الرئيسية ستارت أب من حدث محلي إلى منصة إقليمية: هل نجحت رؤية قمة RiseUp؟

من حدث محلي إلى منصة إقليمية: هل نجحت رؤية قمة RiseUp؟

يتحدّث عبدالحميد شرارة عن التّحوّل الجذريّ الذي يُشكِّل ثقافة ريادة الأعمال في منطقة الشّرق الأوسط وشمال أفريقيا

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

شهدت قمة رايز أب (Rise Up Summit)، التّجمّع السّنويّ لريادة الأعمال في القاهرة، تحوّلاتٍ عميقةً منذ تأسيسها على يد عبد الحميد شرارة في مصر عام 2013. واليوم، في نسختها الثّالثة عشرة، عكست الفعاليّة الأخيرة، الّتي أُقيمت تحت شعار "نقطة التّحوّل" في المتحف المصري الكبير من 5 إلى 7 فبراير 2026، مشهداً رياديّاً تأثّر بكلّ تحدٍّ، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى صعود الذّكاء الاصطناعيّ. ومع ذلك، يرى عبد الحميد أنّ التّحوّل الأعمق كان ثقافيّاً؛ فقد صارت ريادة الأعمال اليوم ظاهرةً متجذّرةً ومألوفةً، بعيدةً كلّ البعد عن واقعها عند إطلاق القمّة لأوّل مرّةٍ.

يقول عبد الحميد شرارة لمجلة "عربيةInc. ": "لقد أصبحت ثقافة ريادة الأعمال متاحةً للجميع وواسعة الانتشار، وأصبحت خياراً مهنيّاً متاحاً للنّاس عموماً. في البداية، لم يكن الأمر كذلك؛ فقد كانت مساحةً متخصّصةً جدّاً، وكان من الصّعب علينا شرح ما نقوم به للآخرين". ويستعيد هنا ذكرياته مع النّسخة الأولى لقمة رايز أب في 2013، حين نظّم عرضاً تفاعلًًا تضمن هولوغرام طلعت حرب، مؤسِّس بنك مصر (الّذي يُعتبر أوّل بنك يُؤسّس برأس مال مصري)، لتوضيح معنى "تأسيس" مشروعٍ ما. ومع حلول عام 2026، لم تعد الحاجة لمثل هذا الشّرح قائمة. ويشير شرارة: "اليوم، كلّ شابٍّ، وليس فقط من جيل إكس أو جيل زد أو حتى جيل ألفا، يسعى لبدء مشروعه الخاصّ أو للعمل مع شركةٍ ناشئةٍ؛ وهذا يمثّل تحوّلاً هائلاً. وأعتقد أنّ هذا هو التّغيير الأهمّ. لطالما كان حلمنا أن نرى هذا يحدث، ليس لامتلاكه، بل لمواصلة دورنا كمحفّزٍ للأفكار، بدل أن نكون مجرّد مظلّةٍ".

مع اتّساع نطاق ريادة الأعمال، توسّعت كذلك قمة رايز أب، محوّلةً صياغتها نحو برامج غامرةٍ تشمل اليوم عروضاً مباشرةً، ومناظراتٍ، ومحاكاةً تفاعليّةً. وتغيّر المكان أيضاً؛ فما بدأ في مركز الابتكار ومساحة العمل المشترك (The GrEEK Campus) في قلب القاهرة، انتقل لاحقاً إلى المتحف الكبير. بالنسبة لعبد الحميد، يمثّل هذا الانتقال تحوّلاً ذا معنى؛ فيوضح قائلاً: "المتحف الكبير مكانٌ بُني عند نقطة التقاء بين التّراث الثّقافيّ الغنيّ لمصر وتاريخها، ومستقبلها، وهو النّاس. نحن دائماً نقول للزّوار، الجميع يأتي إلى المتحف من أجل التّاريخ، أمّا نحن فنأتي من أجل المستقبل؛ وهذا أيضاً تحوّلٌ بارزٌ".

قد يكون التّوسّع الّذي شهدته قمة رايز أب أبرز ما يميّزها عن بداياتها، حيث نُظّم أحدث إصدار من الفعاليّة تحت رعاية وزارة التّخطيط والتّنمية الاقتصاديّة والتّعاون الدّوليّ المصريّة، والمجموعة الوزاريّة لريادة الأعمال، ووزارة الاستثمار، والهيئة المصريّة للضّرائب، وبالشّراكة مع مشغّل المتّحف، شركة (Legacy Development and Management)، التّابعة لمجموعة حسن علام القابضة، المطوّر العقاريّ المصريّ. وفي واحدةٍ من أكثر اللّحظات فخراً في تاريخ القمّة، استضافت قمة رايز أب هذا العام الإعلان عن ميثاق الشّركات النّاشئة في مصر، وهو الحدث الّذي شهد مشاركة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ومجلس الوزراء المصريّ في جلسةٍ ختاميّةٍ ضمن فعاليّات التّجمع.

رغم كلّ هذه التّغيّيرات، يؤكّد عبد الحميد شرارة أنّ مهمّة قمة رايز أب لم تتغيّر. بالنّسبة له، تظلّ القمّة منصةً محايدةً تربط الشّركات النّاشئة بالموارد، وتستمرّ في التّفاعل مع مختلف عناصر النّظام البيئيّ لريادة الأعمال، حتّى مع ظهور المنافسة من القطّاعين العام والخاصّ. وبالنّسبة له، تظلّ قمّة رايز أب مساحةً يمكن للنّاس فيها "لقاء المستثمرين، وإتمام الصّفقات، واستلهام الأفكار، والتّوظيف، والتّركيز على الفرص؛ أيّاً كانت احتياجاتهم… لديهم دليلٌ يساعدهم جميعاً في العثور عمّا يبحثون عنه، وفي الوقت نفسه، يوجد فيها نوعُ من المصادفة السّعيدة… وهذا لأنّ ذلك متجذّرٌ في حمضنا النّوويّ، وفي ثقافتنا، وفي عمليّاتنا، وفي روتيننا اليوميّ في رايز أب، لنظلّ منصّةً للنّظام البيئيّ للشّركات النّاشئة الّذي وُلد في مصر وانطلق إلى العالم. وهذا لم يتغيّر".

وربّما يكون الأثر الأكثر وضوحاً بالنّسبة لعبد الحميد شرارة وفريقه (الّذي، كما يخبرنا، أصبح الآن مزيجاً من جيل الألفية المخضرمين وجيل زد الواعد)، هو توسّع أرضيّة المعرض لتشمل الشّركات النّاشئة. ومن اللّافت أنّ كثيراً من الشّركات الّتي بدأت مسيرتها في رايز أب قبل عقدٍ من الزّمن قد حقّقت نجاحاتٍ باهرةً، ووصل بعضها إلى الإدراج في الأسواق الماليّة العامّة؛ فيقول عبد الحميد: "أشعر بالفخر دائماً عندما أرى شركاتٍ تتكوّن من شخصين أو ثلاثة، وأتابع كيف تنمو بشكلٍ هائلٍ، فهذا دليلٌ حيٌّ على هذا الإمكان الهائل". ويضيف: "أمّا نحن، فمحفّزون فقط. لا أستطيع القول إنّنا السّبب وراء هذا النّجاح؛ على العكس، نحن جزءٌ صغيرٌ جدّاً من تلك القصّة. لكن ما نقوم به يشبه تأثير الفراشة؛ نربط بين الأطراف ونحافظ على الفضاء بطريقةٍ طبيعيّةٍ وعضويّةٍ، ليبدأ النّجاح في الانتشار والتّوسّع."

وجاءت أكبر مصداقيّةً من رؤية العديد من هذه الشّركات تعود إلى القمّة، لتردّ الجميل؛ فيقول عبد الجميد موضّحاً: "يكمن النّجاح في العثور على هذه الشّركات وهي تعود وتشارك، سواء برعاية الحدث أو بعرض أعمالها بعد عشر سنواتٍ، لأنّها تريد أن تردّ الجميل. ولهذا نطلق قمّةً للتّجارة الإلكترونيّة مع بوسطة (Bosta) -الشّركة الرّائدة في الخدمات اللّوجستيّة ومقرّها القاهرة- الّتي كانت عارضاً هنا في السّابق، واليوم تدير عشرات الآلاف من شركات التّجارة الإلكترونيّة في مصر عبر منصّتها؛ ممّا يشكّل حلقةً مستمرّةً، وأعتقد أنّ هذا هو الأثر المتسلسل الّذي نحرص على استمراره".

بعيداً عن نسخته السّنويّة، ومن خلال الفعاليّات المتخصّصة مؤخّراً في قطّاعاتٍ مثل العقارات التّقنيّة (PropTech) والتّجزئة، وسّعت قمة رايز أب نشاطاتها لتصبح عامل تمكينٍ حقيقيٍّ للنّظام البيئيّ الرّياديّ. ففي عام 2021، حصلت على تمويلٍ من شركة الاستثمار A15، وهي الآن تستعدّ لإطلاق مسرّع أعمالٍ متعدّد القطّاعات بالشّراكة معها. كما أقامت شراكاتٍ مع رجل الأعمال وعضو لجنة تحكيم برنامج شارك تانك مصر أحمد طارق، ومطوّر مصر إيطاليا للتطوير العقاري (Misr Italia - Developers EG) لتطوير مراكز ابتكارٍ في القاهرة.

ويستعدّ الحدث أيضاً لإطلاق مركزٍ رائدٍ بمساحة 11,000 مترٍ مربّعٍ في المتحف الكبير، يضمّ برنامجاً للابتكار والشّركات النّاشئة، مختبراتٍ إبداعيّةً، مسابقات برمجةٍ وتحدّياتٍ، مساحاتٍ إعلاميّةٍ، ومكاتب عملٍ مشتركةً. ومن وجهة نظر عبد الحميد شرارة، تمثّل هذه الشّراكات دليلاً إضافيّاً على تطوّر النّظام البيئيّ للشّركات النّاشئة في المنطقة؛ فيقول: "يريد الجميع أن يخصّص مساحته لهذه المجتمع، لهؤلاء الرّياديين، لتلك الشّركات النّاشئة؛ وهذا بدوره سيضمن استمرار زخم قمّة رايز أب يوميّاً، وسيسهم في خلق نجاحاتٍ إضافيّةٍ مع مرور الوقت".

عند استعراض رحلته الرّياديّة الشّخصيّة، يتحدّث عبد الحميد شرارة بصراحةٍ عمّا قام به بشكلٍ صحيحٍ، وما كان يمكنه فعله بصورةٍ أفضل، أثناء تقديمه النّصائح لزملائه في النّظام البيئيّ. أوّلاً وقبل كلّ شيءٍ، ينصح المؤسّسين بالاهتمام بكافّة جوانب صحّتهم -الجسديّة والعقليّة والعاطفيّة. ثانياً، يشير إلى التّواضع كقيمةٍ يجب على كلّ رائد أعمالٍ أن يتحلّى بها؛ فيقول: " ابقَ واقعيّاً، وركّز على الإنجاز بدلاً من الاكتفاء بالحديث عن الأمور … لا تكن أبداً أذكى شخصٍ في الغرفة، فابقَ متواضعاً". وأخيراً، اجعل الهدف دائماً في صميم اهتماماتك؛ فيضيف شارحاً: "كن مؤمناً بشدّةٍ بما تقوم به، وإذا واصلت تذكير نفسك بقيمك وثقافتك، فلن يُقاس النّجاح بما هو صغيرٌ وملموسٌ في اللّحظة، بل بالتّغيير الأوسع. وهذا ما يحفّزني كرائد أعمالٍ: أن أرى التّغيّير على نطاقٍ أوسع بطريقةٍ إيجابيّة"ٍ.

التّأثير المترابط

أحد أبرز التّحوّلات الّتي شهدها عبد الحميد شرارة خلال الثّلاثة عشر عاماً منذ تأسيسه لقمة رايز أب ليس فقط في كيفيّة تطور المشهد الرّيادي في مصر، بل في الطّريقة الّتي نما بها النّظام البيئيّ في المنطقة بأسرها. ففي سنواتها الأولى، كان تركيز القمّة منصبّاً بشكلٍ أساسيٍّ على مصر والأردن، بينما يشير الآن إلى النّظم البيئيّة المزدهرة في الإمارات العربيّة المتّحدة والمملكة العربيّة السّعوديّة، بالإضافة إلى المغرب الرّاسخ.

وبناءً على ذلك، طوّرت قمة رايز أب نطاق فعاليّاتها بالتّوازي مع هذا التّوسّع. ففي العامين الماضيين، نظّمت القمة نسخةً سعوديّةً لتلبية احتياجات الشّركات النّاشئة في دول مجلس التّعاون الخليجيّ، بالشّراكة مع وزارة الاتّصالات وتقنية المعلومات السّعوديّة، والاتّحاد السّعوديّ للأمن السيبرانيّ والطّائرات بدون طيّارٍ. يقود فريق العمل في السعودية رائدة الأعمال السّعوديّة الأميرة لولوة آل سعود، والّتي يشير عبد الحميد إلى أنّها "مؤمنةٌ بالحمض النّوّوي للشّباب السعّوديّ". ويضيف: "يوجد زخمٌ كبيرٌ هناك، فالمشهد في السعودية يتّجه نحو الأشخاص الجادّين، بعد أن كان هناك الكثير من الضّجّة في البداية وجذب الانتباه العالميّ. أمّا الآن، فالأمر يخصّ الأشخاص الّذين يفعلون شيئاً حقيقيّاً، ونحن نحرص على الاستمرار كجزءٍ من هذا المسار.

تخطّط القمّة أيضاً للتّوسّع نحو أوروبا، مع اعتبار أمستردام كمركزٍ محتملٍ لهذا التّوسّع. الهدف؟ إقامة فعاليّةٍ قاريّةٍ موحّدةٍ تخدم كلّ منطقةٍ. يقولعبد الحميد: "نريد الحفاظ على الرّوابط مع جميع النّظم البيئيّة. أنا لا أؤمن بفكرة وجود مركزٍ واحدٍ فقط، فهذا غير موجود، هناك دائماً مراكز متعدّدةٌ. انظر إلى أوروبا: لندن مركز، ستوكهولم مركز، باريس مركز، أمستردام مركز. لذا، لا أؤمن بفكرة وجود مركزٍ واحدٍ فقط، وأعتقد أن جميعها ستتصّل ببعضها". الأمر الذي يعكس إيمانه الشّخصيّ بأنّ النّظم البيئيّة يجب أن تتطوّر أوّلاً بشكلٍ مستقلٍّ، ثم بشكلٍ جماعيٍ. ويقول موضّحاً: " أنا أؤمن بأنّ النّظم البيئيّة للابتكار في كلّ مدينةٍ يجب أن تنمو بشكلٍ مستقلٍّ أوّلاً، مثل عمّان، القاهرة، بيروت، دبي، الرياض، البحرين، والمغرب، ثم تتكامل لاحقاً. وعندما تتمكّن شركةٌ من فتح 20-30% على الأقلّ من هذه النّظم، فإنّها تتحوّل طبيعيّاً إلى يونيكورن أو أكثر من حيث النّموّ أو التّقييم".

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 9 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: