الرئيسية التنمية قراءة المشهد: لماذا يحتاج فريق التسويق لديك إلى مُحفّز المبادرات المؤثرة؟

قراءة المشهد: لماذا يحتاج فريق التسويق لديك إلى مُحفّز المبادرات المؤثرة؟

حين تتّسع الفجوة بين خطاب العلامات التجارية ومشاعر النّاس، يظهر مُحفّز المبادرات المؤثّرة ليحوّل التسويق من حملات عابرة إلى حركات ذات معنى

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

هناك فجوةٌ متّسعةٌ بين ما تقوله العلامات التّجاريّة وما يشعر به النّاس، ومن هذا المنطلق يظهر نوعٌ مختلفٌ من المسوّقين. ويعمل مُحفّز المبادرات المؤثّرة (Movement Maker) على مستوىً أعمق بكثيرٍ؛ فهو ينظر إلى الأمور بشكلٍ كليٍّ، متتبعاً الثّقافة، والبشر، وعلم النّفس، والقوى العميقة الّتي تحرّك الأفراد والمجتمعات. ويفهم النّسيج العاطفيّ داخل المنظّمة بقدر فهمه للعالم الخارجيّ، منتبهاً إلى ما يولّد التّعلّق، وما يحفّز الأفعال، وما يمنح النّاس إحساساً بالتّقدّم أو بالهويّة.كما أنّ المبادرة الجماعيّة المؤثّرة تحمل بعداً عاطفيّاً عميقاً يتجاوز منطق سيكولوجيا الشّراء، ولهذا يعمل مُحفّز المبادرات المؤثّرة كأنّه طبيبٌ نفسيٌّ للعلامة التّجاريّة، قادرٌ على ترجمة المعاني الإنسانيّة إلى توجّهاتٍ استراتيجيّةٍ. وتتمثّل مهمّته في قراءة الثّقافة، وتفسير سلوك النّاس، ومواءمة ما يُقدّم مع هذا الفهم، ومساعدة العلامة التّجاريّة على أن تصبح ذات صلةٍ حقيقيّةٍ بما يلقى صدىً عميقاً لدى الجمهور.

للعمل بهذه الطّريقة، يحتاج المسوّقون إلى تحوّلٍ جذريٍّ في طريقة التّفكير، بحيث يضعون النّاس في المقام الأوّل والأدوات في المقام الثّاني. فالمعطيات، والتّقنيات، والقنوات، رغم قوّتها الكبيرة، تظلّ أدواتٍ يجب أن تخدم العمل وتسهم في تحقيق أهدافه، لا أن تسيطر عليه أو تحيد به عن مساره. وتصبح الأفكار والرّؤى ذات قيمةٍ حقيقيّةٍ عندما تعمّق الأثر العاطفيّ، وتساهم في تعزيز قدرة العلامة التّجاريّة على التّواصل بعمقٍ مع جمهورها، فتتحوّل الاستراتيجيّة التّسويقيّة إلى تجربةٍ متكاملةٍ تجمع بين الفهم الإنسانيّ والقدرة التّقنيّة في آنٍ واحدٍ.

يعتمد العمل الفعّال على توازنٍ دقيقٍ يبلغ 60–40، حيث تمثل 60% منه الحدس، والحوار، وقراءة الثّقافة، والفهم العميق للنّاس، بما يشمل إقامة الصّلة، والإحساس بالعاطفة، والمواءمة مع غرض العلامة التّجاريّة. هذه الطّبقة الإنسانيّة هي القلب النّابض للتّسويق، فهي تمنحه عمقه ومصداقيّته وتجعل تواصله مع الجمهور صادقاً وذا معنىً. أمّا 40% المتبقية، فتتجلّى في تحويل هذا الفهم إلى أفعالٍ ملموسةٍ من خلال البيانات، والرّؤى، والطّلاقة الرّقميّة، فمعرفة القنوات المناسبة للوصول إلى النّاس، وفهم إشارات المنصّات الرّقميّة، وتحليل أداء الصّيغ المختلفة، كلّ ذلك يوجّه نحو اتّخاذ قراراتٍ أكثر حكمةً، ويضمن توصيل الرّسالة بدقّةٍ أكبر. بهذا التّوازن، تضمن الستون بالمئة القدرة على التّواصل بعمقٍ، بينما تضمن الأربعون بالمئة توسيع نطاق هذا التّواصل ليصل إلى أكبر عددٍ ممكنٍ من النّاس. ومُحفّزو المبادرات المؤثّرة هم من يحترمون كلا الجانبين، فهم يجمعون بين فهم النّاس وإتقان التّكنولوجيا، ويحوّلون هذا الجمع إلى استراتيجيّةٍ متينةٍ وغايةٍ واضحةٍ، تجعل العلامة التّجاريّة ذات صلةٍ حقيقيّةٍ وتترك أثراً ممتدّاً لدى جمهوره.

تعتبر الحملات جزءاً أساسيّاً من التّسويق، فهي تولّد الوعي، وتقدّم المعرفة، وتخلق الطّلب، وتعزّز ولاء الجمهور. أمّا المبادرات الجماعيّة المؤثّرة فتسلك مساراً مختلفاً، فهي لا تُطلَق فحسب، بل يختار النّاس الانخراط فيها والمشاركة فيها بإرادتهم، ما يمنحها حياة وتأثيراً يتجاوز مجرّد التّرويج. وقد تتجلّى هذه المبادرات من خلال سلسلةٍ من البرامج أو المشاريع أو حتّى القضايا الّتي تمتدّ مدى الحياة، لكن قوّتها الحقيقيّة تكمن فيما تشعل من أثرٍ وحراكٍ داخل المجتمع، لا فيما تقدّمه بشكلٍ مباشرٍ؛ فالمبادرات الجماعيّة المؤثّرة تلهم التّقدّم، وحين تصبح حركة العلامة التّجاريّة قويّةً، يكتسب منتجاتها وحلولها زخماً طبيعيّاً، إذ يتبنّى النّاس ما يتوافق مع قناعاتهم وقيمهم، فتتحوّل العلاقة مع العلامة التّجاريّة إلى تجربةٍ متكاملةٍ ذات معنىً وتأثيرٍ ممتدٍّ.

تُلهم المبادرات الجماعيّة المؤثّرة النّاس على التّحرّك، والتّغيير، والانخراط، والدّفاع عن قضيّةٍ، أو المشاركةٍ في شيءٍ ذي معنى حقيقيٍّ. وبما أنّ العنصر الجوهرِيّ في أيّ مبادرةٍ جماعيّةٍ هو الفعل البشريّ، فإنّ أنسب طريقةٍ لقياس تأثيرها طويل المدى تتمثّل في طرح السّؤال: كم عدد الأشخاص الّذين تحرّكوا، وما سبب تحرّكهم؟ هل غيّر الأفراد سلوكاً ما، أو تبنّوا قناعة، أو شاركوا في نشاط أطلقت العلامة التّجاريّة شرارته؟ هل رسالتهم وجدت صدى، أم باءت بالفشل؟ هل يتم إلهام الأشخاص المناسبين، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما الّذي يحتاج إلى تعديلٍ؟ غالباً ما تحمل المبادرات الجماعيّة طابعاً تصاعديّاً، إذ تمتلك سرعة انفعالٍ عاطفيٍّ؛ فالمنحنى يرتفع بسرعةٍ، لأنّ النّاس لا يستجيبون للرّسالة فحسب، بل للإلهام المشترك الّذي تتبنّاه المجموعة. هذا المسار يقدّم رؤيةً أعمق بكثيرٍ حول التّأثير طويل المدى ممّا يمكّن لأي مقياسٍ قصير الأجل أن يقدّمه.

وعندما تنظر حولك، ستجد المبادرات الجماعيّة المؤثّرة في كلّ مكانٍ، سواء كانت كبيرةً أو صغيرةً؛ فعلامةٌ تجاريّةٌ مثل  "هيومنترا" (Humantra)، الّتي انطلقت في الإمارات العربيّة المتّحدة حول فكرةٍ بسيطةٍ، لكنّها حيويّة مثل الحفاظ على التّرطيب، نجحت في خلق نوعٍ من المبادرة الجزئيّة في مجال الصّحة. إذ يوصي النّاس بها، ويتبنّاها آخرون، ويصبح السّلوك جزءاً من نمط حياتهم. ومثال آخر من الإمارات هو "حركة العطاء" (The Giving Movement)، وهي علامةٌ تجاريّةٌ في مجال الأزياء ترتبط شعبيّتها ليس فقط بجودة المنتج، بل بالتّمسّك بقضيّةٍ أكبر، ودعم المبادرات الإنسانيّة. ويمكنك أن تشعر بهذا النّظام القيميّ في كلّ مرّةٍ ترى فيها شخصاً يرتدي ملابسها.

ثم، بالطّبع، هناك الرّموز العالميّة؛ فقد أحدثت مواقف "نايك" (Nike) من الشّجاعة والشّموليّة تموّجاتٍ ثقافيّةً تجاوزت حدود الإعلان التّقليديّ. وأدّى النّشاط البيئيّ لـ "باتاغونيا" (Patagonia) إلى بناء مجتمعٍ متجذّرٍ في المسؤوليّة المشتركة. أما "تي إي دي" (TED) وبرنامجها "الأفكار الّتي تستحقّ الانتشار" (Ideas Worth Spreading)، والّذي قد يكون أحد أقوى المبادرات الجماعيّة على الإطلاق؛ فلم يروّج لمنتجٍ، بل جمع النّاس حول الفضول والتّعلّم والإيمان بأنّ الأفكار قادرةٌ على تغيير المجتمع. جميع هذه الأمثلة تؤكّد حقيقةً واحدةً: عندما تتبنّى العلامات التّجاريّة قناعةً ذات معنىً، يتجمّع النّاس حولها، وتنمو المبادرات الجماعيّة من صدىً عاطفيٍّ حقيقيٍّ.

فالتّسويق المُتقن هو ذلك الفنّ الّذي يجمع بين الإقناع والتّواصل البليغ. أمّا مُحفّزو المبادرات المؤثّرة، فهم من يطلقون الطّاقات الكامنة لهذا التّسويق ويحرّرونها. وهم يذكّرون المؤسّسات بأنّ العلامات التّجاريّة الأكثر تأثيراً ليست تلك الّتي تتحدّث بصوتٍ أعلى، بل تلك الّتي تحرّك النّاس، ومن خلال ذلك، تحرّك الثّقافة إلى الأمام.

كاتب

تُعدّ شارال إزهيمان (Charral Izhiman) قياديّةً بارزةً في مجال التّسويق وناطقةً متخصّصةً، وهي مؤلّفة كتاب "حركة التّسويق" (The Marketing Movement)، الّذي يعيد تعريف التّسويق باعتباره قوّةً قياديّةً مدفوعةً بالبشر. تنبض شرّال بالشّغف لجعل التّسويق مفهوماً وسهل الوصول إليه، فتستخدم لغةً واضحةً وأمثلةً واقعيّةً تساعد القادة على إدراك الإمكانات الحقيقيّة للتّسويق وتطبيقها عمليّاً. ويستعرض كتابها "إطار" (SHAPE) -وهو نموذج متكامل قائم على 5 ركائز- كيفيّة بناء وظائف تسويقيّةٍ قويّةٍ وجاهزةٍ لمواجهة تحدّيات المستقبل، كما يقدّم مؤشّر جاهزيّة المبادرة الجماعيّة (Movement Readiness Index)، وهو أداةٌ عمليّةٌ تمنح القادة وضوحاً حول موقعهم الحاليّ، وتحدّد لهم الخطوات الّتي يمكن اتّخاذها للارتقاء بمبادراتهم التّسويقيّة وتحقيق تأثيرٍ أكبر.

تابعونا على قناتنا على واتس آب لآخر أخبار الستارت أب والأعمال
زمن القراءة: 6 دقائق قراءة
آخر تحديث:
تاريخ النشر: