الأخبار

وسط تزايد الوظائف، لماذا تُسرّح شركات التكنولوجيا الكبرى موظفيها؟

تحليلٌ للتناقض الظاهري بين نمو الوظائف وموجات التسريح في قطاعات التكنولوجيا والتمويل ووسائل الإعلام

بواسطة فريق عربية.Inc
images header

تزامن النّموّ الهائل في عدد الوظائف في الشُّهور العديدة الماضية مع تصريحات عددٍ من الشَّركات الكبرى بتسريح عددٍ كبيرٍ من الموظَّفين، إذاً، كيف يحدث كلُّ ذلك في الوقت ذاته؟ ليس في الأمر تناقضٌ مثلما قد يُخيّل لبعضهم، إذ تركَّزت التَّسريحات التي جرت مؤخَّراً في الأساس في قطَّاعاتٍ قليلةٍ فقط: هي التُّكنولوجيا، والتُّمويل، ووسائل الإعلام.[1]

وبالنَّسبة للقوى العاملة في الولايات المتَّحدة، البالغة 160 مليون شخصٍ، فإنَّ موجة التَّسريحات حتَّى الآن قد تضاءلت مقارنةً مع التَّوظيف المستمرِّ ومع متوسطٍ شهريٍّ يضاف إلى الاقتصاد بحدود 248 ألف وظيفةٍ خلال السَّتة أشهر الماضية، فمعدّل البطالة ما يزال فقط 3.7%، أيّ بالكاد يتخطَّى أدنى مستوى له خلال 50 عاماً.

اتضح أنَّ العديدَ من الشَّركات التي عمدت إلى إقالة بعض موظَّفيها كانت قد زادت من حجم التَّوظيف خلال جائحة كورونا، وعندما اعتقدت أنَّ الاتّجاهات التي ظهرت في تلكَ الآونة -خاصةً ارتفاع التَّسوق عبر الإنترنت- ستستمرُّ على النَّحو نفسه، ومع تحسُّن الاقتصاد، اكتشفت العديد من هذه الشَّركات أنَّها لم تعد بحاجةٍ إلى العديد من الموظَّفين، إذ كانت استجابتها للتغيُّر الحاصل بفرض إجراءاتِ الإقالة.

وفي يناير، أضافت الشَّركات الأمريكيَّة وشركاتٌ أخرى 353 ألف وظيفةٍ، وكانت تُمثِّل أكبر حصيلةٍ شهريَّةٍ في عام 2023، وعدَّلت الحكومة أيضاً تقديراتها بخصوص نموِّ الوظائف في نوفمبر وديسمبر بمجموعٍ بلغ 126 ألف وظيفةٍ، إذ كانت البيانات تُقدِّم أدلَّةً قويّةً على أنَّ معظم الشَّركات، سواءً كانت كبيرةً أم صغيرةً، تثق بما فيه الكفاية في الاقتصاد للمضي قدماً في عمليَّات التَّوظيف.

وتعدُّ بعض الشَّركات التي أعلنت عن الإقالات من الأسماء المعروفة، مثل: Google، Amazon ،eBay ،UPS، Spotify، وMeta (الشَّركة الأم لـ Facebook)، ولم تكن تلك الشَّركات وحدها هي التي قامت بذلك، بل توجد شركاتٌ أخرى أيضاً، إذ أفادت Challenger, Gray & Christmas -وهي شركةٌ رائدةٌ في مجال التَّوظيف- هذا الأسبوع، بأنَّ الشَّركات أعلنت عن 82 ألف إقالةٍ في يناير، وهو ثاني أكبر عددٍ لشهر يناير منذ عام 2009.  والآن إليك بعض الأسباب التي قد تفسِّر هذه الاتِّجاهات التي تبدو متناقضةً ظاهرياً:

أسباب ارتفاع نسبة التسريح وسط تزايد الوظائف

الارتفاع في معدِّل التَّوظيف حاصلٌ في مجالاتٍ مختلفةٍ وكذلك معدِّل التَّسريح، إذ استمرَّت الشَّركات في توظيف المزيد من العمال خلال الثَّلاثة أشهر الماضية، على سبيل المثال، أضافت المصانع 56 ألف وظيفةٍ في نوفمبر وديسمبر ويناير مجتمعةً، وكما ازداد عدد الوظائف في المطاعم والفنادق وشركات التَّرفيه بما يقرب من 60 ألف وظيفةٍ خلال ذلك الوقت، أمَّا مقدمو الرِّعاية الصِّحيَّة -من مستشفياتٍ ومكاتب الأطباء وأطباء الأسنان- فقد ازداد معدَّل التَّوظيف فيها بحوالي 300 ألف وظيفةٍ.

وليست جميع هذه الوظائف منخفضة الأجر: فلدى قطَّاع تطلق عليه الحكومة اسم "الخدمات المهنيَّة والتِّجاريَّة" -وهو فئةٌ واسعةٌ تشمل المحاسبين والمهندسين والمحامين وموظَّفي الدَّعم الخاصِّ بهم- 120 ألف وظيفةٍ إضافيَّةٍ مقارنةً بشهر أكتوبر، كما أتاحت الحكومات الفدراليَّة والولائيَّة والمحليَّة في الولايات المتَّحدة -التي استعادت مستويات التَّوظيف الخاصَّة بها قبل الجائحة في سبتمبر- ما يقرب من 120 ألف وظيفةٍ خلال تلك الفترة.

