من قاعة الاجتماعات إلى ساحة العمل: كيف تُفعل الاستراتيجية يومياً؟
دليل عملي لردم الفجوة بين التخطيط والتطبيق عبر مواءمة المشاريع والقرارات اليومية مع الرؤية المؤسسية وتحويل الاستراتيجية إلى نتائج قابلة للقياس
في خلوة قيادية لكبار التنفيذيين قدتُها مؤخراً، طلبنا من فريق القيادة القيام بمهمة تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها عميقة الأثر في جوهرها: أن ينظروا إلى عملهم الحقيقي كما هو -المشاريع الجارية، والمبادرات القائمة، والأولويات الفعلية- ثم أن يقيموا بصدق مدى اتساق هذا العمل تشغيليّاً مع الرسالة المعلنة للمؤسسة، ورؤيتها، واستراتيجيتها.
ومن واقع خبرتي كمدرب تنفيذي أعمل مع فرق قيادية، أستطيع القول إن تقييم الاتساق التشغيلي، على قدر أهميته الحاسمة، يظل ممارسة نادرة الحدوث. فطالما لم يكن القادة مستعدين لقول الحقيقة عمّا لا يعمل، وتحمل مسؤولية تغييره، فإن الأسهل دائمًا هو الاستمرار في الانشغال، والرؤوس منحنية في أداء الأعمال كما اعتادوا، تحت شعار “العمل مستمر”. غير أن هذا الخيار الظاهري المريح لا يمكن أن يُتخذ دون توفر شرط جوهري سابق عليه: الثقة.
الثقة والأمان أولاً
قبل أن نطلب من القادة فحص مدى اتساق أعمالهم، تعمدنا أن نبدأ من الأساس: بناء الثقة. كان فريق الإدارة العليا أول من بادر، إذ سمّى صراحة مخاوفه المرتبطة بالأمان الوظيفي، وأعلن التزاماً واضحاً بأن هذا المسار لا يستهدف الاستغناء عن أشخاص، بل التخلي عن أعمال لم تعد متسقة. ولم نقف عند حدود الشفافية اللفظية، بل أرفقناها بتمرين حركي تفاعلي لبناء الثقة، هدفه إخراج الجميع من “وضع الاجتماع الرسمي” إلى حالة أكثر إنسانية، وأكثر انفتاحاً.
وقد أتاح هذا الصدق مساحة آمنة لقول الحقيقة، كما ساعد هذا التحول الجسدي على حضور مختلف في النقاش. وأشار عدد من المشاركين إلى أنه لولا هذا البناء المسبق للثقة -ولا سيما جرأة القادة في تسمية مخاوفهم علناً- لبقيت أحاديث الاتساق التي تلت ذلك مهذبة، نظرية، ومجردة من أي التزام حقيقي.
والدرس لأي مؤسسة واضح وبسيط في آن واحد: لا يرسخ عمل الاتساق إلا بعد أن يصنع القادة الأمان النفسي بأنفسهم، وأن يبادروا أولاً. فما الخلاصة؟ أن على القادة أن يتخلوا عمّا لم يعد مناسباً، وأن يترجموا ذلك إلى فعل، وإلا فإن الثقة التي بُنيت بعناية ستتبدد سريعاً.
كيف تواصل Pixar فعل ذلك؟
أدركت قيادة شركة بيكسار (Pixar) منذ وقت مبكر أن الاتساق لا يمكن افتراضه افتراضاً دائماً. فمع نمو الشركة، تسلل عدم الاتساق حتماً إلى بعض المسارات، وبدأت عمليات كانت يوماً مفيدة تعيق التقدم. كما تحولت الحوافز، وأصبح العمل الجيد يثقل تحت وطأة التعقيد.
لم يتعامل إد كاتمول Ed Catmull، المؤسس المشارك، مع هذا الانجراف باعتباره خللاً ينبغي إخفاؤه، بل رآه إشارة تستدعي التدخل، بل أمراً متوقعاً ينبغي الاستعداد له. ولذلك لم يكن الاتساق في بيكسار إعلاناً يُطلق مرة واحدة ويُفترض أنه يدوم إلى الأبد، بل ممارسة قيادية يُعاد النظر فيها عمداً وتكراراً، باعتبارها مسؤولية مستمرة لا تنتهي.
الاتساق التشغيلي وعائده
لقد أظهرت أبحاث تنفيذ الاستراتيجية على مدى عقود أن معظم المؤسسات لا تفشل بسبب استراتيجية ضعيفة، بل لأنها تعجز عن وصل استراتيجيتها بعملها اليومي الفعلي. وتؤكد أعمال كابلان ونورتون Kaplan and Norton حول بطاقة الأداء المتوازن Balanced Scorecard، إلى جانب دراسات متعددة أجرتها ماكنزي (McKinsey)، أن المؤسسات التي تحقق اتساقاً قوياً بين الاستراتيجية والتنفيذ تتفوق على نظيراتها في النمو، والتركيز، والنتائج.
يدر الاتساق عائداً ملموساً، بينما يكلف عدم الاتساق ثمناً باهظاً؛ ويتجلى ذلك في ارتفاع معدل الاستنزاف الوظيفي، وتآكل الثقة، والإرهاق، وانشغال أشخاص أكفاء بحل مشكلات لا تمس جوهر الاتجاه الاستراتيجي.
شاهد أيضاً: استراتيجيات مبتكرة لإدارة فريق من العباقرة
أسئلة للتأمل
ما الذي تعلم مسبقاً أنه غير متسق تشغيلياَ مع رؤيتك أو رسالتك أو استراتيجيتك، ومع ذلك تسمح باستمراره؟ وما الذي يلزمك لتتخلى عمّا لم يعد ملائماً؟ وكم مرة يسأل قادتك صراحة عن مدى اتساق أي مشروع مع الرسالة والرؤية والاستراتيجية قبل اعتماده؟
خمس خطوات نحو الاتساق التشغيلي
- ابدأ ببناء أداة تقييم للاتساق: صمّم فحصاً موجزاً بمشاركة فريقك الفاعلة، ووضّح بجلاء كيف سيُستخدم وكيف لن يُستخدم.
- أوقف الاعتمادات مؤقتاً للتحقق من الملاءمة: قبل الموافقة على عمل جديد، اطلب إجابة واضحة عن كيفية خدمته للرسالة والرؤية والاستراتيجية، وما الذي سيتوقف نتيجة لذلك.
- اجعل قول الحقيقة آمناً ومفيداً: أوضح أن كشف عدم الاتساق جزء من العمل ذاته، لا تهديد له، ونسّق الحوافز بما يعكس ذلك.
- ابدأ بنفسك: اعترف علناً بحالات عدم الاتساق في مشاريع وافقت عليها أو أدرجتها ضمن أولوياتك، ثم صحح المسار.
- اجعل عدم الاتساق مرئياً وتصرف حياله: راجع بانتظام أين يذهب الوقت والمال والانتباه، وحدد الأعمال التي لم تعد مناسبة، ثم أوقفها أو أعد تشكيلها.
حديث الفريق
في اجتماعك المقبل، اشرح مفهوم الاتساق التشغيلي، وشارك هذا المقال، واطلب من الفريق إعداد قائمة بالمشاريع الحالية واختيار أحدها لفحصه معاً. واطرح السؤال: كيف يخدم هذا المشروع الرسالة والرؤية والاستراتيجية في هذه اللحظة؟ ثم استمع من دون دفاع. وإذا ظهر عدم اتساق، فليُتخذ القرار جماعياً بشأن ما ينبغي إيقافه أو إعادة تشكيله أو توضيحه.
التحدي الملهم
لا تعاني معظم فرق القيادة من نقص الالتزام بالاتساق، بل من كلفته الإنسانية والقيادية. فالعمل على الاتساق يفرض على القادة أن يبطئوا إيقاعهم، وأن ينظروا بصدق إلى العمل الذي يتيحونه ويدعمونه، وأن يغيروا المسار عند الحاجة؛ وهو ما يتطلب شجاعة حقيقية.
إنه يعني الاعتراف بأن بعض الأعمال استمرت لأنها مألوفة، لا لأنها مناسبة. وأن قرارات اعتماد سابقة كانت منطقية في سياقها الزمني، لكنها لم تعد كذلك. وأن إيقاف ما لم يعد متسقاً قد يكون أصعب من إطلاق مبادرة جديدة.
وفي النهاية، هو خيار يُتخذ كل يوم؛ في قرارات الاعتماد، وفي المفاضلات، وفي كيفية استثمار الوقت والطاقة. وعندما يُختار الاتساق باستمرار، يراه الناس ويلمسونه؛ فيزداد تركيزهم حدة، وتتجذر الثقة، ويعود الانخراط، وتتجه الطاقات إلى ما يستحق فعلاً.
هذا الرأي الخبير بقلم موشيه إنغلبرغ، الحاصل على درجة الدكتوراه، والمتحدث والمدرب التنفيذي، ومؤلف كتاب The Amare Wave، وقد نُشر أصلاً على مجلة Inc.com