدفعه إلى البحث عن أفكارٍ أفضل. أمّا إذا عجز الإنسان عن التّعامل مع هذه التّجارب، فقد يصبح أكثر هشاشةً أمام تحدّيات الحياة.

الدّروس التي ينبغي أن تتعلمها الفرق

رأيت ذات مرّةٍ رسماً كاريكاتوريّاً يظهر معلّماً ووالدين يقفون إلى جانب طفلهما، ويقول المعلّم مبتسماً: «لقد أنشأنا بيئةً آمنةً خاليةً من الأحكام، لكنّها قد تجعل طفلكم غير مستعدٍّ لمواجهة الحياة الحقيقيّة». وفي هذا السّياق، تعتمد بعض المنظّمات سياساتٍ تسعى إلى التّوازن بين الاستماع للجميع والحفاظ على وضوح القيادة.

  • فلكلّ شخصٍ صوتٌ يعبّر به عن رأيه، ولكن ليس لكلّ شخصٍ السّلطة نفسها في اتّخاذ القرار.
  • ويستطيع الجميع المساهمة بآرائهم، لكن ليس للجميع التّأثير نفسه في النّتائج.
  • ويستحقّ الجميع أن يسمعوا، لكن ليس من الضّروريّ أن يحصل الجميع على ما يريدون.
  • فالإنسان أهمّ من وظيفته، ولكن لا أحد أهمّ من الرّسالة الّتي يعمل الفريق من أجلها.

وقد روى صديقٌ لي خدم سبع سنواتٍ في البحريّة الأمريكيّة موقفاً طريفاً. فعندما سألته عن تجربته في الخدمة العسكريّة، قال إنّها كانت مختلفةً عمّا توقّع. ثمّ أضاف مازحاً: «في المعسكر التّدريبيّ كان لدينا بطاقةٌ نرفعها إذا قال المدرّب شيئاً جعلنا نشعر بعدم الرّاحة».

وهنا يطرح السّؤال نفسه: هل سنرسل الجنود إلى ساحات القتال وهم يحملون بطاقاتٍ ليعبّروا بها عن انزعاجهم؟ لذا، إنّ فهم معنى الأمان في بيئة العمل فهماً دقيقاً ومتوازناً يعدّ أمراً ضروريّاً لبناء فرقٍ قويّةٍ قادرةٍ على التّعاون والنّجاح في الواقع الحقيقيّ.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 5 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: