التعليم لا يكفي: لماذا تبقى فجوة الرواتب رغم تفوق النساء أكاديمياً؟
حين تتفوّق النّساء أكاديميّاً، تبقى فجوة الرّواتب قائمة بسبب تحيّزاتٍ مؤسّسيّةٍ وثقافيّةٍ، ما يجعل تحقيق العدالة الماليّة تحدّياً يتجاوز التّعليم وحده
في عالمٍ تتسارع فيه التّحوّلات وتتعالى فيه الدّعوات إلى المساواة وتمكين المرأة، تبقى فجوة الرّواتب بين النّساء والرّجال حاضرةً رغم أنّ النّساء تفوّقن أكاديميّاً في معظم التّخصّصات الجامعيّة والمهنيّة. وتكشف الإحصاءات الدّوليّة مفارقةً صارخةً، إذ تدرس المرأة أكثر، وتتفوّق أكثر، ومع ذلك تكسب أقلّ. ويقود هذا التّناقض إلى سؤالٍ جوهريٍّ لا يمكن تجاهله: لماذا لا ينعكس التّفوّق الدّراسيّ على مستوى الدّخل؟ ويتبيّن أنّ الإجابة أعقد من مجرّد الحديث عن مؤهّلٍ أو شهادةٍ، لأنّ جذور المشكلة تمتدّ إلى البنية الاقتصاديّة والثّقافيّة والمؤسّسيّة الّتي تنظّم العلاقة بين التّعليم والعمل.
لماذا تبقى فجوة الرواتب رغم تفوق النساء أكاديمياً؟
لا يترجم التّفوّق الأكاديميّ للنّساء دائماً إلى مكاسب ماليّةٍ أو مهنيّةٍ متكافئةٍ مع الرّجال، لأنّ سوق العمل لا يكافئ المعرفة وحدها، بل يقيّم أيضاً مدى الخبرة العمليّة، وساعات العمل، والجاهزيّة للتّفرّغ، وهي عوامل تميل كفّتها لصالح الرّجال في أغلب الأحيان. ولذٰلك، ورغم أنّ المرأة اجتازت الحواجز التّعليميّة وحقّقت حضوراً لافتاً في الجامعات، إلّا أنّ الطّريق إلى المساواة في الأجور لا يزال مليئاً بالعقبات.
ويتبيّن أنّ هذه المفارقة تنبع من منظومةٍ مركّبةٍ تداخلت فيها العادات المؤسّسيّة بالمعايير الاجتماعيّة. على سبيل المثال، تمنح الرّجال في كثيرٍ من المؤسّسات فرصاً أكبر للمشاريع الكبرى والمناصب الإشرافيّة، ممّا يتيح لهم تراكم الخبرة الّتي تترجم لاحقاً إلى أجورٍ أعلى. وفي المقابل، تسند إلى النّساء أدوارٌ إداريّةٌ أو مساعدةٌ محدودة التّأثير الماليّ، فتقيّد طاقاتهنّ داخل حدودٍ مهنيّةٍ لا تعبّر عن كفاءتهنّ الأكاديميّة.
ومن جهةٍ أخرى، تمارس المؤسّسات أحياناً سياساتها الدّاخليّة بقدرٍ من الغموض، إذ تمنح التّرقيات وفق معايير غير مكتوبةٍ تعتمد على العلاقات والشّبكات غير الرّسميّة أكثر ممّا تعتمد على الأداء الفعليّ. وبما أنّ الرّجال يشكّلون تاريخيّاً الجزء الأكبر من دوائر النّفوذ، تميل الكفّة تلقائيّاً لصالحهم، فتتّسع فجوة الرّواتب دون إعلانٍ أو نيّةٍ مسبقةٍ، بل عبر سلسلةٍ من القرارات الصّغيرة الّتي تكرّس التّفاوت عاماً بعد عامٍ.
إضافةً إلى ذلك، تلعب مسألة التّفاوض دوراً حاسماً في تكريس الفارق الماليّ بين النّساء والرّجال. إذ تشير الدّراسات إلى أنّ النّساء أقلّ ميلاً للمطالبة بزياداتٍ في الأجور أو لخوض مفاوضاتٍ صلبةٍ حول مستحقّاتهنّ، لأنّ ثقافة العمل ما زالت تعاقب المرأة الّتي تظهر الحزم وتصفها بالاندفاع، في حين تكافئ الرّجل نفسه على ما يعدّ طموحاً وثقةً بالنّفس. وهٰكذا، يبدأ التّفاوت منذ اللّحظة الأولى للتّعيين، ويتضخّم تدريجيّاً مع التّرقيات اللّاحقة الّتي تبنى غالباً على الرّاتب الأساسيّ الأوّل. [1]
أثر التحيز غير المعلن في الترقيات والأجور
قد لا تعلن المؤسّسات عن تمييزها، لكنها تمارسه بطرقٍ خفيةٍ يصعب قياسها. فعندما يُعرض على الموظّفين ترقيةٌ أو زيادةٌ في الرّاتب، يُفترض أنّ المعايير موضوعيّةٌ، لكنها في الواقع كثيراً ما تتأثر بعوامل اجتماعيّةٍ غير مهنيّةٍ، مثل صورة "الالتزام الكامل" بالعمل أو "الجاهزيّة الدّائمة" للمهمات الطّارئة، وهي صفاتٌ يُتوقّعها المديرون عادةً من الرّجال أكثر من النّساء. وهنا يتعمّق تأثير فجوة الرّواتب لأنّها لا ترتبط بعدد الشّهادات أو المهارات، بل بانطباعاتٍ بشريّةٍ غير واعيةٍ تقوّم الأداء بمعايير متحيّزةٍ. وتشير الدّراسات إلى أنّ النّساء قد يتعين عليهنّ تقديم أدلةٍ مضاعفةٍ لإثبات كفاءتهن، بينما يحصل الرّجل على الثّقة المسبقة بصفته "الأقدر على القيادة".
السياسات الحكومية ودورها في تضييق الفجوة
لا يمكن سدّ فجوة الرّواتب دون تدخّلٍ تشريعيٍّ وسياسيٍّ يفرض الشّفافيّة والمساءلة. فحين تلزم الحكومات المؤسّسات بالإفصاح عن مستويات الأجور، وتقرّ قوانين المساواة في الأجر مقابل العمل المتكافئ، تبدأ الفوارق بالانكماش تدريجيّاً. وقد أثبتت التّجارب في بعض الدّول الأوروبيّة أنّ الشّفافيّة في الأجور أداةٌ فعّالةٌ لكشف التّحيّز ومعالجته من جذوره. ومع ذٰلك، تبقى القوانين بلا أثرٍ حقيقيٍّ إن لم تدعم بإرادةٍ مؤسّسيّةٍ حازمةٍ تطبّقها، وبثقافةٍ مجتمعيّةٍ تشجّع النّساء على المطالبة بحقوقهنّ دون خوفٍ أو تردّدٍ. كما تلعب السّياسات التّعليميّة دوراً مكمّلاً في تضييق الفجوة، حين تشجّع الفتيات على دراسة التّخصّصات العلميّة والهندسيّة ذات الأجور العالية، وتوفّر لهنّ برامج توجيهٍ مهنيٍّ ومؤسّسيٍّ تساعدهنّ على دخول أسواق العمل التّنافسيّة بثقةٍ واستعدادٍ. [2]
الخاتمة
تؤكّد الحقائق أنّ التّعليم، على أهمّيّته، لا يكفي وحده لتقليص فجوة الرّواتب، لأنّ العواقب الحقيقيّة تكمن في بنية العمل وثقافة المؤسّسات، لا في قدرات الأفراد. وحتّى مع تفوّق النّساء أكاديميّاً، تبقى العقبات الاجتماعيّة والتّحيّزات الضّمنيّة والفجوات القطاعيّة حاجزاً أمام العدالة الماليّة. ولتحقيق المساواة الحقيقيّة، لا بدّ من إعادة تعريف النّجاح المهنيّ على أساس الكفاءة والإنتاج، وبناء بيئة عملٍ تراعي التّوازن بين الحياة الخاصّة والمهنيّة، حتّى لا يعاقب أحدٌ على اختياراته الإنسانيّة.
فردم فجوة الرّواتب لا يتطلّب مزيداً من الشّهادات بقدر ما يتطلّب وعياً جماعيّاً ومؤسّسيّاً يعترف بأنّ التّقدير الماليّ يجب أن يبنى على القيمة لا على النّوع، وعلى المساهمة لا على الصّورة، وعلى العدالة لا على الأعراف. وحينها فقط يصبح التّفوّق الأكاديميّ مفتاحاً للإنصاف، لا إنجازاً رمزيّاً يبقى حبيس الأرقام والإحصاءات.
-
الأسئلة الشائعة
- ما الأسباب الرئيسية وراء استمرار فجوة الرواتب رغم تفوق النساء أكاديمياً؟ تعود الأسباب إلى سياسات توظيفٍ غير شفّافةٍ، وتحيّزاتٍ اجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ تحدّ من فرص النّساء في التّرقي، إضافةً إلى تركزهنّ في تخصّصاتٍ ذات أجورٍ منخفضةٍ، وضعف ثقافة التّفاوض على الأجور.
- هل تؤثر التخصصات الدراسية في حجم فجوة الرواتب؟ نعم، فالتّخصّصات التي تهيمن عليها النّساء مثل التّعليم والرّعاية الصّحيّة غالباً ما تكون أقلّ دخلاً مقارنةً بالتّخصّصات التّقنيّة والهندسيّة والماليّة الّتي يسيطر عليها الرّجال.