البنتاغون يصنف Anthropic كخطر على سلسلة التوريد: ماذا يعني ذلك فعلياً؟
حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي ضمن العقود العسكريّة المباشرة، يبرز نطاق القرار المحدود وتأثيره على الأعمال غير المرتبطة بالدّفاع
في يوم الأربعاء الموافق 4 مارس 2026، أعلنت وزارة الحرب في الولايات المتحدة (United States Department of War) رسمياً تصنيف شركة أنثروبيك (Anthropic)، وهي إحدى أبرز الشركات الرائدة في صناعة الذكاء الاصطناعي (AI)، باعتبارها «مصدر خطر على سلسلة التوريد المرتبطة بالأمن القومي الأمريكي».
ويمثّل هذا القرار تصعيداً لافتاً في مسار المفاوضات الجارية بين شركة أنثروبيك والبنتاغون حول استخدام الجيش الأمريكي لنموذج «كلود» (Claude)، وهو العائلة الرئيسية من نماذج الذكاء الاصطناعي التي طوّرتها الشركة، والتي ارتبطت أيضاً بجائزة «المؤسس المشارك للعام» التي تمنحها مجلة إنك (.Inc) غير أنّ شركة أنثروبيك سارعت إلى التوضيح بأن نطاق هذا التصنيف في الواقع ضيّق للغاية، وأن أثره العملي سيقتصر فقط على الشركات التي تستخدم نموذج «كلود» (Claude) تحديداً ضمن تعاملاتها المباشرة مع وزارة الحرب في الولايات المتحدة.
وبهذا التصنيف تصبح شركة أنثروبيك أول شركة أمريكية في التاريخ تُدرج ضمن فئة «مخاطر سلسلة التوريد». إذ إن هذا الإجراء عادةً ما يُستخدم في سياق الشركات الأجنبية، ولا سيما تلك التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع حكومات بلدانها. ولتوضيح ذلك، يكفي التذكير بما حدث في عام 2020 عندما صنّفت لجنة الاتصالات الفيدرالية (Federal Communications Commission) شركة هواوي (Huawei) باعتبارها خطراً على سلسلة التوريد بسبب ارتباطاتها بالحكومة الصينية، وهو تصنيف استُخدم جزئياً لمنع استخدام معدات الشركة في بناء البنية التحتية لشبكات الجيل الخامس الخلوية (5G) في الولايات المتحدة.
ووفقاً للقانون الفيدرالي الأمريكي، فإن إدراج شركة ما ضمن قائمة مخاطر سلسلة التوريد من قبل الجيش الأمريكي يعني أن القيادة العسكرية قد خلصت إلى أن «خصماً» محتملاً قد يكون قادراً على «تخريب النظام، أو إدخال وظائف غير مرغوب فيها بشكل متعمّد، أو تقويض تصميم أو سلامة أو عمليات التصنيع أو الإنتاج أو التوزيع أو التركيب أو التشغيل أو الصيانة» الخاصة بنظام من أنظمة الأمن القومي، وذلك بهدف مراقبة ذلك النظام أو تعطيله أو حرمانه من العمل أو إرباكه أو تقليص كفاءته أو إضعاف تشغيله واستخدامه.
غير أن جذور الأزمة لم تبدأ مع هذا القرار مباشرة. فقبل أن تتلقى شركة أنثروبيك التصنيف رسمياً، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (Donald Trump) في يوم الجمعة 27 فبراير على منصة تروث سوشال (Truth Social) منشوراً أعلن فيه أنه وجّه جميع الوكالات الفيدرالية إلى التوقف عن استخدام نموذج «كلود» (Claude). وفي مقابلة مع موقع بوليتيكو (Politico)، عبّر ترامب عن موقفه بعبارات حادة قائلاً: "لقد أقلتُ شركة أنثروبيك. الشركة في ورطة لأنني طردتهم كما تُطرد الكلاب".
ولفهم السياق الأوسع لهذه المواجهة، لا بد من العودة عدة سنوات إلى الوراء. ففي عام 2024، وقّعت شركة أنثروبيك وشركة المقاولات الدفاعية بالانتير (Palantir) اتفاقاً مع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن (Joe Biden)، وهو الاتفاق الذي قامت إدارة ترامب لاحقاً بتوسيعه. وقد أتاح هذا الاتفاق للجيش استخدام نموذج «كلود» (Claude) ضمن بيئات عمل مصنّفة سرية، لكنه تضمّن في الوقت نفسه استثناءات واضحة تمنع استخدام الذكاء الاصطناعي لتشغيل أسلحة قاتلة ذاتية التشغيل بالكامل، كما تمنع استخدامه لتنفيذ عمليات مراقبة جماعية واسعة النطاق داخل الولايات المتحدة ضد المواطنين الأمريكيين.
ومع بداية هذا العام، أعاد البنتاغون فتح باب المفاوضات مع شركة أنثروبيك في محاولة لإلغاء تلك القيود. غير أن إدارة ترامب ترى أن هذه الاستثناءات -إلى جانب رفض الرئيس التنفيذي للشركة داريو أمودي (Dario Amodei) التراجع عن موقفه في هذا الملف- تعني عملياً أن شركة أنثروبيك تحاول فرض قرارات تتعلق بالسياسة العسكرية بدلاً من أن تبقى تلك القرارات بيد حكومة الولايات المتحدة والشعب الأمريكي.
وفي السياق ذاته، نشر وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث (Pete Hegseth) في يوم 27 فبراير منشوراً عبر منصة إكس (X) قال فيه إن شركة أنثروبيك قدّمت «درساً نموذجياً في الغرور والخيانة، فضلاً عن مثالٍ واضح على الكيفية التي لا ينبغي بها إدارة الأعمال مع حكومة الولايات المتحدة أو البنتاغون». وأضاف أنه أصدر توجيهات مباشرة إلى وزارة الحرب في الولايات المتحدة لتصنيف الشركة باعتبارها خطراً على سلسلة التوريد.
وكتب هيغسيث قائلاً: "اعتباراً من هذه اللحظة، لا يُسمح لأي مقاول أو مورّد أو شريك يتعامل مع الجيش الأمريكي بأن يشارك في أي نشاط تجاري مع شركة أنثروبيك". وقد أصبح هذا التصنيف لاحقاً رسمياً مع بداية شهر مارس.
وفي بيان نشر مساء 5 مارس، أكد داريو أمودي (Dario Amodei) أن شركة أنثروبيك تلقت إخطاراً رسمياً بهذا التصنيف، مشيراً إلى أن الشركة «لا تملك خياراً سوى الطعن فيه أمام القضاء». كما حاول أمودي توضيح النطاق الحقيقي لهذا القرار، مؤكداً أنه «ينطبق بوضوح فقط على استخدام نموذج كلود (Claude) من قبل العملاء كجزء مباشر من العقود المبرمة مع وزارة الحرب في الولايات المتحدة، وليس على جميع استخدامات كلود (Claude) لدى الشركات التي لديها مثل هذه العقود»، مستشهداً بالنص القانوني الذي ينظم آلية تصنيف المخاطر المتعلقة بسلسلة التوريد من قبل القيادات العسكرية.
وبصيغة أبسط، فإن ذلك يعني أنه إذا كانت شركتك تتعامل مع الجيش الأمريكي، فإن الأمر الوحيد الذي يتعيّن عليك التأكد منه هو أن نموذج «كلود» (Claude) لا يُستخدم ضمن المنتجات أو الخدمات التي تقدمها مباشرةً للمؤسسة العسكرية.
وأضاف الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك أن القانون «يلزم وزير الحرب باستخدام أقل الوسائل تقييداً الممكنة لتحقيق هدف حماية سلسلة التوريد». كما أوضح أن تصنيف مخاطر سلسلة التوريد «لا يقيّد -ولا يمكنه أن يقيّد- استخدامات كلود (Claude) أو العلاقات التجارية مع أنثروبيك إذا لم تكن مرتبطة مباشرة بالعقود الخاصة بوزارة الحرب»، حتى بالنسبة للعملاء الذين يعملون مع الوزارة.
وقد لقيت هذه التوضيحات دعماً واضحاً من شركتي مايكروسوفت (Microsoft) وغوغل (Google). فبحسب ما نقلته شبكة سي إن بي سي (CNBC)، قال متحدث باسم مايكروسوفت إن محامي الشركة «درسوا القرار وخلصوا إلى أن منتجات أنثروبيك، بما في ذلك نموذج كلود، يمكن أن تظل متاحة لعملائنا -باستثناء وزارة الحرب- عبر منصات مثل إم365 (M365)، وغيت هاب (GitHub)، ومنصة الذكاء الاصطناعي الخاصة بمايكروسوفت المعروفة باسم إيه آي فاوندري (AI Foundry)، كما يمكننا الاستمرار في العمل مع أنثروبيك في المشاريع غير المرتبطة بالدفاع».
كما نقلت شبكة سي إن بي سي عن متحدث باسم غوغل قوله إن «هذا القرار لا يمنعنا من التعاون مع شركة أنثروبيك في المشاريع غير الدفاعية، كما أن منتجاتها ستظل متاحة عبر منصاتنا مثل غوغل كلاود (Google Cloud)».
ومن زاوية أخرى، أوضح ميتشل كوبر (Mitchell Couper)، نائب رئيس قسم البيانات والتحليلات في شركة سبيند إتش كيو (SpendHQ) المتخصصة في حلول المشتريات، في حديثه مع مجلة إنك أن تأثير هذا التصنيف «يكون أكبر بكثير إذا كنت تعمل في القطاع العام». فالشركات التي لا تتعامل بانتظام مع الجيش ليس لديها ما يدعو للقلق، على حد قوله، لكن المتعاقدين الذين يستخدمون تقنيات أنثروبيك في مشاريعهم مع الجيش الأمريكي -مثل شركة بالانتير (Palantir)- قد يشعرون بقدر أكبر من القلق. ووفقاً لما ذكرته صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post)، تستخدم شركة بالانتير حالياً نموذج «كلود» (Claude) لتشغيل نظامها المعروف باسم ميفن سمارت سيستمز (Maven Smart Systems)، والذي يُقال إنه يحدد الأهداف العسكرية في الوقت الفعلي خلال الحرب الجارية في إيران.
أما ديفيد بادر (David Bader)، أستاذ علوم الحاسوب في معهد نيوجيرسي للتكنولوجيا (New Jersey Institute of Technology) ومؤسس معهد علوم البيانات التابع له، فيرى أن خطوة البنتاغون غير مألوفة إلى حد كبير. ويقول: «عندما يعجز طرفان عن التوصل إلى اتفاق بشأن شروط عقد ما، فإن المسار الطبيعي عادةً هو أن يفترقا».
ويضيف بادر أن «معاقبة شركة مثل أنثروبيك بعقوبة من مستوى الأمن القومي بسبب رفضها شروطاً تعاقدية يبعث برسالة واضحة مفادها: إما أن تقبل بكل ما تطلبه الحكومة، أو تواجه عواقب صُممت أساساً للتعامل مع خصوم أجانب».
نُشر هذا المقال في الأصل على موقع مجلة (Inc.com)