وعلى عكس ذلك، كانت التَّسريحات محصورةً في قطَّاعاتٍ معيّنةٍ، وعموماً، لا تتتبّع وزارة العمل وظائف التُّكنولوجيا بشكلٍ خاصٍّ، ولكن تقرير الوظائف الذي صدر يوم الجمعة أشار إلى علاماتٍ على وجود مصاعب في هذا المجال، إذ ارتفع معدَّل البطالة للعاملين فيما تسمّيه الحكومة "قطَّاع المعلومات" -الذي يشمل العاملين في وسائط الإعلام والتُّكنولوجيا- من 3.9% قبل عام إلى 5.5% في يناير، وهذا يتجاوز معدّل البطالة الوطني بـ 2% تقريباً.

الإقالات لا تعني ضعف الاقتصاد

السُّؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو سبب تسريح الشَّركات العمّال، مع أنَّ الاقتصاد آخذٌ في النُّمو، والمستهلكين مستمرّون في الإنفاق؟ ففي الأسبوع الماضي، قدّرت الحكومةُ أنَّ الاقتصادَ نما بوتيرةٍ سنويَّةٍ جيدةٍ بنسبة 3.3% في الرُّبع الأخير من أكتوبر إلى ديسمبر بعد نموٍّ حادٍّ بلغ مُعدّله 4.9% في الرُّبع السَّابق.

والجواب يتلخَّص في أنَّ الشَّركاتِ تميلُ إلى التَّخلُّص من الوظائف لأسبابٍ متنوّعةٍ، فهي تفعل ذلك في بعض الأحيان من أجل إظهار التَّغييرات في استراتيجيَّة عملها، أو للحفاظ على هوامش ربحها أو زيادتها، وكانت العديد من شركات التُّكنولوجيا المتقدِّمة التي أجرت عمليَّات توظيفٍ كبيرةٍ في عام 2022، قد أخطأت في تقدير الطَّلب على منتجاتها وخدماتها على المدى الطَّويل، مع تسارع الاقتصاد عقب الرُّكود الذي خلَّفته الجائحة.

وذكرت شركة Challenger, Gray & Christmas في استطلاعٍ أجرته حول قضايا الإقالة والتَّسريح من العمل، أنَّ "إعادة الهيكلة" كانت السَّبب الرَّئيسيّ لتسريح العمال الذي أشارت إليه الشَّركات الشَّهر الماضي، وقال اقتصاديّون في Renaissance Macro إنَّه قبل عام كان السَّبب يتمثّل بـ "الظُّروف الاقتصاديَّة"، ما يعني أنَّ الشَّركاتِ كانت أشدّ قلقاً في السَّابق حول وضع الاقتصاد.

وقال الرَّئيس التَّنفيذيّ لشركة البرمجيَّات Okta، تود ماكينون، في رسالةٍ أعلن فيها أنَّ الشَّركةَ ستفصل حوالي 300 موظَّفٍ، إذ إنَّها دخلت عام 2023 بخطّةٍ نموٍّ استناداً إلى الطّلب الذي شهدته في العام السَّابق: "هذا أدّى بنا إلى القيام بفائض توظيفٍ بالنَّسبة إلى الواقع الاقتصاديّ في العام الذي نعيشهُ اليوم".

الإقالات تُنفَّذ على مرّ الوقت

عادةً ما تتضمّن التَّسريحات الكثيرة العديد من عمليَّات التَّسريح التي لا تُنفّذ على الفور، وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة UPS -التي تُقدَّم خدمات توصيلٍ وخدماتٍ لوجستيَّةٍ- في وقتٍ سابقٍ من هذا الأسبوع أنَّها ستنهي عمل 12 ألف موظَّفٍ هذا العام، ولكنَّها قالت إنَّ هذا التَّخفيض في عدد الوظائف سيتمُّ على مرِّ الأشهر؛ لذا لم تكن مدرّجةً في بيانات الوظائف لشهر يناير التي صدرت يوم الجمعة لأنَّ الإقالات لم تحدث بعد.

إنَّه اقتصادٌ ضخمٌ حقَّاً

ولا يعني ذلك بالضَّرورة أنَّ أرقامَ الوظائف التي تُصدرها الحكومة ستسوء مع مرور الوقت عند إجراء تخفيضٍ على عدد الوظائف من قبل شركة UPS وغيرها، فالإقالات هي أمورٌ محزنةٌ ومربكةٌ بشكلٍ كبيرٍ بالنَّسبة للأشخاص الَّذين يتعرَّضون لها، لكنَّها لا تؤثِّر بشكلٍ كبيرٍ في الاقتصاد الأمريكيٍّ الضَّخم حتَّى بالنِّسبة إلى مؤسَّساتٍ بحجم شركة UPS، وتُظهر بيانات الحكومة أنَّه كلُّ شهرٍ يستقيل حوالي 5 ملايين شخصٍ من عمله أو يجري تسريحه، في حين يتمُّ توظيف أكثر من 5 ملايين شخصٍ شهريَّاً.

وتؤكِّد مجموعةٌ من البيانات الأخرى أنَّ سوقَ العمل يبدو على ما يرام في الأساس، فعدد الأشخاص الَّذين يطلبون إعانات البطالة، التي طالما اعتُبرت مؤشِّراً على الإقالات، ما يزال عند مستوى منخفضٍ جداً، والبيانات غير الحكوميَّة، بما في ذلك التَّوظيف الذي يتمُّ تتبّعه من قِبَل شركة ADP لإدارة الموارد البشريَّة، تُظهر أنَّ الشَّركاتِ في القطَّاع الخاصِّ ما زالت تقوم بالتَّوظيف.

لمزيدٍ من النصائح في عالم المال والأعمال، تابع قناتنا على واتساب.

آخر تحديث:
تاريخ النشر: