Sadio Mané يقدم درساً مذهلاً في الصمود العقلي بكأس الأمم الأفريقية 2026
درسٌ قياديٌّ من مواقف الضّغط الشديد والصّراع العلنيّ يوضّح كيف يمكن للصّمود والتّحكّم العاطفي واتّخاذ القرارات الحكيمة أن يصنع الفارق في قيادة الفرق والفرق العمليّة
بعض أهم دروس القيادة لا تأتي من غرف الاجتماعات أو دراسات الحالة، بل من لحظات الضغط الشديد والمواجهة العامة. وقد وفّر نهائي كأس الأمم الأفريقية 2026 (AFCON) يوم 19 يناير 2026، نموذجاً حياً لذلك، حين حول تدخل قائد المنتخب السنغالي، ساديو ماني (Sadio Mané)، ما كاد يكون انهياراً كاملاً إلى درس متقن في الصمود والقيادة.
لمن لا يعرف، يُعد كأس الأمم الأفريقية، تماماً كما يُعرف "اليورو" في أوروبا، البطولة التي تجمع منتخبات إفريقيا الوطنية كل عامين. وينظّمها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (Confédération Africaine de Football – CAF)، وتعتبر الحدث الرياضي الأبرز في القارة، بينما أقيمت نسخة هذا العام عبر ست مدن في المغرب.
ماذا حدث في نهائي كأس الأمم الأفريقية هذا العام؟ تم إلغاء هدف في الدقيقة الثانية والتسعين، ما أثار غضب لاعبي السنغال بشكل واضح. وعندما احتسب ركلة جزاء لصالح المنتخب المضيف المغرب في الدقيقة السابعة والتسعين، تصاعدت الأحداث بشكل كبير.
ما حدث بعد ذلك كان منعطفاً درامياً لم يكن يتوقعه أحد. رفض الفريق السنغالي قبول قرار الحكم، وارتفعت المشاعر لدرجة أن المدرب اقترح مناقشة الانسحاب من المباراة بالكامل، وهو ما كان سيمنح المغرب الفوز بالتعادل الافتراضي، رغم أنه فوز هش على أقصى تقدير. ومع تصاعد التوتر، حاول بعض جماهير السنغال اقتحام الملعب. وتراجع المدرب وعدد قليل من اللاعبين إلى غرفة الملابس بناءً على تعليماته. كان الفوضى على الأبواب. في تلك اللحظة، تدخل قائد الفريق، ماني نجم ليفربول السابق ولاعب النصر الحالي.
تدخل ماني لإبقاء زملائه في الملعب حتى اللحظة الأخيرة. استخدم التوجيه، المنطق، وأبرز قيادة عملية من خلال المثال. وعندما أتت جهوده ثمارها، قاد الفريق شخصياً للعودة إلى أرض الملعب. ولكن الدراما لم تنته بعد.
تقدم نجم المغرب، إبراهيم دياز (Brahim Díaz) -لاعب ريال مدريد- لتنفيذ ركلة الجزاء. كان الضغط هائلاً: أكثر من 66 ألف متفرج في المدرجات، حارس مرمى السنغال، إدوارد ميندي (Édouard Mendy)، يعرض ثقة لا تتزعزع، وثقل توقعات أمة كاملة يثقل الكاهل. ولكن دياز أضاع. وكانت تلك اللحظة نقطة التحول.
عادت الثقة للفريق السنغالي، ودخلوا الوقت الإضافي بطاقة متجددة ورسالة واضحة: لم يعد الأمر مجرد البقاء في المباراة. وخلال نصف الساعة التالية، قدمت السنغال كرة سريعة وعدوانية؛ ضغط مستمر، استحواذ متقن، وتسديدات مركزة. وأثمرت جهودهم بالهدف الذي حسم الفوز 1-0 على المنتخب المضيف، ليحصد السنغال لقب كأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية في تاريخها.
عند التأمل في المباراة لاحقاً، ما لفت الانتباه هو أن الفوز لم يكن نتيجة براعة فنية فقط، بل جاء بفضل الصمود العقلي المتوازن والقدرة على التحكم العاطفي. وفيما يلي 5 دروس قيادية يمكن أن يستفيد منها القادة في مواجهة المواقف الصعبة بنفس الهدوء والقوة التي أظهرها ماني في النهائي:
القيادة تظهر قوتها عند انهيار الأنظمة
القوانين والحكام والعمليات هي الأعمدة التي تقوم عليها أي منظمة، لكنها تبقى مجرد أطر إذا فشلت أو بدت ظالمة؛ ففي تلك اللحظات لا يلجأ الناس إلى السياسات، بل يبحثون عن القادة الذين يملكون القدرة على التدخل وحماية النظام. ماني لم يكن يملك سلطة رسمية لتحديد الحكم أو نتيجة المباراة، ومع ذلك امتلك ما يفوق السلطة: المصداقية التي تثق بها الجماهير، والثقة التي تمنحه الحق في التحرك، والشجاعة التي تدفعه للوقوف في مواجهة الفوضى. وعندما كانت المشاعر على شفا الانفجار، تدخل بحكمة وعزيمة، ليمنع الانهيار، ويثبت أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بالسلطة الرسمية، بل بالشجاعة والمصداقية والفعل في اللحظة الحاسمة
التحكم العاطفي ميزة تنافسية
تظهر غريزة الانسحاب -سواء في شكل تخلي أو غضب أو تراجع- بقوة حين يشعر الإنسان بالظلم، لكنها لحظة اختبار حقيقية للقيادة. فالقادة الذين يبرزون لا يسمحون لهذا الإحباط أن يتسرب إلى فرقهم، بل يمتصونه ويحولونه إلى قوة دافعة. ماني لم ينكر غضبه أو يتجاهله، بل واجهه بوعي، ثم أعاد توجيهه ليصبح طاقة إيجابية حافظت على تماسك الفريق ومنعته من الانجراف نحو الفوضى
البقاء في اللعبة يخلق خيارات
لو انسحب منتخب السنغال من الملعب، لانتهت القصة في تلك اللحظة، وأُغلق باب الفوز نهائيًا. لكن باختيارهم البقاء، أبقوا الاحتمال حياً، وتركوا للنهاية فرصة أن تُكتب بشكل مختلف. وفي عالم الأعمال، لا يختلف المشهد كثيراً؛ فالانسحاب المبكر من مفاوضة أو سوق أو مشروع قد يغلق أبوابًا كان الصمود كفيلاً بإبقائها مفتوحة، ويحوّل الهزيمة المحتملة إلى نهاية مؤكدة.
الثبات النفسي يغير الزخم أسرع من الاستراتيجية
في تلك اللحظة، لم يحدث أي تعديل تكتيكي، ولم تتبدل الخطط على الورق؛ ما تغير حقاً كان الإيمان. بعد ضياع ركلة دياز، لم تبقَ السنغال على قيد الحياة فحسب، بل انتقلت إلى موقع السيطرة، وكأن الثقة أعادت ترتيب المشهد من الداخل؛ فالقادة الذين ينجحون في ضبط الغرفة لا يغيرون التعليمات بقدر ما يغيرون المزاج، ويخلقون مساحة يتحول فيها الزخم تدريجياً ليعمل لصالحهم
أفضل القادة يقودون بالفعل
لم يصرخ ماني من على الخطوط الجانبية، ولم يلجأ إلى الاستعراض، بل نزل بثقله المعنوي ليعيد فريقه عمليّاً إلى قلب الملعب. ففي اللحظات الحرجة، لا تكون القيادة عرضاً صوتياً، بل مشاركة حقيقية في المخاطر والمسؤولية. الفرق لا تتبع من يرفع صوته، بل من يقف معها في قلب العاصفة. وكما يقول المثل، «المباراة لا تنتهي حتى تغني السيدة السمينة»، وفي تلك الليلة في الرباط، لم يغادر أحد قبل أن يصدر الحكم النهائي. تحت قيادة قائدهم، رفضت السنغال الاستسلام، وعادت أقوى، أكثر تركيزاً، ومصممة على الفوز